بكاسين تفخر بحرشها الأكبر عربياً والنقابة تدعم زرع الأشجار في بعلبك

زهرة مرعي
حجم الخط
0

قلوب الصنوبر العاجية إنتاج كبير يُصدر بالأطنان من لبنان إلى العالم

بيروت-“القدس العربي”: يوصف حرش بكاسين في قضاء جزين بأنه الأكبر في المنطقة العربية، إذ تبلغ مساحته 220 هكتارا. يضمُّ 45 ألف شجرة مثمرة، وعندما يكون كريماً يعطي 50 طناً من الحص الأسود. هذا الشتاء داهمته عاصفة غير مسبوقة فتهاوت 230 شجرة. وقطاف كروز الصنوبر من هذا الحرش تحتاج سنوياً لألف من الأيدي العاملة أو “فاعلاً” خاصة في المواسم الخيرة.
أحراش الصنوبر المثمر موزعة على أكثر من منطقة في لبنان وللعاملين فيها نقابة تقوم على شؤون وحاجات العمل، وتشجع على زرع المزيد. والإنتاج يُصدر بنسبته الكبرى.
لقلب الصنوبر حضوره الجميل على الموائد الشرقية وخاصة المناسف، ويزين بعض الحلويات. قطاف كروز الصنوبر لا يزال يعتمد مئة في المئة على الجهد البشري و”العربشة” إلى شجرة باسقة الطول، وفي ذلك مخاطر، قد يستحقها قلب الصنوبر العاجي لفوائده الغذائية العالية. فهو غني بالمعادن ويساعد في تقوية العظام. ولكن… مع تضخم الأسعار في لبنان، وتدهور العملة المحلية بات قلب الصنوبر بعيد المنال. يباع بـ 50 دولارا للكيلو، سعره ثابت والذنب على تدهور الليرة.
عن هذا الإنتاج الوطني حوار مع نقيب مزارعي الصنوبر المثمر في لبنان الياس نصرالله النعيمة:
*متى نشأت النقابة؟
**سنة 2017 وقد سبقتها نقابة على صعيد جبل لبنان وكانت شبه معطلة. ضرورة النقابة تتمثل بالتصدي لمشاكل القطاع محلياً وخارجياً. وتضم بحدود 50 مزارعاً ودائماً ينضم إلينا أعضاء جدد.
*أين تنتشر أشجار الصنوبر المثمر في لبنان؟
**12740 هكتارا المساحة التي تمتد عليها أشجار الصنوبر المثمر في لبنان. في الأرض المسطحة يتسع دونم الأرض بين 25 و30 شجرة، وفي المنحدرة يتسع الدونم بحدود 50 وطبيعة أرضنا غالباً جبلية. يعطي جبل لبنان بحدود 80 في المئة من الإنتاج، 18 في المئة لمنطقة جزين، 1 في المئة في الجنوب، و1 في المئة في الشمال. بدأت منطقة بعلبك بغرس الصنوبر المثمر ونتعاون كنقابة مع الجمعيات المشرفة على هذه الزراعة. زراعة الصنوبر متاحة بين 400 لحدود 1450 مترا ارتفاع عن سطح البحر، بدون هذا الارتفاع يعطي ثمراً صغيراً غير صالح، وفوقه تتكسر الأغصان من ثقل الثلوج.
*ما هي أبرز مشاكل مزارعي الصنوبر المثمر؟
**سنة 2000 انتشرت حشرة دخيلة في حوض البحر المتوسط. بداية ضربت إيطاليا، آتية من الولايات المتحدة عبر أشجار الزينة والخشب واسمها “بق الصنوبر”. ووصلت الحشرة إلى تركيا سنة 2007 وإلى لبنان سنة 2009 وهي منتشرة في كافة الدول المحيطة بالبحر المتوسط. تمتص هذه الحشرة المقاريط الصغيرة فتتيبس وتسقط. كما أنها تتقصد كوز الصنوبر وتمد خرطومها بين الفلقات الفلقت وتضخّ الأنزيمات من ريقها فتفكك القلب الأسود وتمتصه. صورنا أول فيديو عن هجوم “بق الصنوبر” ونلنا عنه إمتيازاً. كما نعاني من حشرة خنفساء قتح الصنوبر، وهي تغادر جزع الصنوبر وتتسلق إلى الطرد، حيث تنقره الأنثى وتدخل إليه لتمتص نوعاً من الغذاء يساعدها على الاكتمال الجنسي، وعندها تغادره لتتزاوج. حشرة تبيض بين الخشب واللحاق وتعطي لدى فقص البيض يرقات صغيرة، تصنع بدورها أنفاقا أفقية تقريباً مما يمنع وصول الغذاء من أوراق الصنوبر إلى الجذور، وبخلال شهرين تتيبس الشجرة.
