لندن – “القدس العربي”: طال غياب المثير للجدل دائما وأبدا جوزيه مورينيو عن ملاعب كرة القدم، منذ إقالته من تدريب مانشستر يونايتد مع بداية فصل الشتاء الأخير، بعد سلسلة من النتائج الكارثية مع الشياطين الحمر، ليقترب من دخول عامه الأول بلا عمل ولا شغف ولا “قصف جبهات” لخصومه في الفرق الأخرى بقنابل التصريحات المعروفة عنه، فيما نصفه عبر الصفحات والمواقع الكروية بـ”الشو الإعلامي”، الذي ساعده كثيرا في بداية مشواره التدريبي ليُدشن إمبراطوريته كمدرب عنيد وصعب المراس بالنسبة لمشجعي فرقه، ومغرور ومتكبر بالنسبة للمنافسين، وفي الوقت ذاته تجد غريمه قبل محبه يتهافت على سماع تصريحاته وتتبع جُل أخباره، وأيضا لا تجد أحد يختلف على أنه مدرب عالمي بالمعنى الحرفي للكلمة وصائد للألقاب بامتياز، لكن للمرة الأولى عزيزي القارئ، يُحرم عالم كرة القدم بأكمله من هذه الإثارة لمدة تقترب من العام، منذ أن ذاع صيته مع بورتو حين قاده لمعجزة الفوز بدوري أبطال أوروبا على حساب موناكو في نسخة 2004.
لمّ البكاء يا جو؟
في منتصف أغسطس/آب المنقضي، انتشر مقطع فيديو على مواقع التواصل لـ”سبيشال وان”، وهو يُحاول التغلب على دموعه في سؤال رده على سؤال لمحاور صحيفة “غازيتا ديلو سبورت” الإيطالية عن حياته بدون شغف كرة القدم، وكالعادة أعرب عن حزنه الشديد لابتعاده كل هذه المدة عن ملاعب كرة القدم، قائلاً: “في اللحظة الأولى التي دخلت فيها كرة القدم الاحترافية وقعت في حبها، أما الآن وبعد التوقف، الأمر يبدو صعبا وأتألم كثيرا من أجل ذلك لأنني افتقدها”، وكما أشرنا في المقدمة العريضة، كرة القدم تفتقد توابل “المو”، لكن يا ترى، هل واجه مورينيو نفسه بالحقيقة؟ أو بالأحرى هل سأل نفسه لماذا لم تتهافت عليه الأندية الكبرى كما كان في الماضي القريب؟ كل ما في الأمر أنه تلقى عرضا لخلافة رافا بنيتيز في نيوكاسل يونايتد، وسريعا أطلق العنان لنفسه في الصحف والمواقع، بالتقليل من العرض مقارنة باسمه وتاريخه، صحيح هو لم يقل ذلك صراحة، لكن تلميحاته كانت تقول ذلك، وقبلها بشهر أو اثنين، أدرج اسمه ضمن قائمة المرشحين لتدريب ريال مدريد بعد الإطاحة بسانتياغو سولاري في مارس/آذار، بعد الخروج من كل البطولات في ظرف 6 أيام، قبل أن يستقر رئيس النادي فلورنتينو بيريز على زين الدين زيدان لإنقاذ الموقف في نهاية الموسم، وهذا يعكس انخفاض أسهمه في سوق المدربين، حتى لو كانت الفرص شبه مغلقة لاستقرار الأندية الكبيرة مع مدربيها، لكن دعونا لا ننسى أنه في فصل الصيف كانت هناك أماكن كثيرة متاحة سواء في بلاد الضباب أو إيطاليا على وجه الخصوص، تريد أمثلة؟ ناديه السابق تشلسي كان يفكر في مدرب بعد الاستقرار على رحيل ماوريسيو ساري، مع ذلك غامروا بهدافهم الأسطوري فرانك لامبارد بعد تجربته مع دربي كاونتي، أما في جنة كرة القدم فالثلاثة الكبار يوفنتوس والإنتر وميلان كانوا متاحين، وبالأخص ناديه السابق الذي تّوج معه بالثلاثية التاريخية “الدوري والكأس ودوري الأبطال” عام 2010، مع ذلك لم يفكر أحد في الاستعانة به!
البراغماتية تحكم
يقول مؤسس هذا المذهب الفلسفي شارل ساندريز بيرس في كتابه ” Maxim of Pragmatism”، إن البراغماتية “تقارب النظريات والمعتقدات وتطبيقها بنجاح عملي أو التعامل مع الأمور بطريقة واقعية تستند إلى اعتبارات عملية وليست نظرية”، وكأنه يُحدثنا منذ أكثر من 100 عام عن أنطونيو كونتي وجوزيه مورينيو في عصرنا الحالي، وقبلهما مؤسسو البراغماتية في عالم كرة القدم في أوائل القرن العشرين هربرت تشامبان مبتكر طريقة 2-3-5 التي كانت تعرف في عصرها “W-M”، والتي حقق بها هربرت نجاحات مدوية مع هدرسفيلد تاون وآرسنال، إلى جاء الابتكار الآخر “الكاتاناتشو” مع كارل رابان، الذي احتل إيطاليا وأوروبا بأسلوبه المعقد مع ميلان، وبدرجة أكبر من الإنتر، وهذا النوع من المدربين أو البشر عموما، من الصعب أو شبه المستحيل إقناعهم بالتنازل عن فلسفتهم، فقط عجلة الزمن وتطور الآخر بدون التطوير من أنفسهم، هو ما يُجبر القليل منهم عن التنازل نوعا ما، أما الأغلبية عادة يحتفظون بقناعاتهم حتى لو كان الثمن التوقف عند أطلال الماضي المجيد، وبالنسبة للعقرب كونتي، فمن حسن حظه أنه بعيد عن الخطر في الوقت الراهن، بتواجده في دوري لا يوجد فيه ملوك كرة القدم الحديثة بيب غوارديولا ويورغن كلوب، وكان محظوظا بما فيه الكفاية، باستغلال عدم اعتياد الاثنين على البريميرليغ في ثاني مواسم الألماني مع الريدز وأول موسم للفيلسوف مع السكاي بلوز، وخطف لقب البريميرليغ في موسمه الاستثنائي مع البلوز، لكن في الموسم التالي، عانى الأمرين لدرجة الفشل في الحصول على مركز مؤهل لدوري الأبطال، على عكس مورينيو، الذي وضع قدميه مبكرا في ألغام الخطر والمتفجرات، عندما قرر منافسة غوارديولا في صراع ريال مدريد وبرشلونة، لم يكن يعرف أنه يكتب أول فصل في رواية انكشاف أسلوبه، الحافلة القاتلة، ذاك الأسلوب الذي حقق به نجاحات مدوية على مدار عقد من الزمن، تماما كما استخدم تشامبان ورابان طرقهم الخاصة في العصور القديمة، ثم جاءت الضربة القاضية في إنكلترا، بظهوره شبه عاجزا في مبارياته ضد غوارديولا وأيضا كلوب، حتى فلسفته التي قاد بها مانشستر يونايتد، كانت محط انتقادات بالنسبة للجماهير، حتى بعدما أنقذ رقبته في الموسم الأول بالفوز بكأس الرابطة واليوروبا ليغ، لأن مشجعي “أولد ترافورد”، لا يختلفون عن مشجعي “سانتياغو بيرنابيو” و”كامب نو”، يريدون الجمع بين كرة القدم الممتعة والانتصارات، وهذا لا يتماشى مع نظرية صاحبنا.
مؤشرات سابقة
رغم تتويجه في ولايته الثانية مع تشلسي بلقب الدوري الإنكليزي الممتاز موسم 2014-2015، بيد أنه كان واضحا أن أفكاره لم تعد تنطلي على المنافسين، وكان الجميع، بمن فيهم جمهور البلوز، يُطالبه بتعديل أفكاره، ليس فقط لتحسين شكل الفريق، بل لمجاراة تطور أفكار الآخرين، لكن ما حدث أن البراغماتية تجسدت في عناده مع الجميع، إلى أن دفع الثمن بالاستغناء عنه بعد أقل من 6 أشهر من تتويجه بلقب الدوري، وتكرر الموقف بشكل كربوني مع مانشستر يونايتد، الفارق الوحيد أن مستوى الضغط كان أعلى بحكم الشعبية الجارفة للشياطين الحمر، ونتذكر جميعا كم الانتقادات التي كان يتعرض لها بوضع مشروعه مع اليونايتد في مقارنة مع مُحطم آماله بيب غوارديولا، إلا أنه لم يُغير قناعاته وفلسفته (كرة القدم القبيحة)، حتى بعد تغير شكل المنافسة في بلاد الضباب، بظهور توتنهام بشكله الجديد مع ماوريسيو بوتشيتينو، وارتفاع عدد الفرق المنافسة لستة بدلاً من أربعة أو ثلاثة عندما وضع حجر أساس أسطورته في البريميرليغ في منتصف العقد الأول من الألفية الجديد، وما زاد الطين بلة، اتساع الفجوة بين أفكاره وأفكار جيل “الآيفون”، وتجلى ذلك في طريقته الحادة جدا بدون مبرر مع طبيبة تشلسي إيفا كارينيرو، عندما ركضت لعلاج أحد اللاعبين المصابين والفريق بعشرة لاعبين، وآنذاك ترك كل شيء وألقى باللوم على الطبيبة، والأسوأ بطبيعة الحال كان عداؤه لُجل اللاعبين، والدليل على ذلك اتهامهم بالخيانة قبل ساعات من إقالته، نفس ما فعله مع بول بوغبا ولاعبي مانشستر يونايتد الشباب بالذات، معتقدا أن طريقة “الولاء والطاعة”، التي كان يتعامل بها مع أساطير مثل فرانك لامبارد وجون تيري وديديه دروغبا في تشلسي، وماتيراتزي وصامويل إيتو ودييغو ميليتو وويسلي شنايدر وبقية رجال الثلاثة، ستجدي نفعا مع الأجيال الجديدة، وفي حقيقة الأمر، هذه الطريقة القاسية مع اللاعبين الحاليين، ساهمت بشكل كبير في إخفاقاته الأخيرة، لأن هؤلاء ليسوا من النوعية المفضلة بالنسبة له، المستعدين للموت من أجل مورينيو، كما قالها أكثر من لاعب تدرب تحت قيادته، أشهرهم ماتيراتزي وديدييه دروغبا، لذا عليه تَقبل الأمر الواقع بإيجاد طريقة أخرى غير “الولاء والطاعة” للتعامل مع نجوم الجيل الحالي، الذين أقر بقوتهم مؤخرا، بعد اتجاهه للعمل في مجال التحليل، باعتراف واضح وصريح عبر شاشة “بي ان سبورتس”، بأن اللاعبين في الوقت الراهن باتوا أقوى من المدربين، وأحيانا من الأندية، وهذا عزيزي جوزيه، بفضل النقلة النوعية في عالم التكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعي، التي عززت بدورها قوة اللاعبين، خصوصا النجوم الذين يتابعهم عشرات الملايين في مختلف أنحاء العالم، ومن ينكر قوة وتأثير “السوشيال ميديا” في حياتنا اليومية، مؤكد لا يعيش معنا على هذا الكوكب.
والحل؟
بغرابة تكاد تصل لحد عدم التصديق، رفض المدرب البرتغالي أفضل الحلول المتاحة كخطوة أولى لعودته مرة أخرى، إلى مكانته وصورتها التي رسمها لنفسه على مدار 15 عاما، حين تمنع على نيوكاسل (جيوش المدينة) قبل بداية الموسم، كان بإمكانه أن يقبل العرض ليضرب عصفورين بحجر واحد، منها لن يبتعد عن معشوقته التي وقع في غرامها منذ يومه الأول في عالم الاحتراف، وأيضا كان سيعطي نفسه فرصة جديدة للتعلم من أخطائه مع تشلسي ومانشستر يونايتد، بتجربة أقل ضغطا من كل تجاربه السابقة بدون استثناء، على الأقل كانت ستساعده على الاستشفاء والراحة من ضغوط السنوات الماضية، لكن من الواضح أنه خاف من الشماتة أو انحصار اسمه في خانة الفرق المتوسطة والتي تلعب من أجل الحصول على أماكن دافئة في جدول الترتيب العام، في الوقت الذي يقول دوما عن نفسه “إنه مدرب لا يقود إلا الفرق الكبرى”، وإلى الآن ما زال متشبثا بالعودة في أسرع وقت ممكن لقيادة فريق كبير، لكن في حقيقة الأمر انتظاره قد يطول إلا إذا حدثت أشياء غير متوقعة، وبالنظر إلى المشاريع التي قد يجدها في المستقبل القريب، بعد عام 2020، سنجد أنها لا تزيد على خيار أو اثنين على أقصى تقدير، ومن المؤكد أن عودته لأسود غرب لندن لم تعد متاحة، لاختلاف إستراتيجيته مع الإدارة، إذ معروف عنه أنه يبحث عن النجم الجاهز، بينما أصبحت سياسة النادي اللندني تعتمد على أبناء النادي أو صفقات في أضيق الحدود، على عكس بداية الملياردير الروسي رومان آبراموفيتش، عندما كان يصرف ببذخ، نفس الأمر في الإنتر، حيث بدأ ملك “الغرينتا” أنطونيو كونتي يبسط سيطرته على “جوسيبي مياتزا”، بانقلاب في أداء الفريق كما وضح في ليلة رباعية ليتشي في افتتاح جنة كرة القدم، وهذا في حد ذاته، يجعل خيار الأفاعي يبدو بعيد المنال لمورينيو لسنوات، بجانب ذلك، نعرف أن سياسته لا تتماشى مع كبار البريميرليغ الذين لم يعمل معهم، مثل أعداء لندن السابقين آرسنال وتوتنهام، ومعهما أعداء الشمال أيضا السابقين مانشستر سيتي وليفربول، ناهيك عن استحالة توليه قيادة برشلونة أو أتلتيكو مدريد أو أي فريق آخر في الليغا غير الريال، وفي الواقع، هذا يعتبر الحل والأمل الوحيد للمو كي يعود مرة أخرى إلى هرم النجاح ويتصدر عناوين الصحف بتصريحاته النارية، حتى هناك تقارير إسبانية تزعم أن هناك اتفاقا بينه وبين فلورنتينو بيريز لتولي قيادة الفريق، إذا استمر تخبط زين الدين زيدان في الأسابيع القليلة الماضية، ويُقال أيضا إنه يرفض العروض المتوسطة التي يتلقاها من حين لآخر، لانتظاره مكالمة فلورنتينو بيريز، باعتبارها ستكون “طوق نجاة” لعودته لحياته ومكانته الطبيعية كواحد من أفضل وأشهر مدربي العالم، والأهم تأكيد جديد أنه كما قال من قبل: “لا يقود إلا المشاريع الكبرى”، والحل الآخر قد يأتي من ألمانيا، إذا تعثر نيكو كوفاتش مع بايرن ميونيخ في المرحلة المقبلة، خاصة وأن الصحف الألمانية ربطت مستقبله من قبل بالبايرن لولا استفاقة المدرب الكرواتي في النصف الثاني من الموسم الماضي، أما غير ذلك، فبنسبة كبيرة سيبقى الوضع كما هو عليه، أو كما أشرنا في العدد الأسبوعي قبل الأخير العام الماضي، بعد أيام من إقالته “عودته لقيادة الفرق الكبرى لن تكون سهلة على الإطلاق”.
نهاية حقبة جميلة
من الواضح أن حالة التجاهل وعزوف الأندية الكبرى عن طلب جوزيه مورينيو ليست فردية، بل هي سنة الحياة في التغيير، باختفاء المدربين الكبار في السن وأصحاب المدارس القديمة في كرة القدم من على الساحة رويدا رويدا، ولنا في الأستاذ آرسين فينغر خير دليل، فبعدما مكث جُل حياته بين جدران آرسنال، ظن أنه بمجرد خروجه من ملعب “الإمارات” ستتهافت عليه العروض، لدرجة أنه غازل رئيس ريال مدريد فلورنتينو بيريز أكثر من مرة، بتذكيره بمحاولاته السابقة لقيادة اللوس بلانكوس، لكن على أرض الواقع، يمارس كشاف النجوم نفس المهنة التي لجأ لها غريمه وعدوه السابق مورينيو، بالتحليل الموسمي على المباريات والبطولات الكروية الكبرى عبر التلفاز، كما جمعتهما شبكة “بي ان سبورتس” لتحليل نهائي دوري أبطال أوروبا، والحال ينطبق على معظم المدربين الذين حققوا نجاحات مدوية حتى منتصف العقد الأول من الألفية الجديدة، مثل مارتشيلو ليبي، بعد يوفنتوس ومنتخب إيطاليا، اتجه إلى أقصى شرق الأرض لقيادة إيفرغراند ثم المنتخب الصيني، ولا أحد يعرف أو يتابع أخباره إلا بالصدفة البحتة، كذلك الألماني فيلكس ماغات. أين هو الآن؟ متوقف عن التدريب بعد فوزه مع البايرن بالثنائية ومع هامبورغ بالدوري الألماني، اختفى بريقه بتجارب للنسيان آخرها فولهام وشاندونغ لونينغ. وأين لويس فان غال منذ طرده من مانشستر يونايتد؟ كل ما فعله أنه عاقب المدير التنفيذي للشياطين الحمر إد وودوارد، بالجلوس في بيته لمدة عام، ليحصل على باقي مستحقاته في عقده مع النادي الإنكليزي، والآن لا أحد يعرف إذا كان اعتزل كما روّج العام الماضي أم أنه ما زال مستعدا للعمل، وغيرهم من المدربين الذين اعتادنا على وجودهم مع الأندية الكبيرة، والآن أصبحوا في طي النسيان، في المقابل نلاحظ شروق شمس جيل جديد من نجوم كرة القدم المعتزلين حديثا، مثل فرانك لامبارد في تشلسي، وستيفن جيرارد مع غلاسغو رينجرز، تمهيدا لخلافة يورغن كلوب، وأيضا وين روني يستعد للعمل كمساعد مدرب ولاعب في دربي مع انتهاء عقده مع ناديه دي سي يونايتد الناشط في الميجور ليغ، والسؤال الآن: هل انتهت حقبة هؤلاء المدربين الكبار إلى الأبد؟ أم سيكون لبعضهم عودة قوية كمورينو وفينغر بالأخص؟ أم الجيل الجديد يبدو أوفر حظا للسيطرة على الأندية الكبيرة في السنوات القليلة المقبلة؟ دعونا ننتظر.