تصميم زها حديد لمصرف العراق المركزي
هل أصبح وجه بغداد رماديا معتما بالدخان وصراخ المستضعفين؟
بغداد، المتنبي والرشيد وحكاية النص الخالد في الأنثى «شهرزاد» وفي «ألف ليلة وليلة» الذي استطاع إرجاء الموت حتى هزمه.
لماذا يريد الفساد والأطماع الخائبة أن تصدّر وجها عبوسا مستكينا لمدننا التاريخية الكبرى؟
إنّ مدينة بحجم بغداد الفوّاحة بعبق التاريخ، كفيلة أن تصد كل ادّعاءات الزيف في محبة «الطّمي» و»النّهر»، منبثقة من أحلام عاشقيها في المنافي والمدن الباردة.
اليوم، كل مدينة هي بغداد، كل محبة لعبق التراث في وعي مدننا وعمرانها هو حلم مشترك بين معماريتين أحبّتا بغداد فسكنتهما.
لماذا نتجاوز الحلم في تلافيف ذاكرة مدننا؟
بغداد، النص والمعمار الأنثوي
بغداد تعود عاشقة في بسمات وأحلام العطر الأنثوي لمعماريتين غابتا عن بغداد لكنّهما «غابتا نخيل». كلما ينتفض التاريخ، تهتز شجرة وجود بغداد. تبدو كرحم أنثوية ترقص في تراجيديا الرّيح، العنف الوجودي الداهم لمسارات حركة المدن في التاريخ. تتساقط أوراق بغداد متهادية في صمت على طمي النّهرين، تلد وجوها قمحية تضحك للشّمس وتغازل البيوتات العتيقة.
تثور بغداد، تزدهر الأزمنة ويشتعل فوق ذؤابات النّخيل قصيد قديم للجواهري، من كلماته تنسج «مها» و»زها» أغنيتين من حجر، تعيدان لبغداد ما تناثر من عمرها المسترسل منذ «حدائق بابل المعلقة» وإلى أحلام المعماريتين القادمتين من التاريخ ومن الحداثة.
بغداد ليست فقط هذا الهدم، وهؤلاء العابثين بمسارات التاريخ وجوهره الباني، هؤلاء الذين لا يعرفون من بغداد سوى كراسيها، وما تنتجه من عمق مستحاثاتها، هؤلاء لا ينصبون خياما كي يجاورون نبض المدينة ويتحسّسون آلامها، يشربون من آمالها ويلفّونها في الليل بدموعهم الحرّى كي لا تبرد ولا ترتجف. رجفة بغداد أليمة، لكنّها تغري دجلة فتجاريها وتمدّها بحبر السّنين لترسم معمارا وتكتب قصيدة، ذلك هو وجه بغداد المرسوم في عيون مها الألوسي وزها حديد.
بغداد ومها، شمعتان في لهبة الوقت
مها الألوسي ابنة بغداد، تدثّرت عباءة العمارة لتبني في خيالها وفي الواقع أثر خطوات المدينة التي تشبه هسيس المطر، خرير المياه وحفيف سعف النّخيل وهو يعلن لبعضه بعضا الحب في ليل بغداد الصامت بالبكاء ووهج الرّوح في قلوب سلاطين المحبّة الإلهية.
تأبّطت شكل الحكاية وراحت تشتغل على أشكال الشّمع المضاء في حالات تكشف وجوها لبغداد عائدة من النّور، وماضية في التاريخ صوب البدايات، بغداد لا تنتهي فحلم ترابها أن يكون طينا تحت أرجل العاشقين للضّوء والشّمس والحرارة والبيوتات الفسيحة.
بين النّهرين نبت حلم مها، شكّلت من لقائها بالماء حكاية معمار لا يتقادم بالزّمن. تقول مها: «أنا مهندسة معمارية، وكان ولعي منذ البداية حتى في تشكيلاتي المعمارية أنّني أعبّر عن الوقت»، فالوقت خلاف الزّمن، هو في رؤى الصّوفية «ما نحن عليه»، وما نحن عليه يمثل حالة الأنا والرّاهن والكينونة فيهما، وبالتالي صياغة اللحظة من وهج هذا الاندماج في ما وراء الذّات والوقت، الوقت كما تقول شغلها لأنّها وصلت مرحلة من العمر رأت أنّ «الوقت يؤثر على الشباب»، فجسّدت هذه اللحظة باختراع نوع من الشّمع بأشكال مختلفة، فكانت كما تقول «اللهبة» التي هي الوقت و»الشمعة» الكيان الذي يتجلى فيه، وصاغت حكاية تحمل في آخرها الشمعة فتيلها وتقدّمه إلى اللهب الذي هو «الوقت قائلة: «أضئني»..
أليست بغداد هي «الشمعة» التي تمنحها «اللّهبة» تجربة وحياة ومرحا وخبرة، فتكون دافئة مشتعلة ذات حيوية، أليست بغداد هي الشمعة، واللهب هو ما يحيطها من الوقت، تشرب من ضيائه وملاحمه فتحضر في العالم وكأنّها قصيدة من الحقب تدحرجت عبر الزمن مضاءة بزيت التجربة والحياة، ترسم للتاريخ وجدان أنثى هاجرت صوب البقاع الباردة، إلى لندن وبرلين، لكنّها تحمل في بريق عينيها لون أنثى أخرى تسمّت وتتسمّى «بغداد» التي هي «هداية الله».
تضعنا تجربة مها الألوسي ومفهومها للوقت أمام رهان استعادة بغداد من برد الرماد وجحيم النار. إنّ الشمعة وهي تحترق رقصا على وقع «اللهبة» إنّما تصوغ أغنية البداية. ألا يساورنا خاطر إعادة التشكيل عندما تتحوّل الشمعة عجينا دافئا يختزل في النهاية جوهر الشعلة؟ لا يمكن ألا نلمس تلك العجينة، لأنها تحمل في عمقها إغراء مستحيلا بإعادة التشكيل، نحقّقه ولو باللمس، إنّها بغداد التي واجهت عنف التتار والمغول واستطاعت أن تنهض ثانية من رماداتها وردة طالعة في رائعة الضياء وملكوت الوقت.
زها حديد وبغداد، خطّان لا تحدّهما حدود
لا تنتهي حكاية الأنثى مع مها الألوسي، تستمر خيوطها عبر زها حديد هذه المعمارية العالمية العائدة أيضا من بغداد، ابنة محمد حديد أحد قادة الحزب الديمقراطي العراقي والوزير الأسبق للمالية، القابضة على جمر الحجر، المهيكلة للذاكرة العالمية، عبر عمارة تدسّ في هياكلها صورة لبغداد توسّمت في النّهار شكل أنثى، عبرت دجلة كي تغتسل فرأت وجهها كحلم، حملت بعد ذلك حقائبها وورقة أخيرة رسمت فيها كل وجوه الكينونة الطالعة من طمي الفرات ورقصات النّخيل حدو دجلة.
التزمت زها «المدرسة التفكيكية التي تهتم بالنمط والأسلوب الحديث في التصميم»، والتفكيك باعتباره رؤية لا يروم الهدم، بل تفكيك البنية انطلاقا من الوعي بها، أي من ثقافة نهلت من كل هذا التاريخ واللغة والفلسفة في مسار العالم. تميّزت أعمالها بالخيال، حيث إنّها تضع تصميماتها في خطوط حرّة سائبة لا تحدّها خطوط أفقية أو رأسية. هذه الحرية في إرسال الخط من فضاء الخيال ليرتسم دون حدود إنّما تعبّر عن ذلك المكوّن الغابر في المتخيّل والمشكّل عبر خطوط هندسية بلغت صورتها المثلى، لكنّها تبحث عن انوجادها المتكرّر والمستمر في لحظة المعمارية زها حديد، إنّها بغداد، تنتظرها زها مع كل خطّ تضعه سائبا لا تحدّه حدود، تلك هي بغداد التي تخزّنها زها في وجدانها.
إنّ التفكيكية تجعل العمل المعماري يتّسم بانسيابية في منظور العمل من زوايا متعددة، هذا التعدّد المنظوري يعبّر في عمقه عن بحث ما يشغل المتلقي وقبله المرسل، فالخطاب المعماري التفكيكي هو بنية تنتظم داخل منظورات التباين، أي تلقي العمل عبر مستويات يختلف فيها التاريخ، وما بين المستويات تتشكل بغداد، الثابت الهندسي المعلق في خيال العمل المعماري. لمّا سئلت عن أي نصب تذكاري تفضل أن يكون «رمزا إعلاميا لبغداد»، أجابت دون تردّد «كهرمانة»، النّصب الذي يتوسّط بغداد، ومن إنجاز النحات محمد غني حكمت، «لأنّه يرتبط بعصر الرّشيد وقصص ألف ليلة وليلة، وهو ما يحتفظ به المخيال العالمي عن بغداد». تقوم فلسفة زها على أنّ المعمار يجب أن «يحمّس المرء، ويهدّئ أعصابه، ويدفعه للتفكير»، فهل نفكّر انطلاقا من معمارنا عمّا يمكنه أن يعيد لنا بغداد العتيقة؟
كاتب جزائري