على قمة التلة المرتفعة فوق القرية الفلسطينية برقة وقف خزان مياه باللون البرتقالي شامخاً. تتبدل عليه كتابات بالطباشير، وبين حين وآخر تظهر عليه صور نشطاء مختلفين من اليمين وأحياناً صور أعضاء كنيست. ويمكن القول بأنه يستخدم كنصب تذكاري أو مكان للحج. كانت هنا مستوطنة “حومش” التي أخليت في عملية الانفصال قبل 15 سنة في 23 آب 2005.
لم يكن الإخلاء الأخير في هذا المكان، ففي السنوات الأخيرة أقيمت هناك مدرسة دينية خلافاً للقانون. ثم يأتي موظفو الإدارة المدنية مرة تلو أخرى ويخلون المباني المؤقتة، ثم تنقلب ساعة الرمل لإعادة الإنشاء. ما يحدث هناك يرونه تماماً على التلة المقابلة وفي الوادي تحتها، هناك تنتشر قرية برقة. هناك يعيش أصحاب الأرض الفلسطينيون الذين ما زالوا ممنوعين من الوصول الحر إلى المنطقة التي تم إخلاؤها وإلى أراضيهم هناك. بمعان محددة، يقول سكان القرى إنهم يشعرون بالحضور الاستيطاني في المنطقة أكثر مما كان في الأيام التي سبقت الانفصال.
فوراً وبعد إخلاء المستوطنة، خطط الفلسطينيون لبرامج للمنطقة التي أخلاها الغزاة. “أردنا تحويل المكان إلى منطقة سياحية”، قال رئيس مجلس برقة، جهاد محمد صلاح، “ولكن الجيش أبلغنا أن هذا ممنوع، لأنها منطقة عسكرية مغلقة”. ربما مغلقة جزئياً فقط، لأن صعود المستوطنين إلى المنطقة بدأ بشكل فوري تقريباً، حتى لو كان ذلك بداية في فترة الأعياد والمناسبات. وذات مرة، تذكر صلاح، أنهم أغلقوا الشارع الرئيسي مدة نصف يوم بسبب زيارتهم. وقد مرت السنين وبقيت “حومش” مغلقة أمام الفلسطينيين، لكن حضور المستوطنين في المنطقة زاد.
في السنوات الأخيرة، قالوا، حدثت زيادة في العنف الذي يتعرضون له من الأشخاص الذين يشخصونهم كمواطنين إسرائيليين، بسبب ملابسهم ذات الرموز الدينية اليهودية، أو اللغة التي يتحدثون بها فيما بينهم، اللغة العبرية. تجد ادعاءات الفلسطينيون تأييدها لدى جهة أمنية تحدثت معها الصحيفة. “هناك ما هو حقيقي في قصص سكان القرى التي في المنطقة”، قالت هذه الجهة الأمنية. “النشاط العنيف في محيطهم يسخن المنطقة كثيراً، وقد يتسبب لسكان المنطقة الفلسطينيين بالرغبة في القيام بعمل فعلي”.
أصبحت المنطقة أكثر سخونة، وهذا ما تظهره بيانات السلطات الرسمية في إسرائيل، التي وصلت إلى “هآرتس”، والتي- بحسبها- حدث في السنوات الأخيرة ارتفاع في عدد شكاوى الفلسطينيين في المنطقة عن عنف استخدم ضدهم. في 2016 تم تسلم أربع شكاوى عن أحداث عنف، وفي السنوات التي تلت ذلك ارتفع العدد ووصل في السنة الماضية إلى 31 شكوى، ومن المهم الإشارة إلى أن العدد يتعلق فقط بالأحداث التي أبلغ عنها الفلسطينيون لسلطات الدولة.
وتتعلق إحدى هذه الشكاوى بمفيد شاكر، راعي الأغنام ابن 72 سنة، وأحد سكان قرية برقة التي يبلغ عدد سكانها 4 آلاف نسمة. خرج شاكر لرعي أغنامه في كانون الأول 2018، وبعد ابتعاده مسافة 150 متراً عن القرية، اقترب منه ثلاثة أشخاص يحملون العصي. وقال شاكر بأن أحدهم كان يضع باروكة على رأسه، ويتذكر بأنهم صرخوا عليه وطلبوا منه رمي العصا التي بيده، قبل فترة قصيرة من البدء برشقه بالحجارة التي أصابته في رأسه.
نقل إلى المستشفى في نابلس وكان مصاباً بكسر في الجمجمة، واحتاج إلى إجراء عملية. استغرق تعافيه فترة طويلة، بعد مضي عشرة أيام في المركز الطبي، بقي في البيت مدة ثلاثة أشهر للراحة. ثم عاد إلى الرعي، مع صعوبة في الرؤية. “عندما أخرج مع الأغنام أكون خائفاً، وأنظر طوال الوقت إلى كل الجهات حذراً لئلا يأتي أحدهم نحوي”، وأضاف: “في عمري أنا أستطيع السفر إلى تل أبيب بدون تصريح، لكنني ممنوع من الصعود إلى الجبل قرب بيتي”.
مرت سنة ونصف على الهجوم، ولمسة بسيطة لرأسه يشعر بأضرار هذا الهجوم. لم يرغب شاكر في حينه في المرور على الحدث مر الكرام، وقدم شكوى للشرطة. وبعد شهر من ذلك، تم إبلاغه بأن الملف أغلق، لأن المجرم مجهول. لم تكن هذه حادثة نادرة؛ فمن معطيات جمعية “يوجد حكم” التي قدم بواسطتها فلسطينيو تلك القرى المحيطة ثمانية شكاوى حول العنف أو تخريب الممتلكات (منذ العام 2017)، يتبين أن أربع شكاوى منها أغلقت بذريعة “مجرم مجهول” وأربع شكاوى أخرى ما زالت مفتوحة. في 13 حالة أخرى وثقتها “يوجد حكم” في تلك السنوات، لم تقدم أي شكوى، ولم يُفتح أي تحقيق بمبادرة من الشرطة.
ويبدو أنه لا تنقصنا حالات أخرى مثل حالة مهند ياسين، تاجر الأراضي (46 سنة) من قرية برقة. كان زرع في ساحة بيته كل الأنواع خلال سنوات، كما قال، مثل أشجار الكرز والأفوكادو واللوز. وقبل سنة تقريباً حفر بئراً زراعية قرب قطعة أرضه، لكنها تستخدم -حسب قوله- لأغراض أخرى، ولكن المستوطنين يأتونها بين حين وآخر ويسبحون فيها.
ويقول سكان القرية، إن “هؤلاء لا يستخدمونها فقط، بل يخربونها أيضاً. وقال ياسين إن الجيران استدعوه بعد مشاهدة مستوطنين في أرضه، ثم اكتشف بثقب خزان المياه الذي جلبه إلى المكان وبقطع عدد من أشجاره. بعد ثلاثة أيام، جاء المستوطنون مرة أخرى وهدموا سوراً. اتصل ياسين مع قيادة التنسيق والارتباط الفلسطينية، وخلال فترة قصيرة جاء الجنود. وأُبلغ أن الشرطة تحقق. “عندما كانت هنا مستوطنة كان الوضع أكثر معقولية”، وأضاف بخيبة أمل: “الآن يوجد أناس آخرون تماماً”.
الحرب على الأرض
إلى جانب المواجهة مع الحضور المتزايد والمعادي للمستوطنين في المنطقة، ازدادت في برقة في العقد الأخير محاولات إعادة الأرض التي كانت تقوم عليها “حومش” – هذه الأراضي خاصة تعود لسكان القرية، وتم وضع اليد عليها بأمر عسكري في نهاية السبعينيات (التي لم تستخدم فيما بعد لأغراض عسكرية فحسب بل لاحتياجات المستوطنين). في العام 2011، بعد ست سنوات على استكمال الانفصال، قدموا التماساً للمحكمة العليا عن طريق جمعية “يوجد حكم” في مطالبة لإلغاء أمر وضع اليد. ثم أُلغي بعد سنتين في 2013، وتم توثيق أصحاب الأراضي وهم يصلون إلى أراضي “حومش” التي تم إخلاؤها مع التراكتورات. انتهت الرواية؟ الأمر أبعد من ذلك.
