يعود الحديث عن هيكلة الجيش الوطني بعد النزاع الفصائلي في ريف حلب الشمالي والذي فتح شهية أبو محمد الجولاني قائد هيئة «تحرير الشام» لتوسيع إمارته إلى ريف حلب الشمالي.
أن الحديث عن توحيد الفصائل العسكرية تحت مظلة وزارة الدفاع في الحكومة المؤقتة قديم، رسمت ملامحه بعد سقوط مدينة حلب وانطلاق معركة «درع الفرات» ضد تنظيم «الدولة الإسلامية» وخط على الورق خلال التحضيرات لمعركة «غصن الزيتون» والاتفاق بين روسيا وتركيا على فرض «خفض التصعيد».
في 24 تشرين الثاني (نوفمبر) 2017 اجتمع المسؤولون الأتراك مع قادة الفصائل العسكرية في منطقة عمليات «درع الفرات» ومثل الجانب التركي واليا غازي عنتاب وكيليس وقائد القوات الخاصة التركية وجهاز الاستخبارات، فيما حضر من الطرف السوري الائتلاف الوطني ممثلا بنائبه عبد الرحمن مصطفى (رئيس الحكومة المؤقتة حاليا) وأعضاء في الحكومة السورية المؤقتة و37 قائد فصيل عسكري. اتفق القادة على أربع نقاط، هي توحيد إدارة المعابر في منطقة درع الفرات وإدارتها من قبل الحكومة المؤقتة وجمع واردات المعابر في خزانة واحدة تحت تصرف الحكومة وتوزيع مجموع واردات المعابر التي تجمع في الخزانة بشكل عادل على الحكومة السورية المؤقتة والمجالس المحلية والجيش الحر، وانتقال الفصائل من مرحلة المجموعات وفصائل إلى مرحلة الجيش النظامي على أن يتم ذلك على مرحلتين، المرحلة الأولى وهي تشكيل ثلاثة فيالق، فيلق أول هو فيلق الجيش الوطني وفيلق ثاني هو فيلق السلطان مراد وفيلق ثالث هو فيلق الجبهة الشامية.
ومرحلة ثانية، تبدأ بعد اكتمال المرحلة الأولى بشهر واحد، يجري من خلالها بناء الفيلق من ثلاثة فرق والفرقة من ثلاثة ألوية واللواء من ثلاث كتائب. وفي هذه المرحلة سيتم تسليم كل أسلحة وسيارات ومعدات ومقرات الفصائل لوزارة الدفاع التابعة للحكومة السورية المؤقتة ومن لا يلتزم بالقرارات من الفصائل سيتم فسخ عقدهم.
وقع كل قادة الفصائل التي شاركت بمعركة «درع الفرات» ضد تنظيم «الدولة الإسلامية في العراق والشام» بمن فيهم قائد «الجبهة الشامية» الحالي حسام الياسين «أبو ياسين» وقائد فرقة الحمزة سيف بولات «أبو بكر» وقائد «لواء سليمان شاه» محمد الجاسم «أبو عمشة» قبل أن يتضخم فصيله ويصبح فرقة لاحقاً. ومن الواضح أن الاتجاه كان حينها هو جعل الفصائل التي يقودها الضباط السابقون في كتلة عسكرية منفردة، وكتلة أخرى تجمع الفصائل التركمانية والأكثر قربا وولاء من أنقرة يقودها فهيم عيسى قائد فرقة «السلطان مراد».
فشلت مهمة تشكيل الفيالق، وسوفت الفصائل جميعها في عملية الدمج والانضمام ورفضت تسليم المقرات إلى وزارة دفاع في الحكومة المؤقتة، ولم تقطع أنقرة الاعتمادات المالية عن الفصائل، على العكس من ذلك، استمرت بدعمها وتجهيزها استعدادا للهجوم على عفرين التي كانت تسيطر عليها «وحدات حماية الشعب» الكردية التي تعتبرها تركيا الذراع السوري لحزب العمال الكردستاني. حيث بدأت معركة «غصن الزيتون» في 20 كانون الثاني (يناير) 2018 وأعلن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في 18 آذار (مارس) خلال احتفال بانتصار تركيا في معركة جناق قلعة السيطرة على عفرين.
اليوم، وبعد خمسة أعوام على رسم خريطة طريق لمؤسسة «الجيش الوطني» يعود الحديث عن هيكلة الجيش الوطني بعد النزاع الفصائلي في ريف حلب الشمالي والذي فتح شهية أبا محمد الجولاني قائد هيئة «تحرير الشام» لتوسيع إمارته إلى ريف حلب الشمالي.
وفي سياق ردود الأفعال على الاقتتال بين الفصائل وهجوم «تحرير الشام»(جبهة النصرة سابقا) على عفرين بمشاركة فرقتي «الحمزة» و«السلطان سليمان شاه» وحركة «أحرار الشام» الإسلامية- جناح حسن صوفان ووصولها إلى مشارف كفرنجة غربي إعزاز معقل «الفيلق الثالث و«الجبهة الشامية» اجتمع مسؤولو الملف السوري في جهاز الاستخبارات التركية بقادة الفصائل الرئيسية في مدينة غازي عنتاب جنوب تركيا، الأربعاء، ونقلت مصادر «القدس العربي» أن الاجتماع كان رسالة تحذيرية شديدة اللهجة لقادة الفصائل جميعا. حيث دخل المسؤولون الأتراك وجلسوا في مكانهم المخصص من دون مصافحة قادة الفصائل وكذلك فعلوا لحظة خروجهم، واعتبر المصدر أن هذه الطريقة تشكل سابقة في التعامل مع القادة، ففي أشد موجات الغضب من قادة الفصائل كان المسؤولون يصافحونهم. وتحدث رئيس الوفد الأمني التركي بلهجة قاسية تجاه الجميع بدون تسمية أحد، وألمح أن القادة الذين يعتقدون أنهم بمأمن مع حصولهم على الجنسية التركية فهم واهمون، كما أشار، حسب المصدر، إلى أن الأعمال وشراء العقارات في تركيا سواء باسم القادة أو أسماء أقربائهم كله معروف، ونقل المصدر أن مسؤول الملف وبخ القادة الذين يسعون إلى فتح قنوات لدى أطراف في الحكومة هنا أو هناك، وزاد أن مسؤول الملف لفت إلى أن تحركات البعض من أجل فتح قنوات اتصال مع جهات أجنبية هو أمر معروف. وأكد المصدر أن المسؤول التركي ذكر اسم الروس من بين الجهات في حين لم يحدد باقي الجهات. وبعد الحديث القاسي ضد الجميع، تجنب القادة التعليق أو الاستفسار، واستمرارا في التوبيخ أخبرهم أنه لا يريد أن يدخل في التفاصيل كونه يعلم أن الكلام سيسرب وينقل إلى الخارج، لكن الجانب التركي سيقوم باجتماعات منفردة لمتابعة التفاصيل وتطبيق خريطة طريق لمنطقتي عفرين وريف حلب الشمالي. وحسب متابعة «القدس العربي» فقد بدأ الأتراك بالاتصالات من أجل تشكيل هيئة استشارية تضم قادة أو ممثلين من الفيالق الثلاثة مع الحكومة السورية المؤقتة. ونفى المصدر حضور مندوبين عسكريين من الجيش التركي واقتصار الطرف التركي على المسؤولين الأمنيين.
وفي محاولة تخفيف سطوة الفصائل وتحكمها بمناطق السيطرة سيفرض على الفصائل تسليم حواجزها للشرطة العسكرية وجعل الشرطة هي المسؤولة عن الأمن، في حين ستخرج الفصائل مقراتها من المدن والبلدات. كما سيفرض على الفصائل حل الأجهزة الأمنية لديها وتشكيل جهاز أمني موحد، وستجبر على إغلاق سجونها ومعتقلاتها بشكل نهائي. ومنعا للصراع الدائم من أجل السيطرة على المعابر، سيفرض الجانب التركي تسليم المعابر لفريق اقتصادي متفق عليه من الهيئة الاستشارية. في سياق منفصل، يسعى «الفيلق الثالث» إلى تطويق الخلافات الداخلية التي تعصف به، حيث قسم القتال ضد تحرير الشام والموقف منها قادة الفيلق إلى تيار صقور يتزعمه لواء عاصفة الشمال ضد القادة التاريخيين والمؤسسين للواء التوحيد والجبهة الشامية مثل عبد العزيز سلام أبي جمعة والملقب «حجي عندان» والذي كان القائد العام للواء التوحيد في حلب منذ لحظة تأسيسه، والعميد أحمد عمر زيدان المعروف باسم «حجي حريتان» وهم الأطراف التي نأت بنفسها في قتال «تحرير الشام» إضافة للمجلس العسكري في تل رفعت.
وفي محاولة تخفيف الاحتقان ضمن «مجلس شورى» الفيلق الثالث، عقد قائد الفيلق حسام ياسين «أبو ياسين» اجتماعا صوريا لم يدخل في نقاش المشاكل وإنما فضل توجيه رسالة على عدة مستويات تشير إلى تماسك الفيلق داخليا ورأب الصدع الحاصل. وعن الموقف التركي الحازم من فرقتي «الحمزة» و«السلطان سليمان شاه» وما أشيع عن تخصيص اللوم لهما أو وقف الدعم عنهما في إطار عقوبات تركية محتملة، نفى المصدر السابق أي حديث عنهما في الاجتماع، لكنه رجح أن تقوم الخطة التركية بتفكيكهما قدر المستطاع كما هو حال التوجه العام مع باقي الفصائل. وينطبق الأمر نفسه على حركة «أحرار الشام» الإسلامية- جناح حسن صوفان و«فيلق الشام» الذراع العسكري للإخوان المسلمين الذي سهل دخول أرتال «تحرير الشام» باعتباره الجهة المسيطرة على معبر الغزاوية-الباسوطة بين الدب وعفرين.