بعد انتصاف السنة مجلس النواب الليبي يؤجل اعتماد الميزانية مجددا والدبيبة يخرج عن صمته

نسرين سليمان
حجم الخط
0

طرابلس-»القدس العربي»: مع قرب دخول ليبيا الشهر السابع من السنة المالية الحالية، ما زالت المشاكل والخلافات تحول دون اعتماد ميزانية موحدة للدولة، فظلت كافة مؤسسات الدولة تعمل بدون ميزانية تسييرية فضلا عن باقي الأبواب التي لم يعتمد منها إلا باب المرتبات وبدون تعديل وفصل نهائي فيه.
تأخر اعتماد الميزانية كان له الأثر البالغ في عمل مجموعة من أبرز قطاعات الدولة وأولها النفط، الذي يعاني جراء جملة من الاقفالات الماضية من أضرار بالغة تحول جزئيا دون رفع معدل الإنتاج إلى مستويات جيدة.
كما أن محطات الكهرباء في ليبيا لا تكفي بإنتاجها لسد حاجة المواطنين ما أدى إلى انقطاعها لساعات طويلة خلال اليوم، الأمر الذي يحتاج لتخصيص مبالغ لمشروعات الكهرباء في أسرع وقت نظرا لاقتراب الذروة الصيفية.
كما أن التحضير للانتخابات القادمة والمرتقب تنفيذها في 24 كانون الأول/ ديسمبر يحتاج إلى صرف المبالغ المخصصة للمفوضية الوطنية العليا للانتخابات حتى تتمكن من المباشرة الفعلية في التجهيز للاستحقاق الشعبي وتهيئة المراكز الانتخابية في كامل ربوع البلاد.

رئيس الحكومة يحذر

رئيس حكومة الوحدة الوطنية خرج عن صمته في الأيام الماضية خلال لقاءه بمجموعة من النواب حيث حذر من خروجه علنا أمام المواطنين ليعلن فشله في إدارة زمام البلاد حال لم تعتمد له الميزانيات اللازمة، وفي حال تمسك النواب بخلافات لا تحمل أي معنى يذكر.
حيث قال عبد الحميد الدبيبة خلال جلسته مع عدد من أعضاء مجلس النواب بشأن الميزانية، إن إنتاج النفط اليوم في ليبيا تجاوز مليون و300 ألف برميل، وسعر البرميل تجاوز 70 دولارا، وأن هذا يعني أن الميزانية وضعت بشكل حقيقي وتحفظي إلى حد كبير، وأنه سيكون هناك فائض.
وأوضح أن وضع الميزانية تم بناء على دراسات لوضع النفط وحجم الإنتاج والسعر، وكذلك سعر الصرف الجديد، مشيرًا إلى أن كل أوجه وبنود الميزانية وُضعت على أساس أن سعر الصرف 4.4، وسعر البرميل 50 دولارا، وإنتاج ليبيا مليون برميل.
وحذر الدبيبة من أن التأخر في اعتماد الميزانية قد يضطره للخروج إلى الشعب لإعلان الفشل عن إدارة أموره وتنفيذ وعوده لهم، مؤكدًا «إحنا دون اعتماد الميزانية عاجزين وسنعجز أكثر الشهر القادم».
واستنكر الدبيبة تصرفات مجلس النواب قائلا أن حكومته قدمت الميزانية لمجلس النواب في نفس اليوم الذي حازت فيه الثقة، قبل 3 أشهر، وتم مراجعتها بناء على طلب المجلس أكثر من مرة، مؤكدًا أن ما يتردد بشأن اعتماد بند واحد يجعلها لم تعد ميزانية بل شيئا آخر.
تضخم واقتراض

كشف رئيس الحكومة الليبية عبد الحميد الدبيبة عن قيام الحكومة بالاقتراض من مصرف ليبيا المركزي بمبالغ تقترب من  30 مليارا لتغطي بها المرتبات والمنح التي صرفتها، مؤكدًا أن المركزي لم يعد قادرًا على إعطاء الحكومة مبالغ أخرى. وفي توضيح لسبب تضخم الميزانية قال الدبيبة أن «كل محطات الكهرباء بحاجة إلى إجراءات صيانة، إضافة إلى المشروعات الجديدة، مشيرًا إلى أنه تم الإفراج عن مبالغ للصيانة، وأن القيمة التي كانت 100 مليون أصبحت 2.5 مليار بسبب سعر الصرف والتضخم».
وتابع بأن «القطاع الصحي يعاني معاناة كبيرة، وأنه رغم أن ليبيا قطعت شوطًا كبيرًا في معالجة آفة كورونا إلا أن اللقاحات التي حصلت عليها ليبيا ما زالت لم تسدد الجزء الأكبر من ثمنها، انتظارًا للميزانية، منوها بأن الأمصال مكلفة جدًا وتتحكم فيها عدة دول».
وأضاف أثناء قيامه بعرض أوجه الصرف المطلوبة بأن «الطرق في عموم ليبيا تحتاج إلى مبالغ كبيرة لصيانتها بعد أن تهالكت، خاصة أن شبكة الطرق الليبية بدأت في السبعينات والثمانينات ولم تُجدد حتى اليوم، مما يضاعف معاناة الليبيين».
وأشار إلى أن «الحكومة تعمل على تشجيع المقاولين الليبيين للانخراط في أعمال الصيانة واستكمال المباني، مؤكدًا أن إعادة الدولة الليبية إلى وضعها الطبيعي يحتاج إلى ما هو أكثر من الميزانية المرصودة».

احتياجات ومطالبات

الدبيبة وفي حديثه أمام النواب أكد أن ما يشغله هو المواطن الليبي، خاصة المرضى، ومنهم 460 طفلاً مرضى بالسرطان ليس لدى الدولة ما تقدمه لهم من دواء أو خدمات أو زرع النخاع الشوكي أو العلاج بالكيماوي، مشيرًا إلى أنه يوميًا يجد مظاهرات أمام مكتبه لمواطنين لهم حاجات لا يقدر على التصرف بشأنها بسبب الميزانية.
وأشار إلى أن أهالي من المنطقة الشرقية التي تعاني من الجفاف ذهبوا إليه يطلبون دعم العلف، منوها بأن هذا البند وحده يحتاج إلى 80 مليون ديندينار.
وشدد على أن الميزانية ليست مسألة أرقام كبيرة أو صغيرة بل يجب النظر إلى أن هذه دولة وهذا شعب يعاني منذ 10 سنوات وهذه مقدراته، وما تفعله الحكومة أنها تُقدم له قطرات تروي ظمأه.
وقال الدبيبة «أن مسألة الميزانية ليست خلافًا بين الحكومة أو مجلس النواب فالطرفان مسؤولان أمام الشعب، مؤكدًا أن الحكومة بعد هذا البيان المُعلن لتوضيح الحقائق لم تعد تستطيع الوقوف أمام الشعب وهي شاعرة بالعجز عن التصرف» .
وخاطب النواب قائلا: «منحتونا الثقة بارك الله فيكم وهذا معناه أنكم وثقتم فينا، فأعطونا الميزانية وحاسبونا، ونحن لا نتستر على أي وزير أو مسؤول».

بند المرتبات

وعقب توصيات قدمت للحكومة لتضمين القرارات المتخدة من مجلس النواب والخاصة بزيادة مرتبات بعض الشرائح كالشرطة والمعلمين وغيرهم فقد راسل رئيس الحكومة مجلس النواب في خطاب رسمي بشأن تفاصيل هذه الزيادات . وفي حديث للقدس العربي مع الناطق باسم رئيس حكومة الوحدة الوطنية محمد حمودة فقد أكد صحة المراسلة الموجهة من رئيس وزراء حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة، لرئيس مجلس النواب، بشان زيادة الباب الأول لموازنة العام المالي المقبل .
وقد تضمنت المراسلة زيادة هذا الباب بواقع 25.1 مليار دينار ، ليصبح 59.1 مليار دينار، بدلا من 34 مليار دينار وذلك لإضافة بعض البنود الذي طالب بها مجلس النواب.
وأوضحت المراسلة أن هذه الزيادة جاءت بسبب إضافة بند زيادة المرتبات لقطاعات التعليم والداخلية والصحة والنفط، ليصبح ليصبح قطاع المالية أضعف مرتب بالدولة.
ووفق المراسلة، فقد أوصت الحكومة برفع مخصصات الداخلية بقيمة 9.6 مليارات دينار، والتعليم بقيمة 8.5 مليارات دينار، والصحة بقيمة 5.5 مليارات دينار، والنفط بقيمة 1.5 مليار دينار.
وأعلنت الحكومة من خلال الخطاب أنها أصدرت القرار رقم 6 لسنة 2021 بشأن تشكيل لجان وزارية لتقديم جدول مرتبات موحد للعاملين بالقطاع الإداري، لضمان تحقيق العدالة الاجتماعية.

خلافات بدل الاعتماد

وبدل اعتماد الميزانية المناط بها حل مجموعة كبيرة من المختنقات التي تعاني منها ليبيا فقد تضمنت جلسة مجلس النواب الاخيرة المخصصة للاعتماد مشاكل وخلافات وصلت حد اللكم والشتم على الهواء مباشرة بين النواب المختلفين في التوجهات والأراء .
الناطق باسم المجلس التشريعي وعقب جلسات استمرت ليوم خرج ليعلن عن تعليق الجلسات مرة اخرى دون التوصل لحل في قضية الميزانية .
حيث قال المتحدث الرسمي باسم مجلس النواب عبد الله بليحق، أن المجلس قد قرر استدعاء الحكومة في الجلسة المرتقبة المقرر اقامتها في 29 من الشهر الجاري.
وأضاف بليحق أن المجلس يشدد ويؤكد على ضرورة تضمين الحكومة القوانين الصادرة عن البرلمان فيما يخص الباب الأول من الميزانية.
وقال بليحق أن المجلس سيعمل على احالة رسالة للبعثة بشأن تصريحات رئيس مجلس الدولة الذي وصفها بأنها متنصلة من اتفاق بوزنيقة ، وتابع بليحق ملوحا بتصرف أحادي أنه إذا لم ينفذ مجلس الدولة اتفاق بوزنيقة فسنقوم بمسؤولياتنا تجاه الشعب.

