من تابع مسيرة زعيم التيار الصدري في المشهد السياسي العراقي منذ بدء نشاطه عام 2003 لحد الآن، لمس بوضوح طبيعة منهجه المتقلب وموقفه المتعدد الأبعاد والاتجاهات، ناهيك عن قدرته الواضحة في تجيير القسم الكبير من أصوات الشارع الشيعي وبعض القوى العلمانية كالحزب الشيوعي، لفرض زعامته على النظام السياسي الجديد، الذي تتقاسمه القوى الإقليمية والدولية من خلال عملية محاصصة سياسية متعددة الولاءات.
وهذا ما يطغي على التيار الصدري وخطط زعيمه للإصلاح، وقبول مشاركته في العملية السياسية، عامل الغموض والضبابية التي قد تمنع كل من له بصيرة وطنية من فهم ما يصبو إليه السيد مقتدى الصدر، إذا نظرنا بعين الاعتبار إشكالية مطالبه بالإصلاح وحرصه للدفاع عن سيادة العراق وهوية العراقيين الوطنية، خلافا لطبيعة تياره السياسي الذي لا تبعد أسس أيدولوجيته كثيرا عن بقية الأحزاب الطائفية التي تحكم العراق منذ ان تم غزوه وان تميز بمرجعيته العربية التي ورثها من أبيه الشهيد محمد صادق الصدر.
ومنذ ذلك الحين، لم تستقر بوصلة زعيم التيار الصدري على اتجاه ثابت، ابتداء من تبنيه منهج المقاومة ورفضه الدخول في العملية السياسية، ومن ثم قبوله المشاركة مع حزب الدعوة الإسلامية بزعامة رئيس الوزراء السابق نوري المالكي، ونهاية بانسحاب النواب الصدريين من مجلس البرلمان، وتحويل مسار العملية السياسية من خلال رفضه لمبدأ التوافق السياسي، ليفسح المجال في النهاية للإطار التنسيقي ليصبح القوة الأكبر، على الرغم من عدم قدرة هذا التجمع القريب من إيران على جمع نصاب الثلثين، ما دفعهم أخيراً للتوافق مع حلفاء السيد مقتدى الصدر القدامى، الذين استطاعوا بدورهم استثمار الخلل الذي فرضه انسحاب التيار الصدري، من خلال رفع سقف مطالبهم، للقبول بالتحالف مع الإطار التنسيقي ومن ثم تشكيل الحكومة، لينهوا مشاركة الصدريين في السلطتين التشريعية والتنفيذية منذ انخراط التيار الصدري في العملية السياسية عام 2005 بالرغم من تصدره لجدول الانتخابات الأخيرة عام 2021 بحصوله على 73 مقعدا.
وهنا لابد من الإشارة إلى ان قبول الأحزاب القريبة من إيران مطلب مسعود البارزاني المتمثل في أقصاء غريمه برهم صالح من رئاسة الجمهورية، اشترط بقبول الإطار التنسيقي بالتصويت لصالح مرشح الاتحاد الوطني لمنصب رئاسة الجمهورية عبد اللطيف رشيد، ناهيك عن بعض المطالب الأخرى التي تتعلق في موضوع النفط والغاز، والمادة 140 من الدستور، التي نصت على استفتاء الوضع الخاص لخلاف عائديه مدينة كركوك الغنية بالنفط. وهذا ما سمح في النهاية بكسر جمود العملية السياسية والقبول بمرشح القوى المتآلفة السنية والكردية، بعد رفض مقتدى الصدر المشاركة بحكومة يشكلها مرشح الإطار التنسيقي محمد شياع السوداني، الأمر الذي أثار العديد من الشكوك والتساؤلات عن مستقبل التيار الصدري، ومدى قدرته على المناورة والتكيف في ظل الواقع السياسي العراقي الجديد، خصوصا وان عملية تشكيل الحكومة ومن خلال التجارب التي عاشها العراق، يمكن أن تستمر لأشهر، لتكون النتيجة في النهاية، بعيدة عن مطالب الإرادة الشعبية التي حملتها انتفاضة العراقيين في تشرين الأول/أكتوبر.
من الواضح، ان حالة الغموض التي يشهدها المشهد السياسي اليوم، من خلال التزام مقتدى الصدر الصمت، بالإضافة إلى انعدام الرؤية الواضحة في التطور المُحتمل لتداعيات الصراع العالمي والإقليمي المؤثر على العملية السياسية في العراق، كمستقبل الانتفاضة الشعبية المستمرة في إيران والموقف الأمريكي منها، قد يزيد من حجم الصعوبة في إمكانية القدرة على التكهن بمستقبل المشهد السياسي العراقي بصورة عامة والاتجاه القادم التي سيختاره التيار الصدري. حيث بدى واضحا ان تطور حدة الصراع بين السيد مقتدى الصدر وخصومه المتحالفين مع إيران ومن ثم صمته الأخير في عملية انتخاب محمد شياع السوداني، جاء بالتزامن مع فشل المراحل الأخيرة لملف إيران النووي، وبدء انتفاضة الشعوب الإيرانية التي قد يكون لها الدور والقدرة في تغيير المعادلة العراقية في حال ان تطورت إلى ثورة لتغيير النظام في إيران.
يبقى السيناريو الأكثر ترجيحاً لحالة الصمت الصدري، هي في حالة الانتظار والتأقلم باقتراب الذكرى الثالثة لتصاعد ثورة تشرين الأول/اكتوبر يوم 25 الجاري، للانطلاق باحتجاجات شعبية قد تجهض تشكيل الحكومة قبل ولادتها في حال ان تم الوصول إلى توافق بين قوى الانتفاضة التشرينية وبين الصدريين لتوحيد جهود التيارات الوطنية لانتفاضة شعبية كبرى تطيح بآلية تشكيل حكومة محمد شياع السوداني القادمة.
لا شك ان سكوت التيار الصدري والسماح لخصومه المتحالفين مع إيران في تشكيل الحكومة المقبلة، يأتي في الوقت الذي تشهد العديد المدن في أرجاء المعمورة، المزيد من التطورات والتحولات على رقعة الشطرنج، حيث تتجاذب القوى العظمى طرفي الخيط في العديد من بقاع العالم، عن طريق محاولات رسم النظام الجيوسياسي العالمي الجديد، وبالتزامن مع فشل ملف إيران النووي ودعم إدارة جو بايدن والغرب لانتفاضة الشعب الإيراني، التي هي بمثابة اختبار لقدرة طهران على استمرار دعم أحزابها وبالتالي تغيير المعادلة السياسية في العراق وهذا ما يفسر في نظر الكثيرين، أسباب التغير الأخير في اتجاه بوصلة مقتدى الصدر وابتعاده التكتيكي عن إيران الذي قد يدفع بتعزيز موقفه في المستقبل، وإعطاءه المزيد من المرونة في التعامل مع المشهد السياسي القادم، بما في ذلك ضمان دعم الشارع العراقي المعارض لحكومة محمد شياع السوداني، ومشاركته سوية مع الحركة الصدرية في حال فشل الأخير في تشكيل الحكومة أو في حالة قدرة الشارع العراقي على أسقاطها وكما حدث لحكومة عادل عبد المهدي. ثمة من يرى أن اختيار زعيم التيار الصدري لمنطق الصمت في خضمّ هذا الوضع العراقي والإقليمي الصاخب الذي نعيشه اليوم وبالتزامن مع تدهور الوضع السياسي والاجتماعي في إيران لا يتعلق بظاهرة القوقعة والعزلة التي يراد منها تفسير حالة الصمت التي اختارها الصدريون، بل قد تكون أشبه بمحاولة لفهم الأوضاع والإنصات لتداعيات الأحداث الآتية، واعتبار حالة الصمت كسلاح ذو حدّين، تتطلبه التطورات في العملية السياسية التي رُسمت للعراق في المستقبل، فالصمت هو الأسلوب الذي يُمكن لمقتدى الصدر استخدامه بدون أن يعلم به خصومه.
وهذا ما قد يفسر أسباب صمت التيار الصدري في تبيان رفضه المشاركة في الحكومة الجديدة التي يعتبرها حكومة «ميليشياوية وخاضعة للمحاصصة وستكرس الفساد» وهدفه غير المُعلن التغيير فيما بعد ورفضه المشاركة في الحكومة، وسط توقعات استخدامه ورقة الشارع في الوقت المناسب وعندما تتوفر العوامل والبيئة المناسبة.
وعلى الرغم من قدرة إيران في تحجيم التيار الصدري والنجاح في إبعاده من السباق السياسي، بيد ان السيد الصدر ما زال يمتلك المبادرة التي لا يملكها منافسوه الآخرون، فبيده قوة تحريك الشارع، الذي أتاح ذلك له في السابق ان يكون «صانع الملوك» والرجل المناسب للأجندات المقبلة، في حال فشل حكومة السوداني أو في حال ان تم إسقاطها من قبل الانتفاضة الوطنية، التي ما زالت تبحث عن قائد لثورة العراقيين، وهي التي لم تأت ولم تولد نتيجة لمعارضة سياسية أو توجيهات ودعوات حزبية أو طائفية، كما حاول البعض التنديد بها أو تجييرها لصالحه، والتي قد تصبح إحدى أهم الصعوبات المقبلة التي تواجه مقتدى الصدر، وكما حدث في السابق حين أدى الاختلاف الفكري والعقائدي بين ثوار تشرين والصدريين إلى إضعاف تلك الانتفاضة وفقدانها للقيادة المطلوبة التي تكفل استمرارها بسبب ما تعرضت له من قبل الميليشيات والقوى المحسوبة على إيران من حملة تصفيات واسعة وتشويه مُبرمج للأهداف التي يحملها المنتفضون.
ومع ذلك تبقى أهداف انتفاضة تشرين ثابتة في قلوب وضمائر معظم العراقيين. وقد تكون العامل المحفز لوقف صمت مقتدى الصدر لعملية اختيار السوداني، الذي سبق وان رشحته الأحزاب القريبة من إيران في بداية ثورة تشرين كبديل عن عادل عبد المهدي، وتم رفضه من قبل الثوار في ساحات تشرين. وقد تكون فرصة التيار الصدري الأخيرة لرجوعه إلى خندق المعارضة الوطنية المناضلة، لإعادة النظر لمفهوم السيادة الوطنية في قاموس العملية السياسية للعراق الجديد المغلوب على أمره.