بعد الهجرة العشوائية من الأرياف… القاهرة أضيق من ثقب الإبرة!

كمال القاضي
حجم الخط
0

قبل نصف قرن تقريباً كانت الهجرة من الريف المصري إلى القاهرة مشروطة بعدة أسباب، أولها الانتقال الوظيفي لرب الأسرة، ثانياً حركة التجارة التي تفرض الذهاب إلى العاصمة بوصفها سوقاً مفتوحة تسمح بترويج السلع وبيعها وزيادة نسبة الربح خارج الإطار المحلي للبيئة المُنتجة، ولم تكن مسألة السعي على الرزق بهذه الطريقة تستدعي بقاء التجار في محيط تجارتهم إلا لمن تقطعت بهم أسباب الاستقرار في بلادهم. غير أن فئات قليلة من العمالة الخاصة هم فقط من كانت تضطرهم ظروفهم إلى اختيار القاهرة موطناً دائماً لهم بحكم طبيعة العمل، كالبوابين والباعة الجائلين والحرفيين والمهنيين وغيرهم من طوائف المعمار والبناء.

وقد عرضت السينما على امتداد مراحلها عشرات الأفلام التي صورت بشكل واقعي هذه الأزمة، كان من بينها فيلم “الفتوة” و”السوق السوداء” و”النداهة” و”البيه البواب” و”هنا القاهرة”. وفي إطار المشكلة المزمنة تمت مناقشة التفاصيل ولكن لم يجرؤ فيلم واحد على إدانة ظاهرة الهجرة غير المنظمة من الريف إلى المدينة أو يشير مجرد إشارة إلى عشوائيتها باعتبار أن استمرارها يمثل تهديدا مباشراً يُنذر بانفجار سكاني محتمل داخل نطاق العاصمة يزيد من أعبائها المتراكمة.

وبرغم محاولات التنبيه من خطر الزحف اليومي المتكرر لأكبر العواصم العربية، إلا أن ذلك لم يمنع الوافدين عليها من اختيارها محلاً للإقامة الدائمة هرباً من مواجهة المشاكل الأساسية والأزمات الطاحنة المتمثلة في الثأر الناتج عن الثقافة الاجتماعية المتأصلة في قطاع الصعيد، وأحد الأسباب المهمة في نزوح أعداد كبيرة إلى القاهرة للذوبان في أحيائها وبين سكانها، وكذلك موجات الإرهاب والصراع الدائر على أطراف المدن الصغيرة وبعض القرى بين السُلطة والعناصر الإرهابية الفارة.

ومن ناحية أخرى تُعد البطالة سبباً رئيسياً في تزايد معدلات الهجرة من المحافظات الإقليمية إلى العاصمة، التي لا تزال من وجهة نظر النازحين قبلة النجاة من الجوع والعوز والفقر حسب الدوافع التقليدية للسفر والترحال. ولا تقتصر مشكلة الهجرة المُسببة أو غير المُسببة من القرى والمدن الريفية إلى القاهرة على الكثافة السكانية وما ينتج عنها من أضرار واضطرابات كثيرة، وإنما تنطوي أيضاً على نقل بعض الثقافات والعادات والتقاليد الخاصة غير الملائمة للمدن الكبرى كالعصبية والفوضى في بعض الأحيان، فضلاً عن صعوبة البحث عن سُبل الرزق والتعايش، مما يتسبب في تعرض الفئات البسيطة لحالات النصب والاحتيال من جانب المحترفين والخارجين على القانون الذين يستغلون سذاجة وطيبة البعض  للإيقاع بهم في شرك الجرائم ليتحولوا إلى عناصر سلبية ضارة.

وهناك أفلام قديمة وحديثة قدمت معالجات موضوعية بالغة الأهمية لمثل هذه الحالات منها “اليتيمتين” للمخرج حسن الإمام وفاتن حمامة و”العتبة الخضرا” لإسماعيل وأحمد مظهر و”المتسول” و”رجب فوق صفيح ساخن” و”شعبان تحت الصفر” لعادل إمام. ولا شك أن الأفلام المذكورة لفتت النظر للمشكلة ولكنها لم تكن كافية للقضاء عليها. ولو تتبعنا مسيرة السينما المصرية سنجد أنها غنية بالنماذج التي صبت في الخانة ذاتها بدرجات متفاوتة من حيث أهميتها وقربها وبعدها عن الحالة الواقعية بمستوياتها كافة، وربما يأتي فيلم “النداهة” في المقدمة كونه اختص بجاذبية القاهرة كمدينة لها سحرها وطبيعتها برغم مشاكلها المتوارية خلف السطح البراق.

وكذلك فيلم “هنا القاهرة” بطولة محمد صبحي وسعاد نصر وهو من التجارب القليلة لصبحي في عالم السينما والتي كان لها أثر إيجابي في الوعي بحيرة المواطن الريفي واغترابه داخل العاصمة لفقدانه آليات التعامل والتفاهم مع المجتمع الكبير باختلافاته الجوهرية عن مجتمعات الريف والحضر والبادية. ولا يمكن التعرض للحالات الإبداعية السينمائية المترجمة للأزمة والدالة عليها من دون ذكر فيلمين إضافيين مهمين هما “آخر الرجال المحترمين” لنور الشريف و”أربعة في مهمة رسمية” لأحمد زكي، فقد قدم الفيلمان تجربتين دراميتين متميزتين في هذا الصدد، حيث أشارا لمعوقات الحياة في القاهرة وعدم قدرة الوافدين إليها على التكيف معها بسهولة لأسباب كثيرة تتعلق بطبيعتها السكانية والثقافية والاجتماعية واحتياجها لاستعداد وتأهيل مُسبق لضمان التعايش في ظل المقتضيات النوعية المختلفة والفارقة عن الحياة الريفية السهلة والبسيطة والأكثر أريحية في طبيعة الحال.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية