بعض حيثيات الموضوع الإيراني.. عبر قراءة نفسية

‘لقد وقّعت اتفاقية تاريخية’ قال وزير الخارجية الفرنسي لوران فابيوس. اتفاقية تاريخية نؤمن بأن تؤدي إلى إعادة صياغة للعلاقات الدولية بما يفتح مجالا لبروز عالم ليس متعدد الأقطاب بقدر ما يؤسس لمجتمع دولي متكامل الأقطاب.
لقد أدخلت جولة المفاوضات على النــــووي الإيراني المجتمع الدولي في مسار دبلوماسي جديد، هو نفسه صورة لمعطى جديد يكيّف موازين القوى وفق مزاج عام غير مسبوق .
كلنا يعلم كم يساهم العامل النفسي في بناء العلاقات، وقد لعبت عوامل نفسية عدة دورا بنّاء في الموضوع الإيراني. فلنحاول في هذا المقال، إبراز كيف صيّر المجال النفسي طبيعة الموضوع الإيراني، بل أبعد من ذلك، كيف يمكن القول إنه من دون العامل النفسي لا يمكن حصول تغيير جذري، ليس في الدبلوماسية الدولية فحسب، بل أيضا في العلاقات الدولية. واضح أن الموضوع النفسي اتخذ، في السياق الإيراني، منحى سنسميه متدرجا، على شكل التدرج اللوني، وكأنّ أشكالا وألوانا كما يحلو للغة العربية أن تقول أطالت الطيف’ الدبلوماسي النفسي فوجّهته اوجها عديدة رسمت خطوطا لكل طرف، مكيّفة هذا المحفل الدبلوماسي الدولي تكييفا يرقى بلا ريب إلى مستوى السوابق.
ولتحليل هذه العوامل النفسية يمكن الحديث، أولا، عن حسن النية. واضح أن حسن النية كان مشتركا بين الطرفين. فلئن كانت لمجموعة خمس زائد واحد مطالبات عالية السقف، وقد احتلت فرنسا الخطوط الأمامية في هذا المجال، فقد كان بيّنا أيضا أن الرغبة في الوصول إلى شيء، وهي رغبة فريدة من نوعها غلّبت على مجرد الخطوات الشكلية التي لا تؤدي إلى شيء وهي خطوات معتادة في الحقل الدبلوماسي، ثم يأتي أحد أبرز عوامل المجال الدبلوماسي وهو عامل الثقة. فجليّ أنّ الأطراف الغربية توخت الثقة في تعاملها مع الموضوع الإيراني. قد يقول قائل هنا إن عامل المصالح كان فاعلا. وصدق من قال كلما تأخرنا في توقيع الاتفاق تقدمنا في احتمالات ولادة القنبلة النووية الإيرانية. كما صدق من قال كلما تأخرنا في بت الموضوع فقد الطرفان فوائد اقتصادية تتضرر من غيابها على حد سواء. وظل هذا أحد وجوه الموقف الفرنسي الذي، رغم بروزه كواحد من اكثر الأطراف تشددا، تذكر بأنّ لا أحد سيستفيد من مغادرة شركات توتال ورونو والبنوك الفرنسية للبلاد في حالة تأزم الوضع.
لكن عامل المصلحة لا ينبغي أن يحجب عامل الثقة الذي لعب دوره في المسألة.
تكاد تكون كلمة ثقة غائبة عن ساحة النقاش الإعلامي تماما عند الحديث عن تطورات شؤون الساعة الدولية.. وشجونها. لهذا سنركز عليها في هذا المقال. نركز عليها لأنها جديرة بالمساعدة على صياغة وجه جديد للعلاقات دولية. فإيران دولة تفاوض منذ عشر سنوات من دون اتفاق، وهي دولة استفادت أيضا، واستفاد الغرب معها، من مشروع تعاون نووي يعود بنا إلى ما يقارب نصف القرن. وهنا لا بد من التركيز بشكل أوثق على الدور الذي لعبته فرنسا في الملف الإيراني وليس منذ مفاوضات تشرين الثاني/نوفمبر 2013 ، وإنما منذ زمان. فلا ينبغي أن يغيب عن الأذهان أن تعاونا وثيقا بدأ بين فرنسا والشاه في المجال النووي، ولا شك أن المعطيات المفسّرة للموقف الفرنسي المنفرد نسبيا في هذه المفاوضات راجع أساسا لتبحر فرنسا الأكبر في الملف النووي الإيراني من سواها من القوى الغربية. والكل يعلم أن بناء جسور الثقة لا يتم من دون عنصر أساسي وهو عنصر الوقت. وعنصر الوقت، في الحالة الإيرانية وجزئيات تاريخها المشترك مع دول غربية، ومنها فرنسا، لعب دورا مهما في الوصول إلى اتفاق سمّه اتفاق ‘هدنة’، ‘ترقب’، تريّث… أي كلمات تنتمي إلى الحقل الدلالي للانتظار. والثقة، أيضا، مرتبطة بالانتظار.. لقد ضمّت فرنسا صوتها إلى باقي الأصوات المؤمّنة على الاتفاق الأخير، وكان معروفا انها لن تعرقل المسار التفاوضي أصلا لأنها وضعت فوق الطاولة، وكما يقال بعبارة فرنسية أصلا صارت معربة، في الوسط الدبلوماسي والصحافي على وجه الخصوص، دبلوماسية الكارت بلانش أي المجال المفتوح، المفتوح لارتياد أفاق جديدة يسبر فيها مدى إيفاء بلد إيران هنا- بالتزامها الجوهري بتخصيب اليورانيوم لأغراض سلمية.
فجميل وجوهري أن تضع إيران فوق الطاولة، هي الأخرى، التزامها بوضع يورانيومها المخصب هذا فــــي سبيل تطوير البحث العلمي للقضاء على مرض السرطان، جمـــــيل وجــــوهري أن تبدي رغبتها الأكيـــــدة في التحديث الاقتصــــادي والاجتــماعي للدولة معتمدة في هذا الصدد على الـ9 مليارات من الدولارات المتوقع إفراجها من أرصدة إيران الكورية والصينية واليابانية.
جميل وجوهري أن أعلنت الجهات الرسمية الإيرانية ان قضية تصنيع القنبلة النووية سقطت تماما من حسابات نسبة التخصيب فلا ضير من التحول من معدل 20 بالمئة إلى معدل 3.5 أو ما جاورها.
الثقة كلمة تفتح أبواب الأمل واسعة، وكم تتجاوز الآمال الجيوسياسية نطاق الجيوسياسة !كم تتجاوزها لتنتقل بكل بساطة إلى مناحي الحياة.
لقد أخذت الصحافة الفرنسيــــة تحقــق في الآونة الأخيرة في الوضع الاقتصادي الإيراني الراهن معتمدة على احــــد شرايين الاقتصاد الموجه إلى قطاع عريض من الشعب، وهو البازار، أي السوق الكبير. وتبيــــّن صحـــــيفة ‘لوموند’ مثلا كيف سحق على حد تعبيرها الحظر الاقتصادي المفــــروض على إيران الاقتصاد المحلي، مانعا دخول مبادئ التنظيم الاقتصادي الأساسية حيز التنفيذ مثل تحديد أسعار الإيرادات، اختيار الشركاء التجاريين، ضمان هوامش الربح، وربما الأهم، إبقاء سعر الذهب مستقرا.
تدخل دبلوماسية الكارت بلانش، دبلوماسية الثقة، في نطاق الدبلوماسية أصلا. ولهذا لا بد من وضعها في الحسبان إلى جانب العامل التجاري، عامل المصلحة، عامل ‘الأطماع ‘ التجارية على حد تعبير البعض. وإذا كان العامل النفسي يلعب دورا أساسيا في المفاوضات، إلى درجة أن ‘الدبلوماسية النفسية’ تشكل دبلوماسية بديلة حقيقية، فلا بد من إدخال عامل نفسي جديد أيضا في المعادلة، ولعله يتبوأ مركز الصدارة من باقي العوامل المذكورة، إنه العامل الذي يذكرنا بأن رغم الآمال العريضة، فلا شيء مضمونا مسبقا، إنه عامل الرهان.

‘ باحث أكاديمي وإعلامي فرنسي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية