بيروت – «القدس العربي»: إنتفاضة أم حراك أم ثورة لا فرق، فقد تركت لبنان في حالة غليان، ودفعت من لديهم قراءة واقعية لمسار الأحداث للتفكير ملياً. ثمة حالة مستجدة يلمسها الزائر لوسط «البلد»، سواء أراد الإلتحاق بالحراك أو جس نبضه ومعاينته.
الدخول من ناحية الإسكوا عبر حديقة جبران خليل جبران يمر بـ»هايد بارك» فيه حوارات تتبدل عناوينها. حين مررت كان الزميل محمد زبيب يبحث في الشأن الإقتصادي. يقرأ للحاضرين في ورقة الإصلاحات التي خرج بها رئيس الحكومة واعتبرها البعض فتحاً عظيماً. ووجدها تعرض للبيع كل ما تملكه الدولة، وللطبقة نفسها التي نهبت لبنان، وعبر مصارفها.
متفائل جداً الزميل زبيب بنتائج ستثمر عاجلا أم آجلاً عن «إنتفاضة أوكتوبر المجيدة». حاسم في مواقفه، فسر حكومة التكنوقراط بأنها تشبه فؤاد السنيورة أو حكومات العسكر، «هما معاً أدوات قمع». شرح افكاراً واردة في أدبيات البنك الدولي ومنشوراته تحت عنوان «ضوابط رأس المال»، ومنها منع تام وشامل لخروج الدولار من أي بلد في حال الأزمات إلا للضرورات كشراء الدواء والقمح. لكن حتى الأمس كانت حقائب الدولارات تسرح وتمرح في مطار بيروت.
بين الحضور، الذي بدا يسارياً في «هايد بارك» حديقة جبران كانت صبية تتأبط موقفاً اعتلته وردة وفيه: مع المقاومة ضد اسرائيل ومع المقاومة ضد الفساد والبلطجة .
# ثورة لبنان الطبقية
هذا الـ»هايدبارك» ملاصق للإسكوا، وعلى جدار الحماية في شرق المبنى ثمة مواقف من نوع آخر. إنها حرية تعبير بالكلمة المكتوبة أو المطبوعة أو بالغرافيتي، وأمامها يكثر المهتمون، وملتقطو الصور. رسم كبير ملون لكرسي تعتليه جمجمة نبتت منها وردة لها ساق طويل ملتوٍ. ورسم آخر لامرأة تصرخ بقوة وانفعال. وحضر حنظلة على جدار الإسكوا أيضاً وحمل تعبير «فلسطين لبنان» ووقعه «م ك». حنظلة حبيب بيروت الدائم.
في رياض الصلح يتداخل المتظاهرون مع شرطة مكافحة الشغب المنتشرين والمتجولين. وبينهم يمر متضامن وصل من مصر وحمل يافظة كتب عليها «لا تتركوا الساحات حتى لو بيقيتوا 72 سنة». مواطن مصري يريد القول لإخوته في بيروت «ما متش بس ما شفتش مين مات». هو رجاء للإستفادة من الدرس المصري القاسي. وفي المكان تصدح أغنيات جوليا الوطنية، يبدو أنه تمّ العفو عنها بعدما تردد أن صوتها اُبعد في الأيام الأولى لأن زوجها وزيراً في الحكومة.
قريباً من أحد مداخل مجلس النواب المحصن بالأسلاك على أنواعها وقفت سمر فرحات ترفع اليافطة التالية مزينة برسم للعلم اللبناني «هيدي كمان ساحة مقاومة.. مقاومة لإستعادة الأموال المنهوبة.. لإستعادة حضانتي ضد المحاكم الشرعية.. ضد المحاصصة الطائفية السياسية.. ضد الفقر والفساد والبطالة».
قالت لـ»القدس العربي»: هو نداء لمن يحب المقاومة، فنحن الذين رفضنا وقاومنا ذل الإحتلال الصهيوني نرفض كذلك الذل طلباً للعمل. لماذا يعمل رجل ستيني، كما أبي لتأمين عيشنا؟ أين ضمان الشيخوخة؟ أين حقوق الأم؟ لماذا أذل على أبواب المحاكم الشرعية لحضانة أطفالي؟ أحمل شهادة جامعية في العلاقات الدولية، ولأني لا أتبع أي حزب ما زلت دون عمل.
ندى أبو فرحات
عشرات الأمتار بعيداً عن تمثال رياض الصلح كانت جمهرة دائرية مشتعلة بالحماس. إنها الفنانة ندى أبو فرحات تمسك بالمذياع وتطرح المطالب: «وحدة وحدة وطنية.. بدنا دولة وطنية.. بدنا بلد حضاري.. نحنا ثورة ما بتمل.. منرفض نعيش بالذل». لا تمل ندى أبو فرحات وتزداد قوة، ومن حولها يهتفون معها بكل صدق وإيمان.
مجموعة من الشباب والصبايا كانوا يعدون سندويشات العصرونية، بمحتويات منوعة بين مارتيدلا، جبنة، جونبون وشوكولا. يقول أحدهم: نحمل السندويشات ونوزعها في الساحة، فما نعده طيب ونظيف. نحن هنا منذ يومين جمعنا مالاً من بعضنا وبدأنا إعداد الطعام. أمس وزعنا 800 سندويش، واليوم وحتى اللحظة 600. ونأمل الإستمرار حتى تحقق الإنتفاضة اهدافها. في طرف الرصيف جلست ليال تعرض منتجاتها، التي أوحت بها الإنتفاضة من تي شيرت رجالي بـ10آلاف، ونسائي بـ5 آلاف. وبراسليه تحمل توقيع «ثورة 2019» بـ 2 ليرة لبنانية فقط. من الكتابات «كلن يعني كلن»، و «هيلا هيلا هيلا» وغيرها. وفي المقابل رفع عالياً إعلان «سوق أبو رخوصة.. بيروت حق الناس اللي ما بيموت.. هون اسمو البلد مش سوليدير». موقف شعبي حمله قماش أحمر جميل، زاد من جماله التفاف الناس حوله. درج جامع الأمين تحول إلى مسرح يشغله الدي جي المنحاز لعاصي الحلاني وجمهور كبير مع أعلامه. أغنية «وطن السلم وطن الحرب» تتردد بين كل أغنية وأخرى. وبالإلتفاف نحو يمين الجامع تظهر ساحة الحوارات والأحزاب العلمانية والجامعات والطعام. لكل خيمته ومهامه. أما المشهد الحواري الأبرز فكان في سينما البيضة التي فتحتها القذائف خلال الحرب الأهلية وشرعتها للهواء الطلق.
كان الدرج المؤدي إليها يشبه بكثافة الصاعدين والهابطين أولئك الذين حجوا إلى بوابة فاطمة ورشقوا حجراً على موقع المراقبة الإسرائيلي، بعد التحرير. البيضة تحفة معمارية يعرفها أهل المهنة في العالم ويسألون عنها، لكنها كانت ممنوعة على الناس. إنها أملاك سوليدير المقدسة سابقاً فهل حررتها الإنتفاضة؟ ربما اسقطت عنها ورقة التوت. ففي داخلها كان الحضور مكتظا والحوار على أشده. ليس في الكون أرق من الحوار الهادئ والهادف. وهذا ما يدأب عليه جزء كبير من شباب لبنان في «البلد». فخلال الإنتفاضة ظهرت وستظهر تجليات إنسانية وفنية كثيرة.