تقدم القاصة السورية زينة حموي مجموعتها القصصية الأولى «محاولة متأخرة للبكاء»، والصادرة عن شركة المطبوعات للتوزيع والنشر في بيروت عام 2019، متضمنة عشرين قصة قصيرة تجمعها سمة فنية واحدة هي التماسك، حيث كل شيء من حول النصوص مفكك: الصروح الوطنية، والبنية الأخلاقية، ومعنى الإنسانية، والتحالفات السياسية، والجغرافيا، فتحاول النصوص أن تواجه ذلك التفكك كله بتماسكها. ينبثق عن التماسك حضور قوي للمدلولات ووضوحها، فليس ثمة وقت للعب زمن الحرب والموت، إذ لا تجريب يلهث وراء شكل جديد يحير المتلقي، أو يُغيّب المدلول فيصير تعالياً ولعباً، كما يشير دريدا، بل هناك نصوص ترغب في قارئها وتمد له يد العون، مشفقة عليه من قسوة المعنى، فتسهل له الطريق إليها، وإلى ما تدل عليه، لذلك لن يشعر القارئ بالضجر، أو التشتت إذ سيأخذ النص بيده إلى أعراف القراءة الأليفة، عبر لغة مباشرة وواثقة وحاسمة مثل لغة الرضيع، حسب تشبيه رولان بارت، ولعل تلك الألفة في اللغة تمنح النص لذته التي يصر عليها بارت أيضاً.
تخلق زينة حموي في كل نص حكاية، وإذا كان لفظ حكاية قد اقترن في ذاكرتنا القولية مع لفظ شعبية، فإننا نستطيع استعمال أحد وجوه مفهوم (الشعبية) هنا، لكنه ليس الذي يتغيا الحكاية المعروفة المتوارثة عن الأجداد، ذات الراوي المجهول، بل الوجه الذي يستعمل عناصر شعبية من روح جغرافيا النص وتاريخ أهله، فأبطال حكاياتها من قلب حلب، وحمص، واللاذقية، والرقة، والحسكة، ومن أحياء الهُلك، وباب الفرج، ووادي السايح، وشارع الأظن، والحميدية.. إن هذه الشعبية التي تتركب منها الحكاية في كل قصة تكسر هشاشة التسطيح الحداثي وتجريبيته المصنعة مثل (التوفو والمايكروفايبر والفيسبوك) وتحيي ذاكرة الناس عبر استعادة أمكنتهم الطبيعية (الوطن) وممارساتهم ونزوعاتهم التي عرفوها قبل الحرب بزمن طويل، أو قصير، وتجدد ثقافتهم بتجديد حكايتهم واتساقها، ليس مع ماضيهم فحسب، بل مع حاضر جيلهم الشاب الذي تحاول الحرب طمسه مع البيوت والمدارس والحدائق والقيم: «الإسوارة الفضية التي اشترتها من سوق المدينة في آخر مشوار إلى حلب، زجاجة الرمل الملون كتب عليها اسمها (زهرة) ابتاعتها من سوق الحميدية في زيارتها اليتيمة إلى دمشق قبل سنوات، ألبومات لينا شماميان وأسطوانة إبراهيم كيفو حفلة بيت الدين 2013، شال الصوف الذي نسيته جدتها عندهم قبل أن تسافر إلى ابنتها الوحيدة في السويد وتموت هناك»، نقتفي في هذه السطور القليلة الخريطة الأنثروبولوجية الثقافية لأهل الجزيرة السورية، الحسكة والقامشلي تحديداً في قصة «كلاكيت نزوح» حيث تسقط لحظة الحرب، وهروب أهالي المنطقة من صراعات «داعش» ووحدات حماية الشعب الكردية، الأقنعة. عن مشكلات عميقة إنسانية واجتماعية في بنية المجتمع عبر التاريخ، وعبر علاقة زهرة العربية بآزاد الكردي، ونشاهد عبر رموز الكتابة المطبوعة على الصفحة الخبرات البشرية لحظة الكارثة: استعادة التاريخ الشخصي لفرد (زهرة)، مع السرعة في إغلاق النوافذ ومحاولة تأمين البيت الذي سيُهجر، وانتشال الحاجيات الضرورية جداً لرحلة النزوح، ومقاومة الهواجس من عقبات الطريق في بلاد الحرب. تلك هي بلاغة فن القصة القصيرة، التي تقوم على جمع شتات التاريخ وتحويله إلى بؤرة توتر، فتتحول الممارسات الحياتية إلى شكل أدبي، وهذا وجه من وجوه أدبية الأدب.
هذه الشعبية التي تتركب منها الحكاية في كل قصة تكسر هشاشة التسطيح الحداثي وتجريبيته المصنعة مثل (التوفو والمايكروفايبر والفيسبوك) وتحيي ذاكرة الناس عبر استعادة أمكنتهم الطبيعية (الوطن) .
تنماز بلاغة فن القص أيضاً بتكثيف العناصر لتوسيع الدلالة كي يستوعب الخطاب القصصي طيف التحولات التي تنتاب المجتمعات، والتي اختارت منها زينة حموي ثيمة الحرب، التي تمثل انحرافاً سيؤثر في كل تفصيل من تفاصيل البنية الاجتماعية، وتصير مرآة توضح صراع الحقب والأمكنة، والأجيال والجندر والطبقات الاجتماعية، في محاولة جادة لكشف الحقيقة التي هي كما يقول تشومسكي ليست جوهراً بل نموذج إرشاد اجتماعي، يعتمد على الثقة المتبادلة (عقد القص عند إيكو بين النص والمتلقي)، وإخبار القصص عبر السرد (في الأدب) أو الأرقام أو الرموز»، حيث تمثل لحظة الثورة مشكاة تكشف نموذج الإرشاد الاجتماعي: كشفت معنى الجهل والنفاق في علاقات الحب في قصة «الجاهلة»، وكشفت المعنى الأبلغ للفراق الموجع في قصة «بعد الفراق»، ومعنى البحر في قصة «لا أرى بحر زكريا».
تنتقل المشكاة الكاشفة لدى حموي إلى بلاد اللجوء ليتحول الـ(تابو) الذي كان سلطة في الوطن إلى لا (تابو) في الملجأ، كما يمكن أن نؤول قصة «صديق ريم»، التي تفصح عن مشاكل اللاجئين الإنسانية، بشقها الجنسي، التي حررتها الثورة من عقدة الخوف ومنحتها وجهها الإنساني، إذ نتعرف إلى ذلك الصديق الذي يعاني من طيف اضطراب جنسي: «كانت فترة بلوغي مأساةً كبرى أصابتْني وأهلي بصدمات عديدة. وما رأتْه ريم من زغب وشعر على وجهي لم يكن إلا علامةً جنسيةً كاذبة. لا أريد أن أقول لها إنني لم أعدْ، حسب تقييم رفاق صفنا، «عادياً». لا أريدها أن تعرف أبداً أن الشاب الذي رأتْهُ برفقتي عند مركز مساعدة اللاجئين ليس صديقاً عادياً ولا حتى صديقاً حميماً، الشاب الطويل الأشقر الذي أخفيتُ هويته عن صديقتي العادية هو… هو زوجي».
تستعيد قصص «محاولة متأخرة للبكاء» أثناء اختزالها الفني لتفاصيل الحرب حكاية البيوت السورية في قديم الزمان، فالحرب لبنة من لبنات البيت السوري وليست كله، لذا تقودنا كل قصة إلى ماضي الشخصية، أو ماضي العائلة، أو تاريخ الفكرة، وكله يشكل دفق نهر الحياة السورية، كما في قصة «مسبحة الحمصي»، إذ نتعرف إلى الطقوس اليومية لصانع السبح الذي يراقب البط في بحيرة في ملجئه الألماني، ونقصد طقوسه هناك في الوطن، فالطقس يحتاج ممارسة زمنية واستقراراً، فلا طقوس في الملجأ، نتعرف إلى عمله ومشواره اليومي وسهرته اليومية، ومازاته وكأس العرق على مائدته، وهو يتغنى بأحجاره الكريمة التي يصنع منها السبح. تظهر المفارقة حين يحاول إرساء الطقوس في الملجأ، فتتحول سبح الحجر الكريم إلى سبح من الدموع!
تطارد زينة حموي تاريخ اللجوء في قصة «اسمي آمال» حيث يتناسخ اللاجئون في المخيمات، وتجد اللاجئة اللبنانية القديمة إلى ألمانيا ذاتها في اللاجئة السورية الجديدة القادمة من الرقة، لدرجة التطابق بالاسم: «نظرتْ إلى الشابة الباكية وسألتْها وفي قلبها الجواب اليقين:
«ما اسمكِ؟».
أجابتْ الشابة: آمال.. اسمي آمال»
الحوار العامي الذي تعتمده زينة حموي غالباً ليغطي لهجات الجغرافيا السورية، صراعاً بين الثوابت والمتحولات، وتوتراً بين القانون والاختيار، وتناقضاً بين الحرية والضرورة، ويشير تشومسكي إلى هذا التناقض على أنه ليس مثلبة، بل تواصل طموح نبيل في الروح البشرية.
إنها قصة ثبات التوحش ضد سيرورة الإنسانية التي يفترض منطقياً أن تمضي نحو رفاه البشر لا استعبادهم. تكشف الثورة نموذج الإرشارد الاجتماعي الذي يعرف به تشومسكي الحقيقة كما أشرنا سالفاً، عبر الإفصاح عن براغماتية الأبناء في مواجهة مثالية الآباء، كما في قصة «السعادة ليست صديقتي»، إذ يتشتت الأبناء في المنافي وتبقى الأم في الوطن تواجه الحرب، وتجمعهم عبر وسائل التواصل، ونعود هنا إلى بلاغة فن القص الذي يؤطر تحولات العناصر غير الأدبية كالظواهر العلمية والتكنولوجية، أو ما هو غير أدبي، في إطار أدبي، عبر رسالة نصية: «أمي قُبل اليوم طلبي في ألمانيا، وأنا منذ الآن لاجئ نظامي». ونجد قبلها حواراً من قلب دمشق مغرقاً في محليته ينازع التغريب في المدن الكوزموبوليتانية وعالمها ما بعد الحداثي، حيث يشير إلى مكابدات الأم/ الوطن في البذل للأبناء/ الشتات: «حلوة هالقطعة يا مدام، هاد شغل إيد قديم ونضيف، ما بقى منه هيك شي، ليش بدك تبيعيه؟ بعدين محفور عالتعليقة آية الكرسي حرام تبيعيه والله حرام!» يمثل هذا الحوار العامي الذي تعتمده زينة حموي غالباً ليغطي لهجات الجغرافيا السورية، صراعاً بين الثوابت والمتحولات، وتوتراً بين القانون والاختيار، وتناقضاً بين الحرية والضرورة، ويشير تشومسكي إلى هذا التناقض على أنه ليس مثلبة، بل تواصل طموح نبيل في الروح البشرية.
أوردت سفيتلانا ألكسيفيتش في كتابها «فتيان الزنك» صوت جندي مشاة يقول: «ثمة عالمان قلبا حياتي رأساً على عقب هما، الحرب والمرأة، لقد أرغمانني على التفكير حول لماذا أنا، أنا هذه القطعة من اللحم قد جئت إلى هذه الأرض!» ينهض هذا الصوت من مرجعه أثناء تلقي نصوص «محاولة متأخرة للبكاء» إذ يتضافر عاملا التغيير في حياة البشر معاً: الحرب والمرأة، فتكشف الحرب مخازي المجتمعات في سياساتها تجاه النساء بعواطفهن، وثكلهن، وازدرائهن التاريخي ، ففي قصة «موعد» تتجهز الشخصية الرئيسة للقاء حبيبها كما تفعل دائماً، ولا تنسى أي تفصيل، وحين تصعد تطلب من سائق التاكسي أن يأخذها إلى العنوان: مقبرة الشهداء…
سنجد أيضاً حكاية طبقة النساء التاريخية وازدرائها وانقساماتها، في قصة «فلورا وأمون» بما فيها من سخرية مرة، ومن حكايات المكان: حلب، وحي الهلك، ومقبرة جبل العظام، وبرج إيفل بمرجعياتها في المخيال الشعبي، لنرى وجه الحرب أكثر قسوة على النساء اللواتي لم ينلن حقهن بالتعليم والمعرفة.. يقول جندي المشاة في فتيان الزنك: «الإنسان يتغير ليس في الحرب، بل بعد الحرب، إنه يتغير حين ينظر بالعينين ذاتهما اللتين رأى بهما ما كان هناك، وإلى ما يوجد هنا»، وترصد زينة حموي في «محاولة متأخرة للبكاء» سيرورة ذلك التغير في سنوات ثمان، لكنها تحفر بعيداً في التاريخ عبر اختزال فني تمنحه بلاغة القص، تحفر عميقاً في طبقات حلب أقدم مدينة مأهولة ومستمرة في تاريخ البشر، التي أتت القاصة منها: من طوفان نوح، إلى جبل العظام حيث تراب مكون من مسحوق عظام الأحياء الأوائل، ورماد الشهداء الذين أحرقتهم الحرب، ليرتفع صوتها من بين ركام الأغراض المنسية والمتروكة، ويعلو واثقاً فوق الجثث والأجساد المغيبة في كل الجغرافيا السورية. إنه صوت ناقد يحمل معه كلا من نبرة الحرب وهمس الحرمان، وينتقل إلى المنافي ليحكي عن انعطاف الرغبات والأحلام، وعن أمراض الجسد وانحرافات القيم التي كشفتها الحرب. تصنع مجموعة القصص هذه إطاراً فنياً متماسكاً وفريداً، مشغولاً من الفانتازي والعجيب، والواقعي، بمحمولات ثقافية ثرية، يضم مآسينا الفردية الصغيرة منها والكبيرة، ويستقصي موزاييك المعاناة السورية العتيقة، التي زادتها الحرب وما لحقها من شتات، فداحة ودرامية، ويذكر دائماً بجرح المرأة التاريخي الذي يبدو بلا ضفاف.
٭ روائية سورية