باريس- «القدس العربي»: سجلت الحكومة الفرنسية برئاسة غابرييل أتال الرقم القياسي لأطول حكومة تصريف أعمال في تاريخ الجمهورية الخامسة الفرنسية، فيما قام رئيس الجمهورية بمشاورات مع الكتل السياسية سعياً لتسمية رئيس للحكومة، على وقع انتقادات لاذعة، لاسيما لليسار الذي تصدر نتائج الانتخابات التشريعية المبكرة الأخيرة، في ضوء رفض ساكن الإليزيه تسمية شخصية ذات توجه يساري.
فبعد حله للجمعية الوطنية الفرنسية في ضوء نتائج الانتخابات البرلمانية الأوروبية التي جرت في بداية شهر حزيران/يونيو الماضي ثم خسارة معسكره للأغلبية في الجمعية الوطنية الفرنسية خلال الانتخابات التشريعية المبكرة التي جرت في السابع من تموز/يوليو الماضي؛ اضطر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى قبول استقالة حكومة غابرييل أتال في منتصف شهر تموز/يوليو، وأضحت هذه الأخيرة منذ ذلك الحين تتولى تصريف أو تسيير الأعمال.
هدنة أولمبية
استغل ماكرون فترة دورة الألعاب الأولمبية في باريس من 26 تموز/يوليو حتى 11 آب/اغسطس، لإرساء «هدنة سياسية» رامياً الكرة في مرمى الأحزاب، بالقول إنه «كي تنتهي هذه الفترة في أسرع وقت ممكن، الأمر يعود إلى القوى الجمهورية للعمل معا للوصول إلى ائتلاف حكومي». ولمح ماكرون إلى أن هذا الوضع المتمثل في بقاء حكومة مستقيلة مع دور سياسي محدود الى الحد الأدنى «قد يستمر لبعض الوقت» متجاهلا دعوات اليسار الذي تصدر نتائج الانتخابات التشريعية، بتعيين رئيس للوزراء من صفوفه أو اقتراحه.
فصحيح أن «الجبهة الشعبية الجديدة» التي شكلتها أحزاب اليسار، فازت بأكبر عدد من المقاعد البرلمانية، لكنها ظلت بعيدة عن الأغلبية المطلقة في الجمعية الوطنية (289 مقعداً من أصل 577 مقعداً) التي أضحت منقسمة تماما على ثلاث كتل برلمانية: الجبهة الشعبية الجديدة (193 مقعدا برلمانياً) يليها المعسكر الرئاسي لوسط اليمين (163 مقعدا) واليمين المتطرف وحلفاؤه (143 مقعدا).
ووسط تساؤلات عن سعي الرئيس الفرنسي إلى إطالة أمد الفترة الانتقالية والضغوط المتصاعدة عليه، أطلق إيمانويل ماكرون في الثالث والعشرين من شهر آب/اغسطس مشاورات مع الكتل السياسية في قصر الإليزيه مع القوى السياسية الرئيسية في البلاد على أمل التوصل إلى مرشّح توافقي لتولي رئاسة الحكومة خلفا لغابرييل أتال، وتشكيل حكومة جديدة. وقال قصر الإليزيه إن «هذه المشاورات تهدف إلى «الوقوف على الشروط لقبول القوى السياسية تشكيل غالبية واسعة».
لكن جميع الأطياف السياسية ظلت متمسكة بمواقفها، حيث شدد تحالف «الجبهة الشعبية الجديدة» اليساري، الذي يضمّ حزب فرنسا الأبية الراديكالي والحزب الاشتراكي وحزب الخضر (أنصار البيئة) الحزب الشيوعي، شدد على أحقيته في تولي رئاسة الحكومة وتشكيلها في ضوء نتائج الانتخابات التشريعية. وأصر اليسار على مرشحته لمنصب رئيس الوزراء، وهي الموظفة الرسمية رفيعة المستوى، لوسي كاستيه، البالغة من العمر سبعة وثلاثين عاماً. ونددت «الجبهة الشعبية الجديدة» بما اعتبرتها «مماطلة» من الرئيس إيمانويل ماكرون بدلاً «من استخلاص العبر» من نتائج الانتخابات التشريعية المبكرة في السابع من تموز/يوليو الماضي.
