حال أمتنا كحال كل الأمم المحتلة المستعبدة، التي لم تجد طريق نهضتها بعد، فهي لا تعرف قيمة نفسها ولا قيمة رجالها، لذلك لم يلق تراث العلامة والمؤرخ محمد كردعلي ما يستحق من الدراسة والنشر، ولو كان في أمة أخرى لكان لذكره شأن آخر.
في هذا الشأن يصف المؤرخ حاله في أمته «حقيقة أن من نشأوا من أمة صغيرة لا ينظر إلى أعمالهم مهما عظمت بالعين التي ينظر بها إلى من جاؤوا من أمة عظيمة. ومن كان على حال كحالي مثلاً، لا أمة تعضده، ولا جامعة يرتبط بها، ولا مجمع يأخذ بيده. كثير عليه لعمر الحق ما تم على يده، ومستغرب منه ما أنتجه. ورب مشروع أردت أن أبدأ به موقناً فيه الخير للعلم والآداب، ولهذه الأمة العربية التي تنقصها أشياء، فأخرني عن المغامرة فيه قلة الظهير والنصير. وإنني لا أستحي من هذا التصريح، وأرجو أن لا تؤثر هذه المثبطات في نفوس الناشئين على عهدي ومن بعدي».
أطلق ذهنه المتوقد القادر على التقاط التفاصيل الصغيرة، واستنتاج القوانين العامة الحاكمة لها، بناء على تحليل دقيق يدرك قوانين حركة المجتمعات البشرية. أطلق عدداً كبيراً من التنبؤات المستقبلية، تحقق الكثير منها في ما بعد. في هذا المقال الصغير سأتوقف عند بعضها مما قرأته في مذكراته المكونة من خمسة أجزاء، وتعد تحفة أدبية وعلمية وسياسية شكلاً ومضموناً.
وتعلمون أيدكم الله أن معظم من هاجروا إلى تلك الأرجاء هم من العناصر الكردية والسريانية والأرمنية والعربية واليهودية. وجمهرة المهاجرين في الحقيقة هم من الأكراد نزلوا على الحدود.
القضية الكردية: أول التنبؤات تخص الأكراد، وقد اشتهر ما كتبه في مذكراته عن وضع الأكراد في الجزيرة السورية، إذ تداولته مواقع النت وأشارت له بعض الكتب والدراسات. في عام 1931 كان العلامة وزيراً للمعارف في حكومة الشيخ تاج الدين الحسيني، فقام بزيارة عمل لبعض المدن والقصبات السورية. قادته جولته الرسمية تلك إلى الجزيرة السورية، وعند عودته إلى دمشق قدم تقريراً بذلك إلى الشيخ تاج الدين الحسيني. جاء فيه حول وضع الأكراد في الجزيرة ما يلي قال «وتعلمون أيدكم الله أن معظم من هاجروا إلى تلك الأرجاء هم من العناصر الكردية والسريانية والأرمنية والعربية واليهودية. وجمهرة المهاجرين في الحقيقة هم من الأكراد نزلوا على الحدود. وإنني أرى أن يسكنوا بعد الآن في أماكن بعيدة عن حدود كردستان، لئلا تحدث من وجودهم في المستقبل القريب أو البعيد مشاكل سياسية تؤدي إلى اقتطاع الجزيرة أو معظمها من جسم الدولة السورية، لأن الأكراد إذا عجزوا اليوم عن تأليف دولتهم فالأيام كفيلة بأن تنيلهم مطالبهم إذا ظلوا على التناغي والإشادة بقوميتهم». (دمشق في 8 رجب 1350- 18 تشرين الثاني 1931 ـ وزير المعارف).
كانت الجزيرة منذ عشرينيات القرن الماضي مسرحاً لمحاولات التغيير الديموغرافي الفرنسية، ومحاولة إنشاء كيان كلدوآشوري ـ كردي من أجل إيجاد حاجز بشري يفصل بلاد الشام عن الأناضول، ويفصل أيضاً بلاد الشام عن العراق وهذه استراتيجية غربية ثابتة منذ حروب الفرنجة، تقول بضرورة السيطرة على بلاد الشام، من أجل السيطرة على العالم الإسلامي، وإن لم يكن فيجب خنق هذه البلاد عبر عزلها عن البحر وعن الجوار، على اعتبار أن بلاد الشام هي قلب العالمين العربي والإسلامي، ولا نهوض لهما بدون نهوض بلاد الشام.
يتابع كرد علي حديثه السابق عما عرف لاحقاً بالقضية الكردية في الجزء الخامس من مذكراته. يقول: «تعلم بعض أبناء الأكراد فقويت فيهم نزعات القومية، وأخذوا يتناغون بالاستقلال، وما خلوا من غريب يحسن لهم قيام دولتهم ويعيدهم ويمنيهم بتحقيقها فكان من ذلك أن ضُربوا في تركيا والعراق ضربة قاسية هلك فيها ألوف من رجالهم، وخرب الترك ثورتهم وأتوا على ثروتهم ، فاضطر الأكراد إلى إرجاء حل مسألتهم إلى أن تسالمهم الأيام». ومن نافل القول إن الأيام أثبتت كم كانت نظرة الرجل ثاقبة. كما أن أصله الكردي القريب، حيث ينحدر والده من مدينة السليمانية، لم يمنعه من رؤية التدخلات الدولية ومآل القضية الكردية.
كانت الجزيرة منذ عشرينيات القرن الماضي مسرحاً لمحاولات التغيير الديموغرافي الفرنسية، ومحاولة إنشاء كيان كلدوآشوري ـ كردي من أجل إيجاد حاجز بشري يفصل بلاد الشام عن الأناضول.
في مسألة العدالة الاجتماعية
كان المؤرخ مهجوساً بمستقبل مصر، لأنه كان ضيفاً دائماً عليها، وقد سكنها لفترات طويلة مستمرة ومتقطعة وكان أيضاً عضواً في مجمع اللغة العربية في القاهرة، وصديقاً لحكامها ولنخبتها الأدبية والسياسية .أدرك كردعلي وهو صاحب القرى والأطيان والمزارع في غوطة دمشق (إقطاعي) أنه بدون حل سليم لمشكلة الأرض، حيث قلة تملك كل شيء وأكثرية لا تملك شيئا، فإن مصر مقبلة على انفجار اجتماعي كبير.
كتب في مذكراته يوم تولى إسماعيل صدقي باشا الوزارة في مصر عام 1930 في عهد الملك فؤاد الأول، يقترح إصلاحاً زراعياً في فقرة تحت عنوان «لإنعاش مصر» كتب يقول، «لو كان لي من الأمر شيء لأهبت بالحكومة المصرية أن تقّسم على الفلاحين جميع أراضي الدولة الصالحة للاستثمار، وأن تبيع الأرض القابلة للإصلاح من فقراء الفلاحين يصلحونها في مدة تعينها لهم، ولاستصدرت قانوناً يقضي بأن لا يملك المالك أقل من فدانين ولا أكثر من مئة فدان». ويكمل اقتراحه بضرورة فتح ملاجئ لإطعام الفقراء وللعجزة والأرامل والأيتام. كما يقترح زيادة الإنفاق الحكومي على الصحة والتعليم، وفرض ضريبة على الثروات الكبيرة قدرها 5٪ . وينفي أن يكون هذا البرنامج شيوعياً، بل يعتبره لمحاربة الشيوعية. «يستحيل أن تقضي على الشيوعية إلا بالاقتراب منها، تعمل بالنافع من تعاليمها، نقتبس الجيد ونبتعد عما لا يلائمنا»، بالطبع لم يستجب إسماعيل صدقي باشا له. حتى جاء عبد الناصر فطبق اصلاحاً زراعياً واسعاً وكان ما كان.
ويعود في مكان آخر من المذكرات ليؤكد على أفكاره «ولو كنت في النواب أو الشيوخ لرفعت صوتي لإقرار قانون لتحديد الملكية، وبذلك أخفف البؤس ما أمكن…. يكثر في مصر والشام من يملك بضعة آلاف من الأفدنة، أو بضع قرى ومزارع وهو عاجز عن إصلاحها أو إصلاح بعضها، وكان القليل منها يجزئه ويعيش به سعيداً، وإنني أخشى إذا كتب الظهور للشيوعية في الشرق أن تنزع من أرباب الأملاك الواسعة أملاكهم، فليس من العدل أن يظل مئات الألوف من الخلق لا يملكون أكثر من قوت يومهم وتتضخم ثروات الأفراد على ما نرى.
كلنا نعلم لم تظهر الشيوعية في الشرق في ما بعد لكن ظهرت الناصرية والبعثية وانتزعت الملكيات الكبيرة من أصحابها وكان ما كان.
هذه خواطر عنت لي وقد أكون في بعضها مخطئاً، ولكنني أعتقد أنني على صواب في أكثرها». ويعود ليقول «إنني أخشى على مصر من الدعايات السياسية الهدامة، ولا أجد الحالة الحاضرة تدوم كثيراً. إن مصر تحارب هذه الدعايات منذ ظهرت في العالم، واليوم تزيد في كفاحها من غير هوادة، لكن من يعصمها من تسرب ما يضر بكيانها الى مدى بعيد، من يضمن أن لا ينفجر المرجل ذات يوم فيأتي على الأخضر واليابس؟ من الأمور ما يتعذر تلافيه ساعة الخطر، فحري بأهل البصيرة أن يتداركوا الأمر قبل استفحاله». وعندما يسمع أن الهند أقرت قانوناً شبيهاً بما يدعو إليه يشيد به. يقول في فقرة تحت عنوان «قانون هندي».
« أقرت حكومة الهندستان قانوناً نافعاً جداً حبذا لو جرى العمل به في البلاد العربية، وذلك بألا يملك الفرد من الأرض أكثر من مئة فدان، ويشترط في مالكها أن يكون قائماً على أرضه يزرعها ويتعدها بنفسه».
كلنا نعلم لم تظهر الشيوعية في الشرق في ما بعد لكن ظهرت الناصرية والبعثية وانتزعت الملكيات الكبيرة من أصحابها وكان ما كان.
صعود الشيعة في لبنان
حول هذا الأمر يكتب في الجزء الخامس من مذكراته «ذكر عارف بأسرار المجتمع اللبناني أن فقراء جبل عامل وغيرهم من شيعة لبنان كانوا يقصدون بيروت ليرتزقوا بالعتالة ومسح الأحذية، داموا على ذلك أعواماً حتى انتبه أذكياء طائفتهم، بما عهد فيهم من التكاتف والحزم، فأنشأوا لبنيهم مدارس، فجاء منهم تجار وأرباب الأعمال والأدباء، بعد أن كانت غاية من ينزل عاصمة لبنان اكتساب قوته بامتهان المهن الحقيرة، أصبح لأبناء شيعتهم بضع صحف يومية وأسبوعية (وقال عارف أيضاً: وعشرة في المئة من أملاك تلك العاصمة). وإذا كتب لشيعة لبنان أن يغتنوا وتنتقل إليهم بعض الأملاك فذلك لأنه يقل فيهم المقامرون والمغامرون، ومن نجا من مرض القمار وأمسك عن المغامرات يغتني إذا عرف طرق الكسب وأساليب الادخار». وها نحن نعيش في ذروة تحقق هذه النبوءة .
وأخيراً أختتم بما نقله كردعلي عن العلامة المجدد الشيخ طاهر الجزائري «كان أستاذنا الشيخ طاهر الجزائري، وهو على سرير الموت، يقول لمن حوله من أصحابه: اذكروا من عندكم من الرجال الذين ينفعونكم في الشدائد، ودونوا أسماءهم في جريدة لئلا تنسوهم، ونوهوا بهم عند كل سانحة، واحرصوا عليهم حرصكم على أعز عزيز، وأظنهم على كثرة ما كدوا حافظتهم وذاكرتهم، لم يعدوا أكثر من خمسين رجلاً، وكان يقول لنا: تجاوزوا عن سيئاتهم، وانتفعوا بحسناتهم وشيخنا هذا قضى عمره في السعي إلى الإصلاح والتجدد». ليتنا ننتفع بهذه النصيحة ونطبقها في كل مجالات الحياة.
٭ كاتب مغربي