في تشرين الأول 2017 أصدر الجيش أمراً لترسيم حدود للمكان، الذي منع دخول أي شخص إلى هناك. السبب: من أجل التمكين من إخلاء البناء غير القانوني في المكان. ولكن الأمر لم يستثن أصحاب الأرض الذين حرموا من أراضيهم مرة أخرى. وتم تقديم التماس آخر وعادت القرية إلى وضع الانتظار. وكانت المحطة القادمة في تشرين الأول 2019، فقد أعلن الجيش بأن أمر ترتيب الحدود لا يمنع دخول الفلسطينيين إلى المكان. وكمرحلة أولى، قرر سكان برقة إجراء مسيرة أسبوعية إلى أراضيهم. في البداية، منعهم الجنود من الصعود إلى الجبل، وبعد بضعة أسابيع (وطلب تفسيرات من “هآرتس” للجيش الإسرائيلي) سمح لهم بالقيام بذلك. وعندما وصلوا إلى هناك شاهدوا المستوطنين هناك بدون أي إزعاج.
إضافة إلى ذلك، قال سكان القرية إنهم كلما جاءوا إلى المكان يأتي مستوطنون كي يطردوهم. والجنود؟ يتجاهلون وجود المستوطنين، قال السكان. “وعندما يسمحون لنا بالصعود إلى الجبل، يقول لنا الجنود: هنا مسموح وهنا ممنوع… في الوقت الذين يسمحون فيه للمستوطنين متى شاءوا “، قال رئيس المجلس صلاح، وأضاف: “لكننا أصحاب الأرض، علينا أن نكون قادرين على الصعود إلى كل جزء في الجبل متى شئنا”. وحسب وجهة نظر دغلاس (مسؤول الاستيطان في منطقة الشمال)، فإن الحل غير معقد. “إذا كان الجيش يريد منع الإسرائيليين من القدوم إلى هناك، فعليه وضع حاجز، ببساطة”، شرح دغلاس. وحسب قوله، توجه في إحدى المرات التي صعدوا فيها إلى الجبل إلى أحد الجنود الذين كانوا هناك وطلب منه “افعل شيئاً ما، فإنك ترى إسرائيليين لا يجب أن يكونوا هنا”. وأجابني بأن “الجيش حضر للتعامل مع الفلسطينيين فقط، وأن الشرطة هي التي تتعامل مع الإسرائيليين. ولكن إذا اتصلت مع الشرطة فلن تأتي حتى بعد أربعة أيام. فأي حل هذا؟”.
المدرسة الدينية المتجددة
المستوطنون لا يأتون إلى أراضي “حومش” عبثاً، ولا من أجل زيارة خزان المياه، كما تظهر صور وأفلام قصيرة تم تصويرها في المكان، في نهاية حزيران. فنحو 20 عائلة من ذوي الأطفال تكومت تحت قطعة قماش أبيض واسع جرى مده بين الأشجار. وثمة مأكولات مختلفة على الطاولات الطويلة المغطاة بشراشف بيضاء، ثم انطلق صوت غناء ضخم من أفواه الحاضرين. كان هذا احتفالاً بالذكرى السنوية للوجود اليهودي الدائم في “حومش”.
أجل، 15 سنة بعد أن صعدت الجرافات على البيوت الدائمة الأخيرة التي كانت هنا. وكما “سانور” و”غنيم” و”كديم”، ترى في “حومش” مستوطنين مرة أخرى، إلى جانب مدرسة دينية أقيمت خلافاً لقانون تطبيق الانفصال الذي يحظر وجود مواطنين إسرائيليين بدون تصريح في المناطق التي أخليت. ولكن خلافاً لقطاع غزة، من الصعب إنفاذ القانون في الضفة الغربية. تعدّ منطقة “حومش” من مناطق
“ج” (سيطرة إسرائيلية أمنية ومدنية)، ولا حواجز تعيق الطريق إليها، وهي مفتوحة سهلة الوصول.
تثبت المشاهد التي على الأرض ومنشورات أعضاء المدرسة الدينية، أنهم يستطيعون ويجسدون. وحسب منشوراتهم، فإن نحو 30 – 40 من طلاب المدرسة الدينية يدرسون في هذا المكان. في السنة الماضية، نشرت “هآرتس” أن جمعية “مدرسة معمكيم” المدعومة من وزارة التعليم، بادرت بتمويل كبير لمدرسة “حومش” الدينية. أكثر من 66 ألف شيكل وصلت للصندوق.
“حومش” قبل و”حومش” بعد
رغم التشابه الحالي إلا أن “حومش” لم تكن متصلة دائماً بالتيار الديني – الوطني. وقد أنشئت في 1980 كمستوطنة علمانية لحركة “العامل الوطني”. بعد سنتين، تم وضع اليد على الأرض لأغراض عسكرية. وبعد ذلك، دق مستوطنون مهاجرون من الاتحاد السوفييتي سابقاً وتداً هناك. وحدث تغيير في لون المكان بداية سنوات الألفين، بعد أن قتل ثلاثة من سكان المكان في عمليات في فترة الانتفاضة الثانية، عندما كانوا في طريق عودتهم إلى بيوتهم، غادر كثير من السكان العلمانيين (نحو عشرين عائلة). وحلت مكانهم عائلات متدينة. عشية الانفصال في 2005 ظهرت الفجوات الأيديولوجية بين العلمانيين والمتدينين في المكان. وتجسد هذا في فيلم “تخلصي” لمنورا حزاني، منتجة الأفلام الوثائقية، وهي ابنة لعائلة أرستقراطية من المستوطنين (ابنة بني كتسوفر، من مؤسسي “غوش إيمونيم”). في الوقت التي ترك فيه العلمانيون ذاك المكان دون نضال وثم أُخلوا إلى أحد الكيبوتسات، بقي المتدينون يناضلون، وتمترس عدد منهم في بيوتهم وانضم إليهم شباب كثر من معارضي الانفصال.
في نهاية المطاف تم إخلاؤهم، لكنهم لم يبتعدوا كثيراً. كثير منهم يعيشون في “حي حومش” في مستوطنة “شفيه شومرون” التي تبعد نحو عشر دقائق سفراً. هذا أيضاً بيت نشطاء “هيئة حومش أولاً”، التي سعت إلى إلغاء الانفصال وإعادة توطين المستوطنات القريبة (بعد ذلك تم إخلاء مستوطنات أخرى). وقاموا من هناك بنشاطات مختلفة خلال السنين الماضية، مثل زيارات جماعية لـ”حومش” في عيد الاستقلال وعيد الفصح وفي مناسبات أخرى (في أيار السنة الماضية كان رئيس الكنيست في حينه، يولي أدلشتاين، يستعد للذهاب إلى “حومش”). وهناك شخصية رئيسية في هذه الهيئة هي يوسي دغان، وهو أحد المخلين من “سانور”، واليوم هو رئيس المجلس الإقليمي “شومرون”، الذي لا يؤمن بالانفصال عن المدرسة الدينية.
لم نجر مع دغان أي محادثة، ومع ذلك جربنا الدخول إلى المستوطنة التي تم إخلاؤها. وعندما اقتربنا استقبلتنا مجموعة من الملثمين، مسلحين ببندقية وعصي. وأوضح لنا هؤلاء بدون أدنى شك أنه يفضل علينا العودة. بعد ذلك، شرحوا لنا ذاك العنف لأنهم لم يعرفوا بأننا يهود.
أحدهم الذي اقترب ورفع القناع عن وجهه ظهر معروفاً. فقد ظهر في صور وأفلام قصيرة تبثها المدرسة الدينية. وعلى أي حال، لم تكن هناك محادثة طويلة، وأضافوا بأن المدرسة موجودة في نهاية الشارع، ولم يظهر بأنهم معنوين باستخدام تعليمات الوصول. بشكل عام، إن السفر في محيط المدرسة الدينية يرمز بشدة إلى عدم الاهتمام بضيوف غير مدعوين: أضيفت إلى الشارع المؤدي إلى المكان عدة حواجز حجرية ارتجالية لإعاقة مرور السيارات.
وجاء من الناطق بلسان الجيش أن “الجيش وشرطة إسرائيل ينفذون نشاطات إنفاذ دورية للقانون في “حومش” للحفاظ على القانون والنظام العام في المنطقة. وبشكل عام… لتطبيق حظر دخول الإسرائيليين إلى المنطقة. ويقوم الجيش بالنشاطات المطلوبة للسماح للفلسطينيين بالوصول إلى المكان وفلاحة أراضيهم، طبقاً لتقدير الوضع الأمني”.
بقلم: هجار شيزاف
هآرتس 11/8/2020