مجريات الجلسات

عضو مجلس النواب الليبي أبوبكر سعيد قال في حديث لـ»لقدس العربي» أن الجلسة أفتتحت الاثنين في ظروف غير مناسبة، وأغلب الأعضاء غير متفائلون بإنجاز عمل إيجابي يٌساعد في اتمام المصادقة على قانون مشروع الموازنة العامة لسنة 2021م.
وتابع سعيد أنه ومن العادة ووفقاً لما هو معمول به أن يُفتتح النقاش لأي بند بكلمة لأعضاء اللجنة المختصة، لعرض التفاصيل على أعضاء المجلس وما اتخذته اللجنة من إجراءات أو لقاءات بهذا الشأن، وهذا للأسف ما لم يحدث في هذه الجلسة ولم تُعط الفرصة للجنة التخطيط والمالية والموازنة العامة لشرح التفاصيل خاصة وأنها أجتمعت قبل يوم واحد فقط مع السيد رئيس حكومة الوحدة الوطنية وعدداً من الوزراء في طرابلس.
وقال سعيد أن بعض الأعضاء قد اتفقوا مع هيئة الرئاسة عبر تكليف لجنة التخطيط والمالية للاجتماع مع وزراء الحكومة الذين وصلوا لطبرق بنفس اليوم وهذا ما تم فعلاً في يوم الثلاثاء حيث بدأت لجنة التخطيط والمالية باجتماع مشترك مع فريق حكومة الوحدة الوطنية، مضيفا أن الإجتماع كان مثمر.
وعقب الاجتماع عقد المجلس جلسة مغلقة لبحث قضايا أخرى مختلفة ولم تُفضي بأي قرارات، وفي نهاية الجلسة إتفق على تأجيل الجلسة أسبوع أخر لإعطاء الفرصة إلى لجنة التخطيط والمالية لإستكمال مناقشتها مع الحكومة.
وأوضح سعيد أن الاتفاق مع رئاسة مجلس النواب كان يقضي بأن تُعقد الجلسة القادمة يوم الإثنين الموافق 21 حزيران/يونيو 2021 في مدينة طرابلس، وتفاجأ الأعضاء فيما بعد بخروج الناطق الرسمي ليعلن أن الجلسة القادمة سوف تُعقد يوم 29 حزيران/يونيو 2021 وهذا مخالف لما تم التوافق عليه.
وفي حين تتمسك حكومة الوحدة الوطنية بمقترح الميزانية المعد والذي يتجاوز 93 مليار دينار، يحاول مجلس النواب الليبي وضع مقترحات وخطط بديلة أقل تضخما، ما باعد احتمالية الاتفاق بينهما.
حيث تحصلت صحيفة «القدس العربي» في وقت سابق على نسخة من الميزانية المعدلة للمرة الثالثة والتي ناقشها مجلس النواب الليبي خلال جلسته التي عقدها على مدار يومي الاثنين والأربعاء والتي انتهت باعتماد بند المرتبات فقط، ورفض بقية البنود.
وتضمنت الوثيقة المعدة كمقترح من قبل مجلس النواب تعديل الميزانية بشكل عام وتقليصها إلى مبلغ 75.7 مليار دينار عقب أن قدمت من الحكومة معدلة بمبلغ 93.8 مليار دينار، واعترض عليها مجلس النواب.
وقلص الباب المرتبات إلى 33.8 مليار دينار، أما الباب التسييري فقد قلص إلى 9.2 مليار دينار، وقلصت ميزانية التنمية إلى 12 مليار دينار، أما باب الدعم فقد ظل بمبلغ 20 مليار دينار.
خلافات مجلس النواب كانت وما زالت مؤثرا رئيسيا وقويا على عمله، فالانقسام الذي شهده هذا الجسم التشريعي لسنوات لم يستطع النواب أن يتلافوها خلال أشهر بل ظلت توجهات كل قسم تؤثر على نقاشاته وأراءه.
ومع تأجيل الجلسة لنهاية الشهر الجاري لا يتفائل ولا يتوقع معظم المتتبعين أن تخرج نتيجة واضحة من الجلسات القادمة ما لم يتم الضغط على مجلس النواب الليبي الذي اعتاد تمطيط حبال الأزمة، والذي دعم حفتر الرافض للحكومة وميزانيتها.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية