لندن – “القدس العربي” : عاد المدرب البرتغالي الشهير جوزيه مورينيو، لإثارة الجدل حول مستقبله، بتصريحاته التي أدلى بها لشبكة “بي ان سبورتس” الأسبوع الماضي، واعترف خلالها بتلقيه أكثر من 4 عروض رسمية منذ طرده من مانشستر يونايتد أواخر العام الماضي، لأنه يعرف ما يُريد، لييُعطي وسائل الإعلام فرصة على طبق من فضة، للتكهن حول مستقبله ووجهته التي يُخطط لها الموسم المقبل.
مناصب مستحيلة
حتى أيام وربما ساعات، قبل إعلان عودة زيدان الدين زيدان لريال مدريد، كان “سبيشال وان”، من أقوى وأبرز المُرشحين لخلافة الأرجنتيني سانتياغو سولاري في النادي الملكي، والآن، تبدو عودته لعملاق الليغا مُستحيلة، على الأقل الموسم المقبل، وهو بنفسه، اعترف في وقت سابق في الشبكة الرياضية القطرية، أنه لا يتمنى الابتعاد عن الحقل التدريبي لفترة طويلة، لذا، بنسبة كبيرة، لن تكون وجهته القادمة إسبانية، لصعوبة موافقته على تدريب فريق غير الميرينغي، ليس فقط لارتباطه عاطفيا بالريال وجماهيره، بل حفاظا على “برستيجه” وصورته التي رسمها لنفسه على مدار سنوات، كمدرب لا يقود إلا الفرق الكبيرة.
أيضا في بلاد الضباب، سيجد صعوبة بالغة في العودة مع أحد الكبار في المستقبل القريب، حتى فكرة عودته لناديه الأسبق تشلسي لم تَعد مطروحة، لا منه ولا من الإدارة، لأكثر من سبب، على سبيل المثال اختلاف سياسة النادي مع سياسة مورينيو، بتحول البلوز من مؤسسة تعتمد على الإنفاق ببذخ، كما كان الوضع في مرحلة تدشين المشروع الضخم في بداية حقبة الملياردير الروسي رومان آبراموفيتش، لواحدة من المؤسسات الكروية الحذرة، وهذا كان سبب أزمته في ولايته الثانية، حيث تقلصت صلاحياته، باقتصار دوره على التدريب والإدارة فنية فقط، بدون أن يتدخل بشكل مباشر وملموس في الصفقات الجديدة، أما في ولايته الأولى، كانت كلمته تسير حتى على رجل الأعمال الروسي، لذلك، يُمكن القول بأن صفحة مورينيو وتشلسي أغلقت تماما، إلا إذا تغيرت سياسة الإدارة بطريقة تسمح لمورينيو أن يؤسس لمشروع طويل الأجل، وهذا يبدو صعبا، في ظل ما يتردد عن رغبة آبراموفيتش في بيع النادي لعدم انتهاء مشاكله مع الحكومة البريطانية.
أبواب أخرى مُغلقة
توتنهام؟ كما أشرنا مورينيو مدرب عاطفي بطبعه، ويعرف ويُدرك جيدا، أن موافقته على خلافة ماوريسيو بوتشيتينو، في حال رحل، ستكون خيانة لتشلسي، ويكفي أن استطلاعات الرأي لجماهير تشلسي، تُصنف “سبيرز” أسوأ وألد عدو لندني على الإطلاق، وبجانب هذا، من المستحيل أن يتقابل ذهنيا مع ملك التقشف دانييل ليفي، ما يعني أن كل المؤشرات والدلائل تؤكد أن أبواب الأندية الإنكليزية مُغلقة تماما في وجهه، لعدم وجود مناصب أخرى شاغرة مع الأندية التي تتناسب مع اسمه، في ظل وجود غوارديولا مدربا لعدو الأمس القريب مانشستر سيتي، وأوناي إيمري، الذي خالف كل التوقعات بنتائجه المُقنعة مع آرسنال، أما غير ذلك، فبقية الأندية التي تستطيع توفير راتبه السنوي، لا تتماشى مع تطلعاته وطموحاته كمدرب معروف عنه “صائد للألقاب”. الوضع في “البوندسليغا” لا يختلف كثيرا عن البريميرليغ، فقط الاسم الذي يبدو ملائما ومناسبا لمورينيو في ألمانيا هو بايرن ميونيخ، لكن كما معروف، إدارة البايرن بالكاد تعيش في عالم مواز ومغاير تماما لحقيقة وواقع الكرة الأوروبية، وما زال الرئيس أولي هونيس والمدير التنفيذي كارل هاينز رومينيغه، يُديران النادي بعقلية التسعينات والثمانينات، بوضع سقف لأسعار الصفقات الجديد، أشبه بآرسين فينغر في سنوات العجاف مع آرسنال، قبل أن يواكب العصر بصفقة أوزيل، ومثل هذه المشاريع، عادة لا تروق لمورينيو.
الاحتمال الواقعي
أكثر الصحف ووسائل الإعلام التي تتكهن بمستقبل مورينيو، هي الإيطالية، باعتباره خيارا منطقيا لناديه الأسبق الإنتر، الذي حقق معه أفضل نجاحات في مسيرته، بالفوز بالثلاثية التاريخية (الكالتشيو وكوبا إيطاليا ودوري الأبطال) عام 2010، استنادا لتصريحاته العاطفية، التي يُدلي بها من حين لآخر حول تجربته الأكثر نجاحا، لكن في الوقت الراهن، إذا وافق على تدريب الأفاعي، ستكون بمثابة “المغامرة” غير المحسوبة، فبخلاف معاناة الإنتر ومشاكله التي لا تنتهي من قبل خروج موراتي من الرئاسة، سيكون المو، مُطالبا بالوقوف في وجه المارد يوفنتوس، وهي مهمة إن لم تكن صعبة، فهي مُعقدة، نظرا لابتعاد يوفنتوس عن كل فرق إيطاليا بمسافة لا يُستهان بها بوجود كريستيانو رونالدو بالذات، هذا في الوقت، الذي يحتاج فيه المدرب البرتغالي، لاستعادة ثقته بنفسه، بالعمل على مشروع شبه جاهز، ليعود لممارسة هوايته المُفضلة بمعانقة الألقاب، وهذه الوظيفة تبدو مُفصلة عليه في إيطاليا مع يوفنتوس فقط في الوقت الحالي أو المستقبل القريب، لكن بعد العرض الراقي الذي قدمه اليوفي مع أليغري ضد أتلتيكو مدريد، تضاعفت فرص المدرب في البقاء على الأقل لعام آخر، حتى منذ إعلان عودة زيدان للريال، ربطت الصحف الإيطالية مستقبل مورينيو بيوفنتوس، بحال تم الاستغناء عن أليغري، وبنفس الدرجة وربما أكثر، اقترن مستقبله بالإنتر بعد سباليتي، الذي أنعش فرصه في البقاء، بتأمين المركز المؤهل لدوري الأبطال على حساب غريم المدينة ميلان في الدربي الأخير قبل العطلة الدولية.
الوجهة المثالية
على طريقة “كل لبيب بالإشارة يفهمُ”، لمح مورينيو بنفسه أكثر من مرة، لرغبته في العمل في فرنسا، وبالتحديد مع باريس سان جيرمان، وبنظرة واقعية، يُمكن تفسير تصريحه الأخير برفض 4 عروض تُسيل اللعاب، بانتظار “حديقة الأمراء”، حيث سيلتقط أنفاسه قليلاً، بعد سنوات من الضغوط النفسية، مع الريال وتشلسي ويونايتد، ولم يحصل على راحة كافية، باستثناء الأشهر الستة التي أعقبت إقالته من البلوز. أولاً، لن يجد صعوبة بالغة في إضافة المزيد من الألقاب المحلية بسان جيرمان، لكن الأهم أنه تقريبا الشخص المناسب في الوقت المناسب لمشروع ناصر الخليفي. كيف؟ واحدة من أكثر المشاكل التي تواجه الفريق الباريسي، هي ضعف الحدة الذهنية لدى اللاعبين، خصوصا في المواجهات الكبرى، أو كما يُطلق عليها “المباريات الحاسمة”، دائما، يبدو الفريق وكأنه غير جاهز نفسيا قبل المباريات التي لا تقبل القسمة على اثنين في الأبطال، والسبب، يرجع لافتقار النادي بأكمله، لخبرات مدرب متمرس على إقصائيات الأبطال، وبالعودة للذاكرة إلى الوراء، تحديدا في بداية مشروع المالك ناصر الخليفي، كان وضع الفريق أفضل بشكل واضح عن وضعه الآن، لوجود محنكين مثل الإيطالي كارلو أنشيلوتي، الذي كان على بعد خطوة واحدة من الترشح لنصف النهائي، لولا قاعدة احتساب الهدف خارج القواعد باثنين أمام برشلونة، بتعادله في عاصمة الضوء 2/2 و1/1 في “كامب نو”. وبالنسبة لمورينيو، فيملك خبرة لا تقل عن أنشيلوتي في المواعيد الأوروبية، وهذا أمر يحتاجه سان جيرمان عاجلاً وليس آجلاً، حتى في أسوأ الظروف، وجود “سبيشال وان” مع النادي الباريسي، من شأنه أن يُحرك المياه الراكدة في غرفة الملابس، بشخصيته والكاريزما المعروفة عنه، من المُمكن أن يُغير عقلية اللاعبين وفلسفة وسياسة النادي من جديد، بفرض الالتزام والانضباط، بدلاً من سياسة “الرفاهية”، التي أثبتت أنها ليست الحل، بجانب هذا، سيكون مورينيو أشبه “بالمستشار” للرئيس ناصر الخليفي، في عملية توجيه المال. صحيح هو يُفضل سياسة “الشراء لا التربية”، لكنه في الوقت ذاته، لا ينفق فقط من أجل الإنفاق، والنادي الباريسي، بحاجة الآن لأخذ مسار التحول من مُجرد ناد يجذب اللاعبين بالأموال، لنادٍ يجذب النجوم بكرته ونجاحه في أوروبا، وأفضل من يتولى هذا التحول، هو مورينيو، الذي يحتاج هو الآخر، لمشروع يُساعده على الدخول في تحدٍ جديد، ولا يوجد أفضل من تحدي البحث عن لقب أوروبي ثالث للأبطال، ليُصبح الوحيد في العالم، الذي فعلها مع ثلاثة أندية في ثلاث دول مختلفة، وغيرها من التحديات الأخرى التي تنتظره كتتويجه بلقب الدوري في خمسة بلدان بعدما حقق الدوري البرتغالي مع بورتو، والبريميرليغ 3 مرات مع تشلسي، والسيريا آه مرتين مع الإنتر والليغا مع الريال، فهل تعتقد عزيزي القارئ أن مورينيو هو الرجل المناسب لسان جيرمان في المرحلة المقبلة؟