تشرذم عميق
وترجمت هذه المشاروات بشكل واضح مدى التشرذم السياسي الكبير في البلاد، في ظل الفوضى السياسية نتيجة قرار الرئيس إيمانويل ماكرون المفاجئ بحل الجمعية الوطنية بعد هزيمة معسكره في الانتخابات البرلمانية الأوروبية.
استمرّ المأزق السياسي بعد استبعاد الرئيس الفرنسي بشكل قاطع تسمية مرشحة اليسار لوسي كاستيه رئيسة للوزراء، وذلك في ظل تهديد المعسكر الرئاسي واليمين المتطرف واليمين المحافظ باللجوء إلى ورقة مذكرة حجب الثقة عن أي حكومة تضم وزراء من حزب «فرنسا الأبية» الكتلة البرلمانية الأولى ضمن تحالف «الجبهة الشعبية الجديدة» اليساري.
وفي مواجهة التهديدات بحجب الثقة عن أي حكومة تضم وزراء من حزب «فرنسا الأبية» اليساري الراديكالي، ذهب زعيم الحزب جان ليك ميلانشون إلى الهجوم المضاد من خلال فتح الباب أمام عدم مشاركة حزبه في حكومة لوسي كاستيه. ووجه إلى المعسكر الرئاسي السؤال: «حكومة لوسي كاستيه، إذا لم تضم أي وزير من حزبنا، فهل تتعهدون بعدم التصويت لحجب الثقة عنها والسماح لها بتطبيق برنامج تحالف اليسار؟». داخل المعسكر الرئاسي، هناك إدراك أنها «خطوة استراتيجية وتكتيكية» كما يشير أحد المسؤولين التنفيذيين المشاركين في المشاورات.
رغم ذلك، رفض الرئيس إيمانويل ماكرون، بشكل قاطع خيار لوسي كاستيه لمنصب رئيس الوزراء، مستبعداً بذلك فكرة حكومة «الجبهة الشعبية الجديدة» رغم أنها جاءت في المرتبة الأولى في الانتخابات التشريعية من حيث عدد المقاعد. وبدأ الرئيس الفرنسي هذا الأسبوع جولة جديدة من المشاورات وسط أجواء سياسية تزداد توتراً، وفي ظل ضبابية تامة. وبرر الرئيس الفرنسي رفضه خيار تكليف مرشحة تحالف اليسار (الجبهة الشعبية الجديدة) بالحديث عن ضرورة الحفاظ على «استقرار المؤسسات» في ظل توعد الكتل السياسية الأخرى، من وسط اليمين إلى أقصاه، بحجب الثقة عن أي حكومة يسارية التوجه.
وقد ضاعف هذا القرار غضب اليسار الذي اتهم ماكرون بـ«انكار الديمقراطية». وقد ندد السكرتير الأول للحزب الاشتراكي أوليفيه فور بما اعتبرها «مهزلة ديمقراطية» مشددا على أنه لن يشارك في أي مشاورات. وكذلك فعلت رئيسة حزب الخضر أنصار البيئة، مارين توندولييه، قائلة «لن نستمر في هذا السرك».
واعتبر الرئيس الفرنسي السابق فرانسوا أولاند والنائب البرلماني الحالي عن الحزب الاشتراكي، في مقابلة نشرتها مجلة «لوبوان» الفرنسية، اعتبر أن رفض إيمانويل ماكرون تعيين لوسي كاستيه على رأس حكومة بقيادة «الجبهة الشعبية الجديدة» رغم حصولها على المركز الأول في الانتخابات التشريعية من حيث عدد المقاعد، هو «خطأ مؤسسي». وأضاف أولاند القول إنه «ليس من اختصاص رئيس الجمهورية حجب الثقة عن لوسي كاستيه بنفسه». وأكد أن «هذه المسؤولية تقع على عاتق الجمعية الوطنية بعد أن يتمكن النواب من الاستماع إلى إعلان السياسة العامة وتشكيلة الحكومة والتعبير عن خيارهم».
دعوة إلى التظاهر
استجابت أحزاب اليسار المنضوية تحت راية «الجبهة الشعبية الجديدة» إلى دعوة اتحاد الطلاب ونقابة عمال المدارس الثانوية يوم الثلاثاء السابع والعشرين من آب/اغسطس إلى مظاهرة ضد «الانجراف الاستبدادي» لإيمانويل ماكرون في السابع من أيلول/سبتمبر المقبل. وتستنكر المنظمتان الشبابيتان رفض الرئيس تعيين لوسي كاستيه، المرشحة التي اختارتها «الجبهة الشعبية الجديدة» في منصب رئيس الوزراء. وانتقدوا اختياره «الدوس على أصوات الفرنسيين» والذي يشكل «تهديدًا للديمقراطية الفرنسية».
ووفقًا لاستطلاع رأي أجرته مؤسسة «إيلاب» ونشرت نتائجه يوم الأربعاء 28 آب/اغسطس، فإن 56 في المئة من الفرنسيين يعتبرون أن رئيس الجمهورية اتخذ القرار الصحيح باستبعاده بشكل قاطع فرضية تشكيل حكومة بقيادة «الجبهة الشعبية الجديدة» مقارنة بـ 43 في المئة يعتبرون أنه أخطأ برفضه تسمية لوسي كاستيه.
السيناريوهات المطروحة الآن
رغم أن هذه هي المرة الأولى في تاريخ الجمهورية الخامسة الفرنسية التي لا يُعرض فيها على الائتلاف الحائز على أكبر عدد من المقاعد في الجمعية الوطنية أن يحكم، فما هي السيناريوهات المختلفة المطروحة الآن؟
حكومة «وحدة وطنية» بدون أقصى اليمين المتطرف واليسار الراديكالي:
ففي بيانه الصحافي يوم الاثنين الماضي، دعا الرئيس إيمانويل ماكرون «جميع القادة السياسيين إلى الارتقاء إلى مستوى الحدث من خلال إظهار روح المسؤولية». وحث ساكن الإليزيه بشكل خاص الاشتراكيين والشيوعيين والمدافعين عن البيئة على «التعاون مع القوى السياسية الأخرى».
غير أن «الجبهة الشعبية الجديدة» لأحزاب اليسار إذا كانت قد واجهت صعوبات هذا الصيف بين أعضائها قبل الاتفاق على اسم لوسي كاسيه كمرشحة الائتلاف لتولي منصب رئيسة الوزراء، فبدا أن حدوث قطيعة داخلها مستبعد، حيث استنكرت جميع أحزاب «الجبهة الشعبية الجديدة» رفض تعيين لوسي كاستيه.
علاوة على ذلك، سيكون من الصعب تشكيل حكومة حول برنامج أو ميثاق تشريعي، حيث توجد اختلافات كثيرة بين قوى اليسار (حتى من دون حزب «فرنسا الأبية») والقوى اليمينية متمثلة في حزب «الجمهوريون» اليميني المحافظ.
حكومة من معسكر ماكرون وحزب «الجمهوريون» اليميني:
ثمة فرضية حدوث «اتفاق تشريعي» بين حزب «الجمهوريون» اليميني المحافظ والائتلاف الرئاسي. ففي إشارة إلى تقارب محتمل، تجنب رئيس الكتلة النيابية لحزب «الجمهوريون» لوران فوكييه، انتقاد المعسكر الرئاسي في خطابه بمناسبة الدخول السياسي. وقال: «لن نكون أبدًا إلى جانب التطرف» متعهدًا بالدفاع عن أفكار اليمين والتصويت على القوانين التي «تسير في هذا الاتجاه». وفي هذا الصدد، أشار إلى أنه قدم في تموز/يوليو الماضي «ميثاقاً تشريعياً» يتضمن تدابير بشأن الهجرة وتعزيز العمل.
وإذا كان هذا «الميثاق التشريعي» يمكن أن يشكل أساساً لحكومة وحدة بين حزب الجمهوريين والمعسكر الرئاسي، فليس هناك ما يضمن صمود هذه الحكومة، لأنها قد تكون موضع تصويت بحجب الثقة من قبل نواب «الجبهة الشعبية الجديدة» اليسارية وحزب «التجمع الوطني» اليميني المتطرف بزعامة مارين لوبان وجوردان بارديلا.
حكومة فنية:
وبالتالي فإن الحل يمكن أن يتمثل في تشكيل حكومة فنية، تتألف من خبراء اقتصاديين وكبار موظفي الوظيفة العمومية ودبلوماسيين وما إلى ذلك، وتشرف عليها شخصية توافقية في ماتينيون (رئاسة الحكومة). وهو مفهوم غامض إلى حد ما في فرنسا ولم يكن موجودًا أبدًا في ظل الجمهورية الخامسة.
وعرفت فرنسا بالفعل حكومة وحدة وطنية جمعت تقريبا كل الأحزاب (باستثناء الحزب الشيوعي الفرنسي) مثل حكومة ميشيل ديبري (1959-1962). لقد كان «الفنيون» بالفعل على رأس الحكومات مثل ريمون بار في عام 1976 أو جان كاستكس في عام 2020. لكن كلاهما كان يتمتع بتفويض سياسي وأغلبية في الجمعية الوطنية.
ولكن ليس هناك ما يضمن أن هذه الحكومة الفنية لن تخضع لمذكرة حجب الثقة من قبل النواب أثناء فحص الموازنة في الجمعية الوطنية. وبالتالي فإن الاستقرار «المؤسسي» لن يكون مضمونا في الأشهر المقبلة، كما يرغب الرئيس إيمانويل ماكرون. فقد شدد مانويل بومبارد، منسق حزب «فرنسا الأبية» على أن «أي اقتراح لرئيس وزراء آخر غير لوسي كاستيه سيكون موضع حجب الثقة».
إقالة إيمانويل ماكرون:
ويتساءل البعض إن كانت هذه الأزمة السياسية التي بدأت مساء الانتخابات الأوروبية بحل الجمعية الوطنية الفرنسية، هل يمكن أن تنتهي بعزل الرئيس إيمانويل ماكرون؟ وإقامة انتخابات رئاسية جديدة؟ كما لوّح بذلك حزب «فرنسا الأبية» يوم الإثنين الماضي، مُعلناً أنه مذكرة لعزل الرئيس سيتم تقديمها إلى مكتب الجمعية الوطنية «وفقا للمادة 68 من الدستور» الفرنسي.
ولتحقيق النجاح، يجب أن يحظى هذا الاقتراح بموافقة مكتب الجمعية الوطنية، حيث يتمتع تحالف «الجبهة الشعبية الجديدة» لأحزاب اليسار بالأغلبية. لكن دعم الخضر والحزب الشيوعي الفرنسي والحزب الاشتراكي لهذه الخطوة غير مضمون على الإطلاق.
وبالتالي، فإن فرضية عزل إيمانويل ماكرون تبدو غير محتملة. لكن تبقى ورقة واحدة في أيدي حزب «فرنسا الأبية» وشركائه في «الجبهة الشعبية الجديدة» وهي الدعوة إلى التعبئة الاجتماعية، في ظل دعوة جان ليك ميلانشون إلى «رد شعبي وسياسي سريع وحازم» ودعوة زعيم الحزب الشيوعي فابيان روسيل إلى «تعبئة شعبية كبيرة».
بين هذا وذاك، فإن اسم غابرييل أتال، على الرغم من استقالته، هو الذي يظهر أكثر في ماتينيون (رئاسة الوزراء) في استطلاعات الرأي. فإذا كان المعسكر لم يحصل على دعم أغلبية الشعب الفرنسي في الانتخابات التشريعية المبكرة، فإن 41 في المئة منهم ما زالوا يريدون بقاء غابرييل رئيساً للوزراء، وفقًا لآخر استطلاع أجرته مؤسسة «إيلاب» والذي نُشرت نتائجه يوم الأربعاء 28 آب/أغسطس أي سبع نقاط أكثر من 17 تموز/يوليو الماضي.