جرت العادة أن يتقن مغني الراي العزف، على واحدة من الآلات، سواء وترية أو إيقاعية، قبل أن يفكر في تأدية أغانيه، أن يتعلم الغناء من العزف، أن يعرف ما يريده قبل دخول الاستديو، ولا يتكل فقط على الملحن، ذلك هو دأب الجيل المؤسس، ففي الغالب كنا نقرأ على أغلفة ألبوماتهم ألحان وأداء فلان، ثم جاء جيل آخر، وصل إلى الموسيقى متأخراً، جيل لم يشب على الصعلكة، ولا على تنشيط حفلات زفاف، لم يُراود شيوخ الموسيقى ولم يمتلك موهبة تلحين، لكنه وجد موطأ قدم له، على الرغم من أنهم لم يتعلموا العزف على أصوله، من بين هؤلاء نذكر الشاب بلال أو بلال موفق، الذي غطى عجزه في التلحين بامتلاك خاصية يفتقد إليها غيره وهي، كتابة الكلمات، بوسعنا أن نقول إن بلال هو أهم كاتب كلمات في موسيقى الراي، أوجد لنفسه أسلوباً يخصه، لا يُراهن فقط على الصوت أو على التلحين، بل يستند في الأساس إلى الكلمات، وتلك هي الخاصرة الرخوة في الراي، فالمغنون الأساسيون لا يكتبون كلماتهم، وبلال يتجاوزهم بما يعجزون عنه، يكتب مثلما يكتب شاعر شعبي، يلتقط من سهرات الليل مفرداته، أو من المشاجرات، أو من تجارب الحب القصيرة الأمد، أو من العيش في الغربة، يكتب في مقهى أو حانة أو على رصيف، يصغي إلى الآخرين، يتحدث عن الفحولة ويسخر من خصومه، يغني على راحته هجائياته والكثيرون يخشون لسانه السليط، كاد أن يكون الشاب بلال هرماً ثالثاً في بلاد الراي (بعد الريميتي وخالد) لكنه جار على نفسه، سقط في فخ الاستسهال، داوم على التسجيل بشكل مستمر، في السنين الأخيرة، فأصدر أكثر من 70 ألبوماً، مع شركات إنتاج صغيرة، لهاثا خلف المال السريع، ودفاعاً عن شهرته، استنفد قاموس كلماته بسرعة، وحرم نفسه مكانة أعلى مما هو عليه الآن.
ضد الهيمنة الوهرانية
عُرفت وهران بوصفها عاصمة للراي، بالنظر إلى تمركز شركات التسجيل في هذه المدينة، وكذلك المسارح والمهرجانات والنوادي الليلية، مدينة كوسموبوليتية تتقبل الاختلاف، مع أن المغنين في جلهم يقصدونها قادمين من ضواحيها، ومن مدن مجاورة (مثل معسكر، غليزان، تلمسان، سعيدة، عين تموشنت، وغيرها) لذلك غلبت اللهجة الوهرانية على هذه النوع من الغناء، وانتمى إليها الفنانون روحياً، إلى درجة صار لا يمكن أن نتخيل الراي يُغنى بغير اللهجة الوهرانية، وهذا التقوقع الجهوي لا بد من أنه أحرج السلطة، في ثمانينيات القرن الماضي، لم تشأ أن تدعم نمطاً فنياً تختص به منطقة عن غيرها، لذلك حاولت أن تدس مغنين من المركز، أي من العاصمة، بينهم، على غرار محمد لمين، الذي استفاد من دعمه في تصوير فيديوهات كليب (في وقت كان فيه مغنون أفضل منه يعجزون عن ذلك) ثم انتهى أمره مؤذناً، أو عبد الرحمن جلطي، الذي أغدقت عليه السلطة من كرمها، وصورت له أول فيلم موسيقي في البلاد بعنوان «لحن الأمل» فقد كان جلطي حصان طروادة في اختراق الراي الوهراني، لكنه فشل، لم يكن له النفس الطويل، ولم يستطع منافسة «الوهرانيين» وتوقف مساره في منتصف الطريق، فقد كان يجب أن ننتظر منتصف التسعينيات كي يصعد صوت جديد ليس وهرانيا، يبزغ نجم شاب قادم من المركز أيضاً، من مدينة شرشال المجاورة لعاصمة البلاد، اسمه الشاب بلال (بدل بلال موفق) الذي بدأ تسجيل أعماله وهو لا يزال مهاجراً غير شرعي في مارسيليا، ذهب إلى الغناء، وإلى مزاحمة نجوم الراي ليس عن تكوين أو عن خبرة، بل طلباً للخبزة (كما نقول في العامية) في بادئ الأمر، بعد أن ضاقت به السبل، لم يتح له أن يتعلم العزف أو أن يحظى بحياة أقرانه في التدرج أو في مصاحبة الشيوخ، فبلال «لا شيخ له» لم ينتم إلى جماعة موسيقية رايوية، ولم يُصاحب من شاعت أسماؤهم من قبله، بل بدأ من نفسه، من منفاه ومن عزلته، من حاجته للعيش، والموسيقى كانت سبيله في عيش كريم.
بوب ديلان بالعامية
يتداول الجزائريون في ما بينهم كلمات الشاب بلال، التي صارت كلاماً مأثوراً، لاسيما منها ما يتعلق بمواقف الفحولة أو الخصام، أو في الرد على الأعداء، أو في الشجن أو تعبيراً عن حالات اليأس: «أولاد حرمة… درجة درجة… راك مريض… واحد الليلة في باري (باريس)… الغربة والهم…إذا خطاك جيبك… ألعب بعيد» فقد فهم هذا المغني ما يفكر فيه مواطنوه، أدرك شيزوفرينيا الحالة التي يحيون فيها، فالجزائري قد يفكر في شيء ما دون أن يعرف كيف يعبر عنه، قد يدور في خاطره أكثر من سؤال لكن لا يعرف كيف يطرحه، لذلك نصب بلال نفسه ـ عن غير قصد منه ـ ناطقاً باسمهم، باسم المنهزمين أو باسم العشاق الفاشلين، يشتغل على كلمات أغانيه أكثر من اشتغاله على اللحن أو الأداء، مستلهما إرث الأولين (مصطفى بن براهيم أو عبد القادر الخالدي) لذلك ليس محبباً مشاهدة بلال على الركح، فهو لم يتعلم أساليب الأداء ولا إقناع الجمهور، لا يرقص ولا يعرف استثارة الحاضرين، بل من الأفضل الاستماع إليه، الإصغاء إلى كلماته وكفى، دون البحث عن صورته أو فيديوهات له، كما أنه يبدو غير مرتاح في فيديوهات كليب صورها، نراه أحيانا مضطرباً أمام الكاميرا، أو خجولاً، وهو يدرك ذلك، مكتفياً بمهمته الأصلية في الكتابة، في نظم الشعر، كما لو أنه بوب ديلان محلي، يكتب بالعامية، ولسنا ندري لماذا لم يُنظر إليه يومأً كشاعر؟ بل إنه استطاع أن يطور الراي في كلماته، بعدما كان في الغالب مقتصراً على استعادة شعراء قدامى، فجاء هذا المغني وجعل من الراي توأماً للشعر الجديد، شعر الشارع، الذي لا يلتزم بقافية ولا وزن، بل الإيقاع فقط وقساوة المفردات، مع انتقاء كلمات تعبر عن الروح الجزائرية القلقة، المتسائلة والغارقة في كآبتها اليومية.
روائي جزائري