القصف المتبادل يشير لتغير شكل الصراع في شرق الفرات، ففي حين كان أبرز عناوينه تركيا ومحاربة حزب العمال الكردستاني، فإنه بدأ يتحول إلى صراع بين طهران وواشنطن.
توترت العلاقة بين أمريكا وإيران بعد الهجوم بالطائرات المسيرة والصاروخية على قاعدة الرميلان الجوية الأمريكية أقصى شرق سوريا. حيث أطلقت الميليشيات الإيرانية ثلاث طائرات مسيرة بدون طيار- لم تكشف واشنطن عن نوعها بعد – باتجاه مطار تل الحجر الزراعي جنوب قرية خراب الجير الواقعة على طريق اليعربية-القحطانية القديم شمال طريق M4 وهو الطريق الواصل بين معبر اليعربية مع العراق وساحل البحر المتوسط في مدينة اللاذقية.
وأدى الاستهداف إلى مقتل متعاقد أمريكي مدني وجرح آخرين، نقلتهم قوات «التحالف الدولي لمحاربة داعش» إلى أحد المستشفيات العسكرية الأمريكية في العراق.
بدورها أعلنت القيادة المركزية الأمريكية «سينتكوم» استهدافها لمواقع إيرانية في سوريا، رداً على هجوم سابق أسفر عن مقتل متعاقد وإصابة آخرين.
ودفع الرد الأمريكي الميليشيات الإيرانية إلى تصعيد مقابل، فقصفت حقلي كونيكو والعمر بنحو 15 قذيفة صاروخية لم تسفر عن جرح أي من القوات الأمريكية أو قوات سوريا الديمقراطية التي تقوم بحراسة وتأمين محيط المناطق المستهدفة، ويعتبر حقل العمر أكبر قاعدة أمريكية شرق الفرات، في الوقت الحالي، وهو بمثابة نقطة متقدمة لقتال تنظيم «الدولة الإسلامية» وملاحقة الخلايا التابعة له في محافظة دير الزور التي طُرد التنظيم منها في ربيع 2019 بعد سقوطه في مخيم الباغوز.
تركز القصف الأمريكي على مواقع قيادات عسكرية ميدانية تتبع لحزب الله اللبناني في حي هرابش في مدينة دير الزور، حسب مصادر محلية تحدثت معها «القدس العربي». كما استهدفت الغارات الأمريكية مواقع للقوات الموالية لإيران في باديتي البوكمال والميادين شرق محافظة دير الزور.
وأشارت وزارة الدفاع الأمريكية «البنتاغون» في بيان رسمي إلى أن هجوم الطائرة المسيرة قد «استهدف منشأة صيانة لقوات التحالف الدولي ضد تنظيم داعش بالقرب من محافظة الحسكة شمال شرق سوريا». وأضاف أن اثنين من الجنود الأمريكيين «جرت معالجتهما في موقع القصف، بينما أجلي ثلاثة إلى العراق».
التصعيد في شرق الفرات، انتقل إلى قلب العاصمة دمشق حيث قصف سلاح الجو الإسرائيلي، فجر الخميس الماضي شحنة أسلحة متحركة على طريق المتحلق الجنوبي في حي الميدان كانت متجهة غرباً باتجاه حي كفرسوسة الذي شهد اغتيالا لخبراء إيرانيين في شباط (فبراير) الماضي. وبث ناشطون وصفحات محلية تسجيلات مصورة للانفجارات والنيران المشتعلة.
وأفادت وكالة الأنباء السورية «سانا» نقلا عن مصدر عسكري «عدوان جوي إسرائيلي بعدد من الصواريخ من اتجاه الجولان المحتل، استهدف بعض النقاط في محيط مدينة دمشق، ما أدى إلى إصابة عسكريين، ووقوع بعض الخسائر المادية». وقبل الهجوم المذكور قصف سلاح الجو الإسرائيلي مطاري حلب الدولي والنيرب العسكري يوم 22 آذار (مارس) الجاري. ما أدى إلى خروج المطارين عن الخدمة وخصوصا مطار حلب المدني بعد إلحاق القصف أضرارا بليغة بالمدرج الذي أعاد النظام ترميمه قبل شهور قليلة، حيث تستخدمه إيران لنقل الأسلحة والذخائر الصاروخية إلى الميليشيات الموالية لها في سوريا.
على الصعيد السياسي، أفاد وزير الدفاع الأمريكي، خلال جلسة استماع أمام لجنة القوات المسلحة بمجلس الشيوخ، الخميس، أن عدد الهجمات الإيرانية ووكلاءها على المصالح الأمريكية في كل من سوريا والعراق بلغت 83 هجمة منذ تولي الرئيس جو بايدن السلطة مطلع عام 2020.
وأضاف الوزير، أن القوات الأمريكية ردت أربع مرات على الهجمات الإيرانية فقط. وخلفت تصريحات لويد أوستن، موجة انتقاد من نواب الحزب الجمهوري، تمثلت برد السيناتور الجمهوري توم كوتون «عندما تنفذ إيران 83 هجوماً ضد قوات الولايات المتحدة في عهد بايدن وكان الرد بأربع مرات فقط، فما هي الرسالة التي توجهها حكومة الولايات المتحدة؟».
وكان «البنتاغون» قد أعلن نهاية الأسبوع الماضي، عن مقتل ثمانية مسلحين من الحرس الثوري الإيراني في الضربات الجوية الأمريكية التي استهدفت مواقع تابعة لفيلق القدس شمال شرق سوريا، في الرد الأمريكي على ما يعتقد أنها مراكز قيادة العمليات الفعالة في دير الزور.
وأكد المتحدث باسم «البنتاغون» بات ريدر في مؤتمر صحافي، على اتخاذ الولايات المتحدة جميع التدابير اللازمة لحماية قواتها ومصالحها في الخارج. مشيراً إلى مواصلة استخدام الخيار العسكري عند الضرورة للرد على الهجمات من المجموعات المدعومة من الحرس الثوري.
وفي تعليق الرئيس الأمريكي جو بايدن على التوترات الأخيرة، قال مساء الجمعة، خلال مؤتمر صحافي عقده مع رئيس الوزراء الكندي في أوتاوا، إن الولايات المتحدة سترد بقوة لحماية أفرادها. مشيرا إلى أن بلاده «لا تسعى إلى صراع مع إيران، لكن إيران ووكلاءها يجب أن يكونوا مستعدين لعمل الولايات المتحدة لحماية شعبنا، وهذا بالضبط ما حدث».
في المقابل، حذرت إيران أمريكا أن لديها اليد الطولى للرد على الضربات الأمريكية التي تستهدفها في سوريا. وأضاف البيان الصادر باسم المركز الاستشاري الإيراني في سوريا «لدينا القدرة على الرد في حال تم استهداف مراكزنا وقواتنا على الأراضي السورية» واعترف المركز أن القصف الأمريكي أسفر عن مقتل وإصابة عدد من المقاتلين الموالين لإيران.
وفي السياق، نددت وزارة الخارجية الإيرانية بالهجمات الأمريكية على مواقع موالية لها في سوريا، واصفة الوجود الأمريكي على الأراضي السورية بأنه «مخالف للقانون الدولي» وبررت الخارجية الإيرانية وجود من وصفتهم بـ «الاستشاريين العسكريين» الإيرانيين في سوريا بأنه استجابة لطلب من حكومة النظام في دمشق.
وفي سياقٍ متصل، هدد رئيس المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، كيوان خسروي بأن أي هجمات على مواقع مرتبطة بإيران في سوريا، ستقابل بردٍّ حاسم.
وأدانت وزارة الخارجية والمغتربين التابعة لنظام الأسد الهجمات الأمريكية، وطالبت من خلال بيان، المجتمع الدولي بالتضامن مع سوريا وإدانة الهجوم الأمريكي، واتهم البيان الولايات المتحدة بسرقة 80 صهريج نفط عبر معبر الوليد الحدودي.
وفي الميدان، كانت «القدس العربي» قد نقلت عن مصادر مقربة من «سرايا الخراساني» في 28 كانون الثاني (يناير) عن نية الميليشيا التابعة لإيران شن هجوم على القوات الأمريكية شرق الفرات، حيث أبلغ الحجاج الإيرانيون العناصر المحليين من «سرايا الخراساني» ومن ميليشيا «قوات المهام» التي يقودها اللبناني (الحاج مهدي) أن «عليها الاستعداد والتجهز لبدء المرحلة الثانية من العمل وهي مرحلة الهجوم على القوات الأمريكية وقوات سوريا الديمقراطية قسد في محافظة الحسكة». وكشفت «القدس العربي» في التقرير ذاته عن عمليات تدريب لعناصر من ميليشيا «قوات المهام» في دورات على قيادة الطائرات المسيرة ثابتة الجناح إيرانية الصنع في معسكر الديماس قرب دمشق.
وفي قضية تبني «لواء الغالبون» لقصف قاعدة الرميلان، فمن الواضح أن إيران تريد توسيع دائرة الضغط على القوات الأمريكية وأنها تسعى لإيصال رسالة مفادها أنها تسيطر على المنطقة الواقعة شرق محافظة الحسكة من الجانب العراقي، إضافة للتي تتواجد على بعد كيلو مترات قليلة من مناطق الانتشار الأمريكي في سوريا وأنها قادرة على تهديد وازعاج مقاتليها وتعريضهم للخطر الدائم.
وفي سياق متصل، قال الباحث السوري سامر الأحمد، المتخصص في الديناميات المحلية في محافظة الحسكة إن سرايا الخراساني «تعمل منذ نحو من شهرين على بناء شبكات تجسس ورصد بالقرب من مناطق السيطرة الأمريكية» وأضاف لـ «القدس العربي» أنه جرى «نقل عناصر لميليشيات موالية لإيران من دير الزور» ولفت إلى أن القوات الموالية لإيران أعادت انتشارها جنوب مدينة القامشلي.
إلى ذلك، علمت «القدس العربي» أن النظام السوري وروسيا أوقفا عقود التطوع عن كل الميليشيات الموالية للطرفين منذ مطلع شهر آذار (مارس) مثل الدفاع الوطني والكتائب التطوعية وكتائب البعث وأنصار الأمن العسكري، وخففت من مواد الإطعام عنهم وأوقفتها عن بعض المقرات بشكل نهائي، كما يجري إعادة هندسة الواقع العسكري بشكل كامل، حيث أجبر كل الشبان في عمر التجنيد الإجباري على الالتحاق أما بـ«قوات المهام» في القامشلي أو «سرايا الخراساني» في مدينة الحسكة، حيث سجلت قوائم القوتين نحو 600 عنصر في سن الخدمة العسكرية الإلزامية، ويجري الحديث في الأوساط المقربة من «السرايا» عن الاستعداد لإعلان المقاومة الشعبية الإسلامية ضد الاحتلال الأمريكي.
كل ذلك، إضافة إلى القصف المتبادل ينبأ بتغير شكل الصراع في شرق الفرات، وفي حين كان أبرز عناوينه هو تركيا ومحاربة الفرع السوري من حزب العمال الكردستاني، فإنه بدأ يتحول اليوم إلى صراع بين طهران وواشنطن.