كالمعتاد، تتجه الأنظار إلى حماس وقطاع غزة في سياق احتدام الوضع الأمني. من موجة إرهاب بدأت بعمليات قام بها عرب إسرائيليون في بئر السبع والخضيرة، وتواصلت بعمليات قام بها فلسطينيون في “بني براك” وتل أبيب، وتدحرجت إلى تصعيد في الضفة، ومن هناك إلى شرقي القدس والحرم، ومحطة أخيرة – قطاع غزة. صواريخ معدودة أطلقت من أراضي القطاع، لم تكن معظمها ناجعة. هاجم الجيش الإسرائيلي بشكل رمزي، بل وأغلق معبر إيرز مؤقتاً في ما وصفه محللون كثيرون ذوو ذاكرة قصيرة كسياسة جديدة لممارسة الضغوط الاقتصادية.
لقد أعاد التركيز على القطاع ظاهراً صورة النزاع إلى مكانه الطبيعي المزعوم، إذ ما هو أكثر سهولة ووضوحاً من رسم صورة المواجهة عبر زاوية النظر المعروفة والواضحة والمتمثلة بحماس مقابل إسرائيل. ها هو العدو وجد وكأنه ضاع في موجة الإرهاب الأخيرة، وفيه يمكن تركيز الاهتمام وتحديد المسؤولية الواضحة، بصفته عنواناً ملموساً يحرك خيوط الإرهاب، وهو السبب الرئيس للإرهاب في الضفة. فالطريق قصيرة إلى البحث في مسألة الردع الإسرائيلي بالنسبة للقطاع والاستراتيجية الإسرائيلية بالنسبة لحماس.
لكن يبدو أن الوضع الأمني في الأسابيع الأخيرة لا يرتبط حبله السري بحماس، والبحث في مسألة السياسة الإسرائيلية تجاه الحركة الإسلامية الفلسطينية مهم على المستوى المبدئي، ولكنه في التوقيت الحالي عديم القيمة الحقيقية بالنسبة للمشكلة التي تتصدى لها إسرائيل. ليست حماس هي التي أثارت موجة الإرهاب الأخيرة، وليست هي التي وقفت خلف خلايا الإرهاب التي انكشفت في الضفة وفي أوساط عرب إسرائيل، حتى لو كانت لها مصلحة أساسية في تدهور الوضع الأمني في القدس وفي مناطق السلطة الفلسطينية. حماس في أقصى الأحوال هي راكب بالمجان ونوع من الطفيلي الذي يركب برقّة – مع غياب مصلحة حقيقية في معركة شاملة مع إسرائيل في التوقيت الحالي – على الموجة التي لا يوجد لمحدثيها عنوان واضح. وهذا أيضاً هو قلب المشكلة.
يدور الحديث عن جملة من العناصر النشطة الذين لا يرتبطون بمركز أعصاب تنظيمي – سياسي محدد، والذين ينبع تواجدهم في الميدان ومحاولتهم لهز الاستقرار الأمني في العقد الأخير من ضعف مزدوج: ضعف إسرائيل كمؤسسة دولة بالنسبة لما يجري في الوسط عندها، وضعف السلطة الفلسطينية بالنسبة لما يجري في محيطها في الضفة. ينمو داخل هذا الضعف تحد مزدوج: سواء على الاستقرار الأمني، سواء بالمعنى بالجنائي، أم على النخب المتماثلة معه في رام الله والقدس.
بينما تعرف إسرائيل كيف توفر أجوبة جيدة إزاء الواقع داخل القطاع وإزاء التحديات الأمنية النابعة منه، فإنه يصعب عليها التصدي للتحدي الأمني الذي لا يتعلق بالقطاع، لأنه لا يرتبط بعنوان واضح بل هو نتيجة مسيرة زاحفة تفكك لديها ولدى شريكتها في رام الله النسيج الاجتماعي الذي يتعلق بحفظه الاستقرار الأمني.
من زاوية النظر هذه، فإن ضربة إسرائيلية للقطاع علاج للمشكلة غير الصحيحة، فهي لن تحل التآكل الزاحف المتواصل في مكانة إسرائيل داخل بيتها، ولا سياقات تموضع أولئك الذين يتحدّون النظام السياسي – الأمني في الضفة. الربط بين الاثنين ينطوي على تهديد أهم بكثير من مجرد صاروخ آخر لحماس. تدرك إسرائيل كيف تدار الحروب في قطاع غزة وكيف تتصدى لتهديدات صواريخ حماس، لكن لا فكرة لديها كيف تدار الحروب داخل البيت، وليس أقل من ذلك كيف التصدي لإمكانية انهيار ساحتها الخلفية في الضفة وفي شرقي القدس حيث عناصر الاحتكاك اليهودي العربي ملموسة بلا قياس عنه في قطاع غزة، وتنطوي على تهديدات لم تتأهل القبة الحديدية للتصدي لها.
بقلم: د. دورون مصا
معاريف 26/4/2022