طنجة ـ ‘القدس العربي’: دقات متوالية على خشبة المسرح بالخزانة السينمائية، أدخلت الوافدين من كل الجنسيات في جلبات دوَّت عميقا في قلوب الفنانات، والفنانين، والأدباء، والباحثين، ورجال الإعلام، والسياسة، والمجتمع، والجامعة، والاقتصاد كي ينصهروا طواعية في شعار ‘المسرح يلهمنا..والمهرجان الدولي للمسرح الجامعي بطنجة يجمعنا’ بفضل إصرار جمعية العمل الجامعي بطنجة، والمدرسة الوطنية للتجارة والتسيير تحت الرعاية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس على مد الوصال مع المسرح.
‘جواز سفري أخضر/جواز السفر قد يكون أزرق، وقد يكون أحمر/بجواز السفر لم يعرفوني، فكان المسرح، يا سادتي جوازي، تعرفني كل زوايا الخشبة/ وكل الأقنعة، وكل الأدوار، وكل الستائر..يا سادتي لا تسألوا الأضواء عن نورها/ كل المسارح جنسيتي..’ بهذه المقاطع بدأ عرض الافتتاح الذي استثمر متواليات الحلقة وقوافيها، وتألق في لف حكاياتها كل من إكرام طاسي ومحميد بعد عرض كرونولوجيا صوتية وبصرية نقلت الحضور إلى طنجة ملتقى الحضارات والثقافات والفنون.
كلمة عمدة طنجة فؤاد العماري رحبت بضيوف المهرجان الممسوسين بولع المسرح، منبها إلى أهمية مثل هذه التظاهرات التي تتغيا مجابهة الانغلاق الدوغمائي، والتطرف الفكري والديني اللذين يهددان العقلانية والفكر والتعايش والسلم والحرية، ‘فكلما ضاقت مساحة الحرية تفتقت أبواب الفن في السجون’ مؤكدا في نفس الآن على قوة الروح التي تحرك هذه المبادرة، ودور المهرجان في تعزيز البعد الدولي لمدينة طنجة.
أما كلمة عبد الله الجبوري مدير المدرسة الوطنية للتجارة والتسيير فقد أكدت على الرعاية السامية التي تميز المهرجان، والتي تفتح أبوابا جديدا في عالم الفرجة المسرحية المتجددة، النابعة من أعماق تطلعات طلابية مفعمة بالشباب والقوة، مبرزا أن هذه الدورة تأتي بنفس جديد يقوم على فلسفة النهوض بالعمل الجمعوي والثقافي، من خلال تمكين طلبة المؤسسة من مجموعة من المهارات والقدرات الموازية للتكوين الأكاديمي. أما كلمة محمد مزيان عن المكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب الراعي الرسمي، فقد ركزت على أهمية الماء وحماية البيئة، وما يلعبه الفن المسرحي في التحسيس بقيمته وضرورة المحافظة عليه.
في حين استحضرت كلمة مدير المعهد الثقافي الفرنسي ألكسندر باجون فكتور هيجو الذي يرى في المسرح مهمة اجتماعية ووطنية وإنسانية؛ لأن هذا الأخير، كان يلاحظ كل مساء شعبا ذكيا ومتقدما جعل من باريس مركز التقدم تلتف حول ستارة المسرح كما تلتف حول الفكر، لينتقل الحضور الوازن لفعاليات تكريم الفنان صلاح الدين بنموسى الذي صاحبت صعوده إلى الخشبة زغاريد تعبيرا عن المحبة التي يكنها له عشاقه الكثر، لتقف القاعة طويلا وتحت التصفيقات احتراما وتقديرا لمسار وسيرة هذا الرجل، الذي وشم ذاكرة المسرح والتلفزيون المغربي بعديد من الأعمال على مدى عقود من دون توقف، وقال كلمته التي استرجع فيها رحلته الطويلة مع المسرح، ومع مؤلفين طبعوا بدياته:تشيخوف، وموليير، وشكسبير، وسارتر وعبد الصمد الكنفاوي، والطيب لعلج، والطيب الصديقي..معتبرا أن المسرح هو القادر على جعل الإنسان يحلم، ويمنحه لحظة حقيقية لإبلاغ عدد من الرسائل أثناء المسرح’ما دام المسرح حيا..ما دام الطلبة فيهم روح’. ليتوقف الحضور بعد ذلك عند الملصق الإشهاري الذي صممه الفنان التشكيلي والمخرج السينمائي عمر سعدون ورمزية البالون الكوني الملتهب بألوان متعددة تجتمع فيها قيم الحرية والحلم والخيال والسلم والتعايش والاختلاف والانفتاح والجمال..لتتوالى كلمات الجامعات المشاركة التي تمثل كل من المغرب، والجزائر وتونس وليبيا ومصر ولبنان والمملكة العربية السعودية وفرنسا والكامرون وبلجيكا وإسبانيا. ويتعلق الأمر بفرقة ‘مجانين الركح’ من جامعة قسنطينة (الجزائر)، وفرقة ‘جازان’ من المملكة العربية السعودية، والمسرح الجامعي لداشانغ (الكامرون) وفرقة ‘سي تياترون’ من جامعة لورين، وفرقة جامعة بوردو 3 (فرنسا)، وفرقة الجامعة الأمريكية لبيروت، وفرقة المسرح الجامعي لجامعة بنغازي (ليبيا)، والمسرح الجامعي الملكي للييج (بلجيكا) وجمعية المسرح الجامعي للمنستير (تونس)، وجامعة عين شمس (مصر)، وفرقة بيفويس دو اولافو باسبانيا، وفرقة ‘فنطازيا’ لجامعة الحسن الثاني، وفرقة ‘أوريبيد’ لجامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس، وفرقة مختبر ‘ أمال’ للمسرح بجامعة القاضي عياض، ومحترف الفنون بجامعة مولاي اسماعيل، وفضاء المسرح بالمدرسة الوطنية للتجارة والتدبير بطنجة. ليتم الإعلان عن لجنة التحكيم التي تكونت من الباحث والفنان المسرحي والسينمائي المغربي جمال السوسي، والفنان المصري أحمد راتب، والفنانتين المغربيتين نادية العلمي، ولطيفة أحرار، والسوسيولوجي مصطفى شكدالي. كلمة أحمد راتب اعترف أن المهرجان أعاده إلى الستينيات أيام الثورة، وقال’المسرح غاب عن الساحة بفعل الأمريكان، ولكنه عاد بإذن الله’.
*ترساج أو عندما تقطع الحدود مشاعر الإنسان
بلورت جمعية فضاءات مسرح التدبير التابعة للمدرسة الوطنية للتجارة والتسيير (طنجة) خطابها الجمالي انطلاقا من الغوص العميق في قضايا الإنسان، وحيواته من داخل الحدود.
تبدأ مسرحية ‘ترساج’ بدخول الزوج من باب خشبي إلى منزله المتاخم للطبيعة، ويبدأ في تدوين أحاسيس روحه وعذاباتها، وسعادته الورقية التي يكتشفها فجأة جراء امتلاكه امرأة، ومنزلا، ووظيفة، وملابس. تفتح الزوجة باب المطبخ وبيدها صينية مملوءة بالطعام، وهب تحكي له رحلتها المكوكية في السوق أثناء تناول وجبة الغذاء. يتذكران ابنتهما الوحيدة التي تدرس طوال اليوم، وتجد نفسها وحيدة من دون مؤنس، إنها راقصة الباليه التي تجعل من الرقص ملاذا نهائيا لمشاعر الغربة، والعزلة القاسية، تدخل في جلبة رقص، وتتفاعل معها تقاسيم جسدها، وبذلتها السوداء البيضاء التي تختزل تناقضات حياتها وحزنها الصارخ ضد الوجع، فكلما رقصت كلما تخلصت من ذاكرتها المثقلة بضغط الدروس وتعبها.
تدخل ثلاث فتيات إلى المنزل، وتهرع الطفلة نحو والديها، بينما يفتشن في أرجاء المنزل، ويدون في حاسوب جميع المعطيات المتعلقة بمساحة الأرض، ليخلصن في الأخير أن المكان استراتيجي. يتدخل الزوج رغبة في حماية منزله من الديبلوماسيات حاملا منشارا سيتحول في بعد إلى قاطع وحاد سيبتر حياته إلى نصفين بعدما تم إقناعه هو وزوجته في أن يمنحان مكانا للأطراف المتخاصمة بإجراء حوار في مطبخ المنزل. ينتهي الاجتماع بطلب منشار من الزوج الذي سيمتثل للطلب إلى أن يعرف بأن المشكل قد حل على أحسن الضوابط الديبلوماسية. تحلم الطفلة أن تصبح ديبولوماسية فيغضب والديها، ويتركانها وحيدة مجددا ترقص رقصاتها الحلزونية التي أدخلت القاعة في جلبة من التأمل في قