باريس-“القدس العربي”: بعد أربعة أعوام ونصف من مفاوضات بريكست الماراثونية والمليئة بالتقلبات والمنعطفات، خرجت المملكة المتحدة، منتصف ليلة الخميس-الجمعة الماضية، نهائيا من الاتحاد الأوروبي، بعدما بات انفصالها رسميا في 31 كانون الأول/ديسمبر الماضي، لكنه أرجأ عبر فترة انتقالية كان هدفها امتصاص الصدمة. وبهذا الخروج النهائي، تكون قد طويّت صفحة 47 عاماً من التكامل الأوروبي، لتبدأ صفحة جديدة للعلاقات التجارية بين لندن وبروكسل.
رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون، وصف خروج بلاده من السوق الأوروبية الموحّدة بأنه يشكّل “لحظة رائعة” مشددا على أنّ المملكة المتحدة ستكون “سخيّة ومنفتحة على الخارج”. فيما قالت نظيرته الاسكتلندية نيكولا ستورجن إن اسكتلندا، العازمة على إجراء استفتاء آخَر على الاستقلال، “ستعود قريبًا يا أوروبا”. بدورها، قالت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين إن الطرفين توصلا إلى “اتفاق جيد ومتوازن وعادل يسمح للمنافسة بأن تكون عادلة”. في حين، شدد الرئيسُ الفرنسي إيمانويل ماكرون على أنّ المملكة المتحدة تبقى “صديقة الأوروبيين وحليفتهم” رغم خروجها من الاتحاد الأوروبي. واعتبر ماكرون، في الوقت نفسه، أنّ “بريكست كان ثمرة التململ الأوروبي والأكاذيب الكثيرة والوعود الزائفة”.
واعتباراً من الأول كانون الثاني/يناير من العام الجديد 2021 توقفت، إذن، المملكة المتحدة عن تطبيق قواعد الاتحاد الأوروبي بموجب اتفاقية التجارة الحرة التاريخية، التي توصل إليها الطرفان بعد مفاوضات ماراثونية وشاقة. وعلى الرغم من كون هذه الصفقة جنّبت حدوث انقطاع مفاجئ للغاية وعواقبه المدمرة المحتملة على اقتصاد المملكة المتحدة، إلا أن حرية حركة البضائع والأشخاص دون عوائق انتهت بموجبها، إذ بات يتعين على المصدرين والمستوردين ملء الإقرارات الجمركية والمخاطرة برؤية سلعهم تتباطأ على الحدود بسبب الضوابط. كما ستفقد الشركات المالية التي تعد أحد القطاعات الرئيسية في لندن حقها التلقائي في تقديم خدماتها في الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي.
فاتفاق “الطلاق” الموقع بين الطرفين، يضمن التبادلات التجارية من دون تعريفات جمركية أو حصص “لجميع السلع التي تتوافق مع قواعد المنشأ المناسبة” وهي سابقة من نوعها فيما يتعلق بالاتفاقيات التجارية. كما أن هذه الاتفاقية غير المسبوقة تجنّب حدوث انقطاع في سلاسل الإنتاج وتتجنب الرسوم الجمركية بنسبة 10 في المئة لقطاع السيارات و25 في المئة للمنتجات السمكية المصنعة أو 50 في المئة للحوم البقر ومنتجات الألبان والدواجن ولحم الخنزير ولحم الضأن والحبوب والسكر والعديد من المنتجات الغذائية المصنعة. ومع ذلك، سيتعين على الشركات تقديم إجراءات البيان الجمركي في كلا الاتجاهين، وكذلك ستكون هناك فحوصات طبية. وسيستفيد البريطانيون من الوصول إلى السوق الداخلية للاتحاد الأوروبي، بدون التعريفات الجمركية أو الحصص، بشرط عدم انخراطهم في منافسة غير عادلة، من خلال إلغاء الضوابط الاجتماعية والمالية والبيئية بأي ثمن، أو عن طريق منح مساعدات حكومية لا تتوافق مع اللوائح الأوروبية.
الصيد والنقل
كما تنص الاتفاقية بين لندن والاتحاد الأوروبي على إمكانية تطبيق تدابير إعادة التوازن من جانب واحد، ولا سيما التعريفات الجمركية، في حال وجود خلافات كبيرة قد تؤدي إلى زيادة تكاليف الإنتاج، وبالتالي إلى ضرر تنافسي. وقد التزم الطرفان بتكافؤ الفرص، ووافقت لندن على عدم تخفيض جميع التشريعات والمعايير الاجتماعية والبيئية والمناخية الأوروبية المعمول بها في 31 كانون الأول/ديسمبر 2020 والتّكيف مع تغييراتها. وفي حال لم تمتثل المملكة المتحدة أو الاتحاد الأوروبي للمعاهدة، فإن آلية تسوية منازعات ملزمة، كتلك الموجودة في معظم الاتفاقيات التجارية، ستكون مسؤولة عن الفصل في المنازعات. وفي مواجهة معارضة شديدة من لندن، لن تتدخل محكمة العدل التابعة للاتحاد الأوروبي في هذه العملية، بل سيرجع الأمر إلى “مجلس مشترك” سيسهر على أن يتم تطبيق الاتفاقية وتفسيرها بشكل صحيح.
وتنص الاتفاقية على منح الصيادين الأوروبيين حق الوصول إلى مياه المملكة المتحدة لفترة انتقالية مدتها 5 سنوات ونصف، حتى حزيران/يونيو عام 2026. وخلال هذه الفترة، سيتعين على الاتحاد الأوروبي التخلي تدريجياً عن 25 في المئة من قيمة صيده، وهو إجمالي حوالي 650 مليون يورو في السنة. وإذا قيّدت المملكة المتحدة الوصول أو الصيد بالنسبة للاتحاد الأوروبي، فيمكن لبروكسل في هذه الحالة الانتقام من خلال فرض تعريفات جمركية على منتجات الأسماك في المملكة المتحدة أو غيرها من السلع، أو حتى تعليق الكثير منها من اتفاقية التجارة، مع الحفاظ على قواعد المنافسة العادلة سليمة. وتضمن المعاهدة، كذلك، اتصالاً غير متقطع بالطرق البرية والسكك الحديدية والبحر، ولكن بطريقة أقل فائدة مما لو أن المملكة المتحدة ظلت عضوًا في السوق الموحدة. وثم اتخاذ تدابير من أجل ضمان ممارسة المنافسة بين المشغلين في ظل تكافؤ الفرص بحيث لا يتم المساس بحقوق المسافرين والعمال وسلامة النقل.
الخدمات المالية والملكية الفكرية
علاوة على ذلك، وبموجب الاتفاقية، فإن المملكة المتحدة ستستمر في المشاركة في بعض برامج الاتحاد الأوروبي، للفترة ما بين عامي 2021-2027 مثل برنامج البحث والابتكار “Horizon Europe” بشرط أن تساهم في ميزانية الاتحاد الأوروبي. لكن تغادر، على العكس من ذلك، برنامج التبادل الطلابي “إيراسموس”. كما أن الاتفاق يضع إطارا جديدا للتعاون الشرطي والقضائي، ولا سيما لمكافحة الجريمة عبر الحدود والإرهاب. وسيستمر الجانبان في تبادل الحمض النووي وبصمات الأصابع ومعلومات الركاب، وسيتعاونان من خلال اليوروبول. ويمكن تعليق هذا التعاون إذا تخلت المملكة المتحدة عن انضمامها إلى الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان أو “القيام بتطبيقها على الصعيد الوطني”.
واعتبارًا من فاتح كانون الثاني/يناير الجاري، لم تعد، المملكة المتحدة كذلك تستفيدُ من مبادئ حرية تنقل الأشخاص وحرية تقديم الخدمات وحرية التأسيس. كما خسر مقدمو الخدمات المالية البريطانيون حقهم التلقائي في تقديم الخدمات في جميع أنحاء الاتحاد الأوروبي، وبات يتعين عليهم تثبيت أنفسهم في الاتحاد الأوروبي لمواصلة العمل. كما لم يعد بإمكانهم الاستفادة من مقاربة “بلد المنشأ” أو مفهوم “جواز السفر” والذي بموجبه تسمح قواعد الاتحاد الأوروبي بالوصول إلى سوق الاتحاد الأوروبي الموحدة بالكامل.
في حين، ستظل جميع التسميات الجغرافية الموجودة في الاتحاد الأوروبي، حاليًا، محمية في المملكة المتحدة، لكن بروكسل لم تحصل على ضمانات بشأن التعيينات المحمية التي سيتم تسجيلها في المستقبل. كما ستظل المملكة المتحدة، بموجب الاتفاق، خاضعة للإطار التنظيمي لنقل البيانات في الاتحاد الأوروبي لمدة أقصاها ستة أشهر، بينما تحدد بروكسل ما إذا كان نظام حماية البيانات الذي تقدمه لندن مكافئًا للإطار الأوروبي. وستدير الاتفاق لجنة مشتركة يشارك فيها الطرفان. ويجوز مراجعة شروط العلاقة وتعديلها كل خمس سنوات. كما يتعين الإخطار في حال الخروج من جانب واحد بعام قبل ذلك.
ويبقى جَيْب جبل طارق البريطاني، الواقع قبالة سواحل جنوب إسبانيا، استثناءً، بعد أن توصلت لندن ومدريد إلى “اتفاق مبدئي” في اللحظات الأخيرة، مجنباً تحول الحدود بين جبل طارق واسبانيا على الحدود الوحيدة “المادية” بين المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي ما بعد بريكست. يتيح هذا الاتفاق، الذي تم التوصل إليه مساء يوم الخميس الماضي، قبل ساعات قليلة فقط من دخول بريكست حيز التنفيذ، يتيح الحفاظ على حرية التنقل عند الحدود بين هذا الجيب البريطاني واسبانيا.
وعليه، فإن اتفاقيات شنغن التي تضمن حرية تنقل الأشخاص بين الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي ستطبق على جبل طارق، من دون التدقيق في جوازات السفر. وللإشارة، فإن هناك نحو خمسة آلالف شخص، غالبيتهم من الاسبان، يعبرون يومياً الحدود للتوجه إلى جيب جبل طارق من أجل العمل.
اقتباس
الاتفاق يضع إطارا جديدا للتعاون الشرطي والقضائي