لم يقتصر العراقيون عربا وأقليات على وضع بغـداد في أعماق شعورهم الوطني، بل ذهب وعيهم أيضا إلى إدراكها في قلب جغرافيتهم البشرية ـ التاريخية والقومية، فنظروا جغرافيا إلى بغداد على أنها فخر العراق ورمزه الحضاري منذ آلاف السنين، فضلا عن أن من سكنها وعاش فيها هم كل هذه الطوائف والأديان نفسها التي تشكل المجتمع العراقي وان اختلفت النسب، وهذا ما يؤكد فكرة وحدة الجغرافية الروحية التي تربط بين بغـداد وبلاد الرافدين كرمز للدولة العراقية. ومنذ انشائها في عهد الخليفة المنصور عام 145هـ، تميزت هذه المدينة بأنها مدينة السلام عاصمة للدولة العباسية ومدينة حضارية لكل العراقيين، لا يسأل من عاش فيها عن قوميته او دينه او مذهبه، حيث فتحت أبوابها لطلاب العلم وسمحت للأديان السماوية كافة لإقامة شعائرهم الدينية في دور عبادتهم، وظلت تلك المبادئ السمحة القائمة على قاعدة الاعتراف بالآخر ومبدأ العيش المشترك، هي الإطار الرسمي للمجتمع البشري البغدادي، حتى جاءها المغول والعثمانيون ومن ثم الُفرس في 2003 ليتخذوا من شعبها موقفاً إقصائياً وعدائياً لصالح سياساتهم القومية التوسعية. وما يحدث في يومنا هذا في عاصمة الرشيد من قتل وتدمير هو بحد ذاته صراع خارجي ـ إقليمي على سلطة وثروات العراق، اذا ما أخذنا بعين الاعتبار مكانة العاصمة العباسية والرمز السياسي التي تمثله هذه المدينة في التاريخ الحضاري للدولة العراقية القديمة والحديثة، حيث لم تعد هذه الفتنة المذهبية المفتعلة في العراق احتمالا يُخشى وقوعه، إنما باتت واقعا وكابوسا على العراقيين من شماله وشرقه، في الموصل وكركوك، إلى جنوبه في مدن الفرات الأوسط والبصرة، مرورا بالعاصمة بغـداد ومحيطها الذي يتعرض سكانه في يومنا هذا إلى شتى أنواع جرائم التطهير العرقي والطائفي الُمنظم. وان كان خطر هذه الفتنة الطائفية الداخلية محدودا في محافظات العراق المتعددة، خلافا لعاصمة العراق السياسية بغـداد، نظرا للتجانس والتشابه في النسيج الاجتماعي والثقافي النسبي لعرب العراق وأقلياته، بيد ان ولادة حكومة مذهبية من رحم الاحتلالين الأمريكي ـ الإيراني في 2003، أثر بخطورة على واقعية وبراغماتية الحالة الوطنية العراقية والسيادية، مما أدى إلى استغلال القوى الإقليمية لهذا التغير النوعي الثيوقراطي في شكل الدولة العراقية لتمرير اطماعهم، والعزف على أوتار الأغلبية الطائفية وحقها في إعادة تأسيس كيان عراقي مذهبي يتخذ من مدينة الرشيد عاصمة للدولة الجديدة، بعد ربطها ثقافيا وديمغرافيا ومذهبيا بالجنوب والوسط العراقي، من البصرة حتى شمال بغداد ومحيطها، وتحت أعذار وشعارات وعاطفيات المذهب وشموليات العقيدة الدينية، التي جاءت بها ثقافة الدين السياسي القومي، الذي أسسه رجل الدين الخميني في إيران وما تم تسميته آنذاك بمصطلح تصدير الثورة الاسلامية لبلاد الرافدين والمنطقة. وهنا لابد من التأكيد على ان أهمية العاصمة بغداد، كقيمة رمزية للسلطة السياسية بعد الاحتلال الأمريكي لمدن العراق، وسيطرة إيران على مؤسسات البلاد السيادية، جعل من عاصمة الرشيد ساحة مركزية وهدفا أساسيا لعملية التغيير المراد تنفيذها لحدود وشكل الوضع الاجتماعي السكاني في بناء الدولة العراقية الجديدة. ولإنجاح هذا التحول في شكل الدولة وموازين السلطة العراقية المذهبية المراد رسمها سياسيا من جديد، كان لا بد من الإسراع في تغيير الخارطة الديموغرافية للعاصمة، إثنياً وحصر مراكز المسؤولية والقرار لمدينة بغـداد بشخصيات من طائفة معينة، من أجل إعادة رسم المراكز الإستراتيجية التي تتيح للنظام المذهبي الجديد السيطرة عليها وتحويلها الى قوة سياسية. من هنا كانت حاجة النظام الجديد إلى استعمال العنف والقوة عن طريق التنظيمات العسكرية المسماة من قبل أهل بغداد بالمليشيات، لإعادة هندسة العاصمة ديموغرافيا. وقد نجحت نسبياً هذه التنظيمات الإجرامية في تغيير النسب الطبيعية للمكونات السكانية للعاصمة نتيجة لامتلاكها للقوة العددية والتسليحية، ناهيك عن خطوط الدعم اللوجستي التي ساهمت بها القوات المسلحة الحكومية التي ساهمت أمريكا وإيران في بنائها وتسليحها. وهكذا نجح النظام الجديد والمليشيات المذهبية التابعة له في تغيير معالم بغداد السكانية في الفترة من 2006 إلى 2011 عن طريق القتل على الهوية وتشريد العديد من سكانها الأصليين في داخل العاصمة والأحزمة المحيطة بها، ناهيك عن كل ما يحدث الآن لمناطق حزام بغـداد في أبو غريب والتاجي وديالى، في الوقت الذي سهل الوضع الطائفي المفروض على جذب القادمين من المحافظات الأخرى ليكشف بالنهاية خفايا فلسفة النظام المذهبية لتغيير بغداد ديموغرافيا وإعادة رسم طبيعتها بالقوة، بما في ذلك تزييف المعالم الحضارية والبشرية التي ورثها سكانها الأصليون منذ أن بنيت في القرن الثالث عشر. ولكن على الرغم من نجاح النظام المذهبي النسبي في محاولته لتغيير العاصمة ديموغرافيا، بيد ان بقاء القيمة الرمزية لبـغداد العباسية وارتباطها الأبدي بتاريخ العراق الحضاري قد ينهي، على الأمد القريب ولأسباب عديدة، هذا التزييف المتعمد لمعالم المدينة التاريخية ويفشل سعي النظام المذهبي من طمسها وإزالتها من الذاكرة والوجود. ثمة أسباب عديدة يعرفها أعداء بغداد أنفسهم، فعلى الرغم من انعدام الصلة التاريخية والشعور الوجداني لحكام العراق الجدد مع هذه المدينة وحقدهم على رموزها، استطاعت هذه المدينة العظيمة الوقوف صامدة على مر العصور متحدية جيوش هولاكو الغازية، فطوت صفحته السوداء لتستمر رسالتها إلى الإنسانية، تنويراً وتسامحا بين العراقيين تحت راية الاسلام الموحدة، لتواصل نهضتها بعيدا عن الطائفية والتبعية ورفض سكانها لتسلط الطائفة المرتبطة بدول الإقليم في حُكم بلدهم. فبغداد تحكُم العراق ولا تُحكم من غيره وبغداد يحكمها رجالها وبتاريخها العربي ولا تُحكمها مظاهر التبعية، عبر شعارات التفرقة والبدع التي لا تمت بأي صلة للعراق، ولهذه المدينة العربية التي بناها المنصور . بغـداد ستحكُم العراق لأنها عاصمة بلاد الرافدين، وميراث تاريخها الفريد، مرفأ الحكمة والعروبة والشجاعة وعنوان المعرفة على امتداد الزمن. وهي التي قارعت الأحداث وقارعتها، وقاومت الزمن وقاومها. وبغداد ستبقى في ضمير أبنائها، عاصمة كل العراقيين، شيعة وسنة وقوميات أخرى، لأنها كانت ولا زالت في كتب ووثائق التاريخ المدينة العباسية التي بناها الخليفة أبو جعفر المنصور، لتكون عاصمة ومدينة السلام، عامرة بالمحبة والإيمان والعطاء وهي رمز من رموز الهوية العربية وقلعتها الأكثر تحصينا، على الرغم من هذا العنف والقتل لكل من بقي صامدا على أرضها، وكل من احتمى بثنايا تاريخها المشرق بعد أن سلبت في غفوة ليل وغفلة زمن غادر.