بعد 54 عاما من الكفاح ضد الدكتاتورية: احتفالات “جمعة النصر” على الأسد في ساحات سوريا الكبرى

منهل باريش
حجم الخط
0

احتفل السوريون بعموم المحافظات السورية والمهجر بيوم الجمعة التي انتظروها نحو 14 عاما، اسموها “جمعة النصر”. ولأول مرة منذ انطلاق ثورة الحرية والكرامة احتفل الآلاف بقلب ساحة الأمويين في دمشق، في حين كانوا يحلمون بالوصول لساحة أقل أهمية، عام 2011، حيث حاولوا الوصول إلى ساحة العباسيين شرق المدينة مرتين في شهر نيسان (ابريل)، سقط خلالها عشرات القتلى من أبناء الغوطة الشرقية في منطقة حرستا على مشارف الساحة الشهيرة، وقبلها ساحة البلدية في مدينة دوما مطلع ذات الشهر.
وشكل احتلال الساحات هاجسا لدى المتظاهرين السوريين بعد ما حصل في تونس والقاهرة. ولم يقتصر حلم الوصول إلى الساحات على دمشق، بل اسمى السوريون اسم جمعة “الزحف إلى ساحات الحرية”.
وفي حلب، احتفل عشرات الآلاف في ساحة سعد الله الجابري في وسط المدينة، وهي الساحة التي طالما حلم الحلبيون بالوصول إليها، وكانوا دفعوا أثمانا باهظة في محاولة الوصول إليها نهاية شهر حزيران (يونيو) ونهاية عام 2011.
وشهدت حمص، أبشع عمليات القمع في تاريخها حيث كانت “مجزرة الساحة” نقطة تحول في تاريخ المدينة وأهلها، حيث دفعت المدينة إلى حالة عنف أهلية أسست لكثير من الأحقاد بين العلويين والشيعة من جهة والسنة من جهة أخرى.
وفي الإطار، بارك أحمد الشرع “الجولاني” قائد هيئة “تحرير الشام” للشعب السوري “انتصار الثورة المباركة ” ودعاهم “إلى النزول إلى الميادين بدون إطلاق الرصاص وترويع الناس” والتوجه لبناء البلد بعد ذلك.
في مناطق سيطرة قوات سوريا الديمقراطية، فرض المقاتلون الأكراد حظر التجول بمدينة الرقة عقب المظاهرة الغاضبة التي شهدتها المدينة ورشق سيارت قوى الأمن الداخلي “أسايش” الخميس، وقطعت الاتصالات عن المدينة حسب ما أفاد الناشط اياس دعيس لـ”القدس العربي” تزامنا مع الدعوات إلى التظاهر احتفالا بالنصر.
وفي شرق الفرات، قال مصدران محليان لـ”القدس العربي” إن الإدارة الاذاتية لشمال وشرق سوريا بدأت بإفراغ صوامع الحبوب في الرقة ونقلها باتجاه الحسكة، كما قامت بتفكيك عدد من المحركات في محطات ضخ المياه وشبكات الطاقة الشمسية ونقل الأموال من بعض البنوك، ونقلت الإدارة بعض سيارات القمح من الحسكة باتجاه القامشلي.
إلى ذلك، تعرض متظاهرون في مسكنة بريف حلب الشرقي إلى إطلاق نار من قوات مكافحة الإرهاب “هات” يوم الجمعة، حسب شريط مصور تداوله ناشطون وأكد صحته الصحافي حسن ابراهيم القريب من المنطقة.
وكانت “قسد” فرضت حظر تجول وقطعت الاتصال عن الرقة كامل نهار الجمعة، فيما تفرض حظر تجول جزئي ليلي في عدة مناطق مع التوترات التي شهدتها المنطقة عقب سقوط نظام بشار الأسد.
على الصعيد السياسي، تسارعت الأحداث السياسية المتعلقة بالمفاوضات بين “قسد” وهيئة “تحرير الشام” على مستوى المسؤولين السياسيين بين الجانبين ويضغط دبلوماسيون فرنسيون وأمريكيون على مظلوم عبدي قائد المقاتلين الأكراد من أجل التوصل إلى اتفاق سياسي تكون “الإدارة الذاتية” والمجلس الوطني الكردي الطرف الممثل عن الأكراد، وفي حين كانت التوقعات تشير إلى مفاجئة قد تحصل مع وصول وزير الخارجية التركي ورئيس جهاز المخابرات التركية إلى دمشق للقاء الجولاني، تتعلق بالتوصل إلى مسودة اتفاق، إلا أن
وصول الوزير حقان فيدان وابراهيم كالن يبدو انه غير في مجاري الرياح قليلا.
وتزامن وصول المسؤولين إلى العاصمة دمشق مع تداول مسودة ورقة لنص اتفاق بين “تحرير الشام” و”الإدارة الذاتية” حصلت “القدس العربي” على نسخة منها.
وجاء في نص الورقة أن المفاوضات المكثفة التي تجري بين الطرفين تحصل برعاية أمريكا.
وتشير الوثيقة إلى أن كلا من الطرفين قدم عدة مطالب من الطرف الآخر. فقد طالبت “قسد” من “الهيئة” سبعة مطالب تتلخص بـ”اعتراف الحكومة الجديدة في دمشق بالإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا والمساعدة في إعادة المهاجرين للأكراد في عدة مناطق مثل حلب المدينة، مدينة عفرين، وتل عرن إضافة إلى مناطق تل أبيض ورأس العين. وتتوسط الحكومة الجديدة في دمشق لحل الخلاف بين “قسد” والدولة التركية. كما تتعهد الحكومة الجديدة بإيقاف هجمات الجيش الوطني المدعوم من تركيا على مناطق شرق الفرات المسيطر عليها من “قسد” ومشاركة “قسد” في الحكومة.
وتشترط “قسد” دستوريا عدة اشتراطات مثل تجنب اسم الدولة العربية واقتصار الاسم على “الجمهورية السورية” والاعتراف الدستوري باللغة الكردية لغة ثانيه في البلاد وإعطاء الأكراد حقوقهم الثقافية والتعليمية.
وشددت المطالب الكردية على التعهد بإخراج الجيش التركي من الأراضي السورية بعد استقرار الأمور.
في المقابل طالبت “هيئة تحرير الشام” من الإدارة الذاتية بأن تعترف بالحكومة السورية في دمشق، واعتبار الإدارة الذاتية جزءا من الدولة السورية، وإخراج جميع العناصر الأجنبية، من كوادر حزب العمال الكردستاني إلى خارج سوريا وفك الارتباط مع الأحزاب الخارجية وإزالة مخاوف تركيا في هذا الموضوع، وتسليم المنطقة العربية التي تسيطر عليها “قسد” وهي القسم الشرقي من دير الزور، ومدينة الطبقة والرقة.
وحول تقاسم الموارد طالبت بإعطاء الحكومة في دمشق 50 في المئة من موارد المنطقة الشرقية، من النفط، والزراعة، والثروات الأخرى.
وفيما يتعلق بالسجون والمعتقلات، طلبت إطلاق سراح جميع السجناء وخاصة العرب وتسليم السجناء الأجانب من تنظيم “الدولة” للحكومة في دمشق، والتعاون التام في هذا الملف.
وانعكست تلك التفاهمات بإعلان “الإدارة الذاتية” رفع علم الدولة السورية في جميع مناطق سيطرتها في شمال وشرق سوريا، ودعت إلى أن يكون للحكومة إشراف جزئي على المعابر مع دولة العراق وتركيا في مناطق الإدارة الذاتية.
وتسعى “تحرير الشام” إلى الاتفاق على آلية أن تكون قوات “قسد” العسكرية تابعة إداريا للجيش السوري الجديد. وتعهد الطرفان، في حال الاتفاق التام على مسألة محاربة أمراء الحرب من الفصائل التي ترفض تسليم سلاحها والانضمام إلى الجيش السوري.
وأشارت إلى أن المفاوضات بين الطرفين مكثفة بحضور ممثلين عنهما وبرعاية أمريكية، حيث يمثل الأكراد دبران جيا مسؤول العلاقات الخارجية سابقا والقيادي البارز ألدار خليل، فيما يمثل “تحرير الشام” رئيس الجناح السياسي في الهيئة، زيد العطار وهو الذي قاد المفاوضات من أجل التوصل إلى اتفاق المدن الأربع الشهير عام 2015.
وقلل مصدر مطلع في القامشلي من احتمال التوصل لاتفاق، وعزا الخلاف على إصرار “قسد” على مطالب تعتبرها مرتبطة بمصر الأكراد السوريين، أولها اسم الدولة السورية، كما أن “قسد” لن تتخلى عن الإدارة الذاتية في أي حال من الأحوال وانها منفتحة على التفاوض حول شكل الإدارة، ومن الصعوبات الكبيرة تحقيق آلية دمج عسكري للقوات الكردية في الجيش السوري المستقبلي.

والجدير بالذكر أن التوقعات ارتفعت بشأن حلحلة العقد وخرجت تسريبات من شرق سرويا تفيد بان وفدا سيتوجه صباح الجمعة إلى دمشق للاجتماع بالجولاني، قد يكون برئاسة مظلوم عبدي.
إلا أن التوقعات انقلبت رأسا على عقب، وخرجت “الإدارة الذاتية” لتنفي “ما تم تداوله حول مسودة أو تفاهم مع دمشق”، وأوضح كمال عاكف المتحدث الرسمي باسم دائرة العلاقات الخارجية في الإدارة أنه “يتم حاليا الإعداد لمرحلة اللقاءات والحوار بهدف توحيد الآليات والجهود خدمة لسوريا وشعبها”.
وفي جنوب سوريا، يسعى الجولاني لإخماد الحرائق التي سببها الانهيار السريع للنظام السوري، وبهدف التوصل إلى حل عادل يبدد المخاوف في درعا والسويداء، تقدم الجولاني خطوة إلى الأمام للقاء وفد من غرفة عمليات الجنوب برئاسة أحمد العودة، واعتبرت عمليات الجنوب أن اللقاء “خطوة مهمة نحو تحقيق الاستقرار والأمن في منطقة حوران” موضحا أن التنسيق بين الجهود العسكرية والمدنية في ظل الحكومة الجديدة “هو أمر بالغ الأهمية لوضع حد للاضطرابات وتقديم الخدمات الأساسية للمواطنين”.
ووصف بيان الاجتماع، انه “خطوة مهمة نحو توحيد جهود قوى الَثورة بقيادة مركزية موحدة، تحفظ حقوق الجميع، وتضمن مشاركة فاعلة من كافة أبناء الوطن في بناء الدولة السورية”.
واللافت أن البيان تجنب الحديث عن خريطة طريق وأبقى المطالب دون انعكاس محدد على أرض الواقع مع التطورات المتسارعة في دمشق. إلا أنه جاء بعد سيطرة إدارة العمليات العسكرية على معبر نصيب الحدودي وطرد الفصيل المرتبط برئيس الأمن العسكري في جنوب سوريا.
في ضوء ما يحصل على جبهة الجولان والتوغل الإسرائيلي في عمق المناطق السورية متجاوزا منطقة فض الاشتباك وقصف عشرات الأهداف العسكري وخصوصا الألوية والقطعات المتخصصة بالصواريخ البالستية والمواقع التي يشتبه بها انها قد تكون لإنتاج السلاح الكيميائي، فقد دفع التقدم الإسرائيلي والسيطرة على عدة قرى شريطية إلى خروج أحد الأصوات المطالب بضم بلدة حضر ذات الغالبية الدرزية إلى الدولة الإسرائيلية، الأمر الذي أثار حالة غليان لدى المشيخة الروحية والاجتماعية في البلدة.
وأصدرت المشيخة بيانا مصورا إثر الحادثة، الجمعة، جاء فيه “تناقلت وسائل التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو تحمل آراء تتنافى مع الموقف التاريخي لأهالي حضر والذي يؤكد على عمق الانتماء لسوريا المتمثل بقول القائد التاريخي سلطان باشا الأطرش الدين لله والوطن للجميع. وحضر جزء لا يتجزأ من سوريا الموحدة، وهذا الموقف ثابت لا يتغير، وهو منسجم مع الموقف العام لعموم الشعب السوري، وأي رأي مخالف لهذا البيان يعتبر غير شرعي”.
تقع على إدارة العمليات العسكرية بشقيها العسكري والسياسي أعباء كبيرة للغاية، ومن الواضح ان الامكانيات الإدارية ضعيفة على صعيد الكوادر وآليات اتخاذ القرار، ومن الواضح أن قائد “تحرير الشام” ومعاونيه لم يضعوا خطة عمل واضحة تقدم أجوبة لعشرات الأسئلة الملحة والضرورية.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية