في منتصف مراسم التوقيع على اتفاق السلام في واشنطن، قرر أولئك الذين لم تتم دعوتهم إلى البيت الأبيض المشاركة فيها بطريقتهم المميزة؛ صاروخان أُطلقا من القطاع على أسدود وقد أصيب مواطنان من الشظايا. وقبل ذلك، كان هذا مثل فرحة مصطنعة إلى حد ما على خلفية ارتفاع معدل الإصابات بكورونا في إسرائيل. ولكن أضيف إلى القائمة في أثناء الاحتفال تخوفات سكان أسدود ومحيطها الخطر الفوري والملموس لأضرار الصواريخ.
مشكوك فيه إذا كان حكم حماس في القطاع يقف مباشرة من وراء الإطلاق. فقبل أسبوعين تم التوصل هناك إلى وقف لإطلاق النار مع إسرائيل بوساطة قطر ومصر. وتأمل قيادة حماس الآن الحصول على مساعدات طبية متزايدة من إسرائيل إزاء تفشي الفيروس في غزة. وليس هذا هو الوقت المناسب للعب بالنار من ناحيتهم. الأكثر احتمالية هو أن المسؤول عن إطلاق النار فصيل فلسطيني أصغر. المشتبه به الفوري هو الجهاد الإسلامي الذي استوعب روح سيده الإيراني.
طهران قلقة من التقارب بين إسرائيل والإمارات والبحرين، الذي قد يتسع لاحقاً ويصل إلى توثيق العلاقات مع السعودية. تبلور إدارة ترامب الآن في المنطقة نظاماً استراتيجياً قوياً أمام إيران. ويبدو أنهم سيحاولون التشويش عليه بقدر استطاعتهم. وهذه ليست الكلمة الأخيرة بالضرورة. طهران قد تحاول المبادرة إلى القيام بعملية ضخمة في إحدى دول الخليج رداً على الاتفاق، أو قد تحث حزب الله أو إحدى المليشيات الشيعية العاملة برعايتها في سوريا على تنفيذ عمليات من الحدود اللبنانية أو على حدود هضبة الجولان. وفي هذا الأسبوع، تم الإبلاغ عن إحباط خطة إيرانية لاغتيال السفيرة الأمريكية في جنوب إفريقيا كانتقام متأخر على اغتيال أمريكا للجنرال قاسم سليماني في كانون الثاني الماضي في العراق.
السامي والمضحك
عند مشاهدة البث التلفزيون في إسرائيل، يبدو الاحتفال نفسه وكأنه دمج بين السامي والغريب، وحتى المضحك قليلاً. كان هذا في المقام الأول عرضاً لدونالد ترامب، فالرئيس الأمريكي بحاجة إلى إنجاز في مجال السياسة الخارجية، ويبدو أنه ما زال يحلم بجائزة نوبل للسلام، التي حصل عليها (بدون مبرر حقيقي) المكروه من قبله جداً، الرئيس السابق براك أوباما. وقد تم تجنيد كل الشركاء المقربين منه، سياسيون واقتصاديين في الشرق الأوسط، لهذه المهمة. الملياردير الإسرائيلي الأمريكي حاييم تسبان، وهو ليس من محبي ترامب، وصف الاتفاق الذي تم التوصل إليه في محادثة مع “أخبار 13″، بصورة فظة. وقال إن الصفقة كانت سلاماً مع إسرائيل مقابل بيع طائرات “إف35” للإمارات. قرار إسرائيل إلغاء خطة الضم استهدف تهدئة الفلسطينيين؛ وفي الأصل، كان الضم حلماً في ليلة صيف.
الخطاب الذي قرأه ترامب خطياً كان حذراً نسبياً ومملاً جداً مقارنة مع معظم خطاباته العلنية. وقد سُمعت في المؤتمر الصحفي القصير مع المراسلين الإسرائيليين عدد من التصريحات الترامبية النموذجية. ومرة أخرى تبين أن الرئيس يرى الشرق الأوسط مثل صحراء كبيرة تمتزج فيها الرمال مع الدماء؛ وأنه على قناعة بأن الإسرائيليين والناس في إمارات الخليج قد حارب بعضهم بعضاً في السابق في حروب دموية قاتلة؛ وأنه ينوي استكمال بيع الطائرات رغم إنكار وتملص رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو.
في المقابل، كان لنتنياهو خطاب ممتاز. عندما تحدث عن الثمن الذي دفعته عائلته في القتال، موت شقيقه يوني، بدا الحديث حقيقياً. أخطأ ترامب عندما قرر قبل ذلك بأنه “حتى بيبي سئم من الحروب”. نتنياهو لم يحب الحروب في أي يوم، وسجل إنجازاً كبيراً عندما قام بضم دولتين عربيتين لاتفاقات السلام بعد بضعة عقود من إنجاز أسلافه (مناحيم بيغن مع مصر، وإسحق رابين مع الأردن).
رئيس الحكومة، كما يقول، نجح في تحطيم النموذج الذي ادعى أنه لن يكون بالإمكان التوصل إلى اختراق علني وكامل مع دول عربية أخرى دون حل النزاع الفلسطيني. ولكنه غير محق في الادعاء بأن الاتفاق تبلور حسب صيغة “السلام مقابل السلام”. فقد دفعت إسرائيل مقابلاً غير بسيط للطرف الآخر: شطب الضم من جدول الأعمال، مثلما قال في الاحتفال وزير الخارجية الإماراتي؛ من المعقول أن الاتفاقات تشمل من خلف الكواليس على الأقل إبطاء البناء في المستوطنات، ومثلما قلنا، يتوقع عقد صفقة الطائرات.
كان الممثلون العرب الوحيدين الذين ذكروا في الاحتفال الفيل الموجود في الغرفة- المشكلة الفلسطينية. وقد تدفقت مياه كثيرة في نهر البوتوماك منذ المراسيم السابقة في واشنطن، التي تم فيها إطلاق مبادرة الرئيس الأمريكي للسلام في كانون الثاني الماضي. ولم يبق الكثير من وعود أبواق بيبي في العاصمة الأمريكية إزاء الوعد الاحتفالي بـ “سيادة في يوم الأحد”. السؤال الآن هو: هل يمكن لترامب ومستشاريه إقناع الفلسطينيين بطريقة ما بالتنازل عن الرفض والعودة إلى المفاوضات؟ تبدو احتمالية ذلك ضئيلة. والأكثر احتمالية هو أن السلطة ستفضل الانتظار قليلاً على أمل فوز جو بايدن في الانتخابات في تشرين الثاني القادم.
رُفعت الأقنعة
على هامش الأقوال كما يبدو، وخلال الحدث مثلما في أحداث كثيرة تقودها إدارة ترامب، تم التخلي عن قواعد الابتعاد الاجتماعي التي يقتضيها وباء كورونا. وقد كان هناك تناقض كبير بين الحرص الشديد الذي فرض فيه في هذه الأيام وضع الكمامات والقفازات وحتى ارتداء القالوش البلاستيكي فوق الحذاء عند الدخول إلى مقر رئيس الحكومة في بلفور، وبين المشاهد التي رأيناها على المسطحات وفي البيت الأبيض. على هذه الخلفية، كان القرار الذي اتخذ بإعفاء العائلة الكبيرة لنتنياهو من تعليمات الحجر لأسبوعين قراراً غريباً عند عودة هذه العائلة إلى البلاد.
كانت هناك محاولة لحصر المشاركين في مناطق كبسولات، وتقرر الطلب منهم إجراء فحص كورونا عند السفر وقبل دخول البيت الأبيض. حتى الآن ثمة تناقض كبير ومثير للغضب بين القواعد التي يسمح بها رئيس الحكومة لنفسه، وبين ما يطالب به المواطنين الذين سيُفرض عليهم يوم الجمعة إغلاق مؤلم إزاء الزيادة الكبيرة في عدد الإصابات بالمرض.
إن فرض الإغلاق أمر مختلف فيه في أوساط الجمهور والخبراء. وعندما يكون سلوك الشخصيات الكبيرة هكذا، ويكون مستوى الثقة العامة بخطوات الدولة في الحضيض، فستبدأ الحكومة العملية القادمة وهي في حالة نقص شديد في الائتمان من جانب مواطنيها.
بقلم: عاموس هرئيل
هآرتس 16/9/2020