*وأين دور وزارة الزراعة؟
**نشكرها لتجاوبها الكامل، وهي ترش بق الصنوبر بالطائرات وطالت الحملة لبنان بكامله.
*ماذا عن أسواق قلب الصنوبر؟
**استهلاك السوق المحلي في ظل هذه الأزمة الاقتصادية لا يُذكر، الكيلو بـ 50 دولاراً أمريكياً، تبعاً لمشتريات المزارع وهي بالدولار. ويتوزع السوق الخارجي بين الولايات المتحدة وأوروبا والخليج العربي. وسنة 2010 و2011 حين ضربت الحشرة الإنتاج التركي غطينا السوق العالمي وصدّرنا بين 2000 و2500 طن قلب صنوبر.
*وهل يعتبر قلب الصنوبر جزءاً من الدخل الوطني؟
**هو ركيزة اقتصادية ومردوده الوسطي سنوياً بحدود 120 مليون دولار. يعيش من إنتاجه بين 50 و70 ألف عائلة.
*وهل يختلف قلب الصنوبر اللبناني عن سواه؟
**لهذه الثمرة فوائد صحية جمّة بخاصة زيتها الذي يُستعمل في صناعة الأدوية. ويتردد أن الصنوبر الأفغاني والباكستاني والصيني لا طعم له، لأن زيوته مسحوبة لصالح صناعة الأدوية. ونلفت أن قلب الصنوبر الناصع البياض مغسول بالمبيضات ويصبح مسرطناً، ونحذر من شرائه. اللون العاجي هو لون قلب الصنوبر.
*هل توثقون معلوماتكم بحيث يطلع عليها كل من يرغب؟
**بالتعاون مع منظمة الفاو ووزارة الزراعة أصدرنا كتاباً بعنوان “الخطوط التوجيهية حول الإدارة المستدامة لغابات الصنوبر المثمر في لبنان”.
ولدت يولا حرب وترعرعت بين أشجار حرش بكاسين ولا تزال واكتسبت المهنة من والدها. تفتخر ببلدتها والحرش الذي يحمل اسمها. يولا حرب عضو نشيط في نقابة مزارعي الصنوبر المثمر فلماذا استهوتها هذه المهنة؟ تقول:
**نشأت وكبرت وعائلتي تمتهن قطاف الصنوبر. لم أجد مانعاً في أن تكون مهنة للنساء. المهنة قديمة في منطقتنا ومعروف أن فرط كروز الصنوبر مهمة الرجال، وجمعها من الأرض مهمة النساء. وليس من زمن بعيد ابتعدت النساء عن هذا العمل بعد انتشار اليد العاملة العربية.
*هل من لغة تجمعك مع أشجار الصنوبر وهي تحيطك من كل جنب؟
**لا قدرة لي على مفارقة هذا المشهد طويلاً. يكون الأجمل في الصباح مع سطوع الشمس، وعند تساقط الثلوج. بدا الحرش مخيفاً وحزيناً مع العاصفة غير المسبوقة في أواخر الشتاء الماضي. أصغر الأحراش في منطقة جزين اقتلعت منها العاصفة 65 شجرة.
*هل تضاف أشجار جديدة للحرش؟
**وعلى الدوام، وهذه مهمة تقوم بها البلديات والمنظمات الدولية المعنية بالزراعة والبيئة. ومن صفات الصنوبر أنه ينبت بمجرد وقوع حبة سوداء منه على الأرض، طبعا إن لم تأكلها الفأرة أو ينقدها العصفور.
*ماذا عن حصاد هذا الموسم؟
**معطاء رغم الحشرة التي تفتك به وتؤدي إلى تلف أكثر من نصف الكروز وخلوها من الثمر، وخسارة هذا العام كبيرة بسببها. وإلى ذلك اضيفت الأزمة الاقتصادية.
*ماذا في تفاصيل قطاف الصنوبر؟
**الوقت الأكثر ملاءمة للقطاف في شهر تشرين الثاني/نوفمبر حيث يكتمل ويبلغ الكرز. نحتفظ بما نقطفه بأكياس “جنفيص” ونوضبه فوق بعضه على أوعية خشبية مرتفعة عن الأرض ومعرضة للتهوئة داخل الحرش. وفي شهري أيار/مايو وحزيران/يونيو ننشره تحت الشمس لأسبوعين كي يفتح، ومن ثم نضعه على الآلات للحصول على الحص الأسود ليُخزن في المستودعات.
*وهل تبدل أسلوب القطاف أم اليد العاملة هي الأساس؟
**لا يزال على حاله، عامل يتسلق الشجرة بمساعدة السُلم والـ”معقيلة” كي يمسك الكرز بها لقطفه وإيقاعه أرضاً. أظنه أسلوب لن يتبدل في لبنان نظراً لطبيعة الأرض المنحدرة حيث لا قدرة لأي آلة على دخولها. راقبت المهنة في تركيا وهي تماثل ما نقوم به في لبنان. تمّ تحديث الآلات التي تنفض الحص الأسود من الكرز. وعندما نكون بصدد طلبية ثمة آلة تزيل الحص الأسود الفارغ جانباً وتكسر الممتلئ. سهّلت المكننة العمل بعد أن كان يدوياً. الوضع المثالي للصنوبر بقاؤه ضمن الحص الأسود بعيداً عن الرطوبة والضوء ويبقى صالحاً لسنوات. والآلات المستعملة في تحضير الصنوبر وصولاً للقلب صناعة محلية.
*وهل التسويق مفرق وجملة؟
**الإثنان معاً والجملة هي الأساس. هذا العام لم يعد للمفرّق وجود نظراً لغلاء المعيشة الفاحش في لبنان. ومع الإجراءات التي فرضتها جائحة كورونا التصدير متعثر بحدود كبيرة.
*وماذا عن اليد العاملة التي “تعربش” إلى أعلى الشجرة. هل يشملها التأمين من الحوادث؟
**بالتأكيد، وفي كل عام نعيد التأمين للعاملين معنا ونشترط أن تكون اقامتهم قانونية في لبنان إن كانوا عرباً ليستفيدوا من كافة بنود البوليصة في حال حصول حوادث.
*ماذا عن آليات ضمان أحراش الصنوبر المثمر؟
** كافة البلديات في منطقة جزين تُحدد موعداً للمزاد العلني. وكمزارعين نشارك في المزادات المناسبة لنا، والتي يحضرها مندوب لوزارة الزراعة ولجنة البلدية. بكاسين هو أحراش قضاء جزين، يليه حيطورة، والمكنونية، ودير مشموشة التابع للرهبنة المارونية التي تؤجره بدون مزاد علني. وبعدها هناك أحراش بسري وتعيد وغيرها.
*هل يتعبك موسم الصنوبر؟
**أبداً أتعامل معه بكل هدوء. وأعمل بكافة المراحل التي يحتاجها القطاف.
*وماذا عن تشبيه أسعار الصنوبر بالألماس؟
**معلومة خاطئة، كان السعر بالمفرق بين 55 و60 دولاراً للكيلو، والآن بـ50 دولارا. الجميع يقول أوووووووووووف. فليبحثوا عن المسؤولين عن دمار اقتصادنا.

المؤرخ والأستاذ في الجامعة اللبنانية الدكتور الياس قطار أكد أن أشجار الصنوبر المثمر في لبنان نمت من الطبيعة ومن دون “جميل من أحدهم”. هي أشجار تنمو حيث يتواجد الرمل الأحمر دون منّة من الإنسان. وعندما تتساقط كروز الصنوبر ويخرج منها الحص الأسود وتالياً “يتصمغ” ستنبت شجرة جديدة. يمكن للصنوبر المثمر أن يعيش في أراض غير رملية إنما يحتاج للعناية. تربة قضاء جزين وصولاً إلى جبال الريحان مروراً بالشوف والمتنين في جبل لبنان صالحة جداً للصنوبر، لهذا تتوافر الغابات في تلك الأقضية، وتخلو منها الأقضية الأخرى. ذكر الرحّالة العرب تلك الأشجار خلال مرورهم في تلك الجبال. أما النص الأول الذي ذكر وجود صنوبر في مدينة بيروت يعود لأيام الصليبيين، وثمة مغالطة تاريخية في أن فخرالدين زرع حرش بيروت. وهذا الحرش كان يتعرض للقطع بهدف التدفئة، والشجرة الطويلة دون اعوجاج تُستعمل في صناعة صواري السفن.
وأضاف: يتعرض الصنوبر لعوامل طبيعية، وخلال شهر شباط/فبراير حين يتزايد تساقط المطر وتكثر السواقي وتضرب الصواعق المنطقة وكذلك الريح تقتلع الأشجار. اسعار الحب الأبيض من الصنوبر لم تكن يوماً في متناول جميع الناس. ومن يشتريه يدخله في الحلويات والمأكولات.
ينفي الدكتور قطار إنتشار الخرافات بين السكان المحيطين بحرش بكاسين. ويقول: بعضهم كان يصرّ على وجود الذئاب التي تهاجم الناس ليلاً. ومنهم من يروي أن بعضهم كان يختبئ خوفاً في أعالي الأشجار، فيما الذئاب تحفر حول جذعها لتقع الفريسة. جميعها خبريات في خانة صدق أو لا تُصدق.
ويوضح الدكتور قطار أن شجر الصنوبر يحتوي مادة حديدية تماماً كما المغناطيس وهي تلتقط الصواعق. وفي الصغر ينبه الأهل أطفالهم بضرورة الإبتعاد عن الأشجار حين تساقط المطر، خوفاً من الصواعق التي قد تحرق الشجرة ومن تحتها عندما تصيبها.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية