أعترف بأنني بدأت أشتاق لأيام نتنياهو، فقد كانت هناك معارضة على الأقل في أيامه. صحيح أن بعضها كان أعرج وبعضها يتلعثم، لكن روح المعارضة كانت تحلق فوق ميادين كثيرة. هناك الآن هدوء يثير القشعريرة. إذا أسمعت صوتك ضد أي ظلم فإنهم يوجهون بغضب. من المحظور تفكيك المعسكر المناهض لبيبي. هل تعرفون؟ ليذهب هذا المعسكر إلى الجحيم، إذا كان ثمن تكتل هذا المعسكر فيضاً من المظالم ضد الفلسطينيين.
عندما كان حزب “ميرتس” في المعارضة أسمع صوتاً واضحاً ضد الاحتلال، وعدد غير قليل في “يوجد مستقبل” أسمعوا أصواتاً ليبرالية. قبل الانزلاق المخجل إلى حضن حكومة نتنياهو – غانتس قال حزب العمل شيئاً ما في هذا الشأن، وفي النهاية الحبيبة، أي “القائمة المشتركة”، بكل الـ 15 مقعداً التي لديها، كانت جميعها ضد الاحتلال. صحيح أن نتنياهو شكل خطراً ملموساً على الحريات الديمقراطية، لكن التيار المقابل كان عاصفاً وشجاعاً وواضحاً بدرجة لا تقل عن ذلك. والآن؟ كما يقول المثل العربي: “خزق الطبل والأحباب تفرقوا”. الطبل الذي رقص المعارضة حول أهداف سامية توقف عند تشكيل حكومة “التغيير”؛ و”اليسار” أخضع نفسه لإملاءات التيار الأصولي الوطني على شاكلة اييلت شكيد.
كنت أشمئز من نتنياهو ومن حكمه المقرف، ولكن في أيامه -يجب الاعتراف- لم نشهد أفعالاً كثيرة فظيعة ضد الفلسطينيين على أيدي اليهود الذين شعر آباؤهم، البيولوجيون أحياناً، على جلودهم بفظائع هذه الأيام في أوروبا. أما “الإجراءات التي تثير القشعريرة”، التي حدثت هناك، ومكنت من العثور على “شهادات لها هنا”، حسب أقوال نائب رئيس الأركان، يئير غولان، في خطابه المشهور في 2016، فقد نضجت في العام 2021.
الإجراءات “نضجت، يا نائب الوزير غولان. إذاً لماذا لا تسهم في وقفها؟ هل الخطابات الذكية جيدة للمعارضة والصمت جيد للائتلاف؟ ها هو اليسار الصهيوني ومن شدة نهمه للحكم والضغط من أجل احتسابه مع كتائب الوطنية الفارغة، تحول إلى خاتم مطاط للقوميين المتطرفين وحتى الفاشيين. غولان مصاب بعمى أيديولوجي. ولا يرى “الإجراءات” إلا حين يدور الحديث عن الحريات الديمقراطية في المجتمع اليهودي. حسب سلوكه، فإن المظالم التي ارتكبت ضد الفلسطينيين غير مرتبطة بذلك. ماذا يشبه ذلك؟ مثلما تفصل الإجراءات غير الديمقراطية في أوروبا عن ظواهر اللاسامية والإسلاموفوبيا.
طرق التاريخ متعرجة. اعتقدنا أن نهاية حكم نتنياهو ستستخدم كخشبة قفز نحو النضال ضد المقاربات الخطيرة في أوساط دوائر اليمين، لكن العجب أن هذه الدوائر أطالت رأسها في ظل حكومة التغيير مرة أخرى. يعلن التيار الديني الوطني الحرب على الشعب الفلسطيني، ويوفر له وزير الدفاع في حكومة التغيير الحماية ويغلق قرى لصالحه كي لا تزعج مسيرات “الكريستال” الخاصة به، إضافة إلى إقامة بؤر استيطانية بالجملة. وإذا لم يكن لـ “اليسار” في الحكومة ما يقوله، فإن الأمر إذاً يتعلق بموافقة صامتة.
نستنتج بأن اليسار لا يكون جيداً إلبا وهو في المعارضة، فهناك يكون مؤثراً أكثر لأنه يكون متحرراً من قيود الحكم، ويشعر بأنه حر في الخروج إلى الشوارع وتجنيد الجمهور من أجل أهدافه. يبدو أن اليسار والحكم لا يسيران معاً، لكن المقام هنا لا يتسع لتطوير هذه الفرضية، ربما يكون ذلك في مناسبة أخرى.
يعلمنا التاريخ بأن حلف مباي – مبام بكل نسخه في السلطة، من 1948 – 1977، كان فوق يميني في تعامله مع الفلسطينيين ومع المواطنين العرب، وأسّس حكماً عسكرياً وحشياً، الذي وقف ضده حتى مناحيم بيغن. والآن يعودون مع ميراف ميخائيلي ونيتسان هوروفيتس إلى السيدة نفسها، وبدون تغيير العباءة. لا نشتاق لحلف مباي – ميام، بحق لا نشتاق له.
بقلم: عودة بشارات
هآرتس 27/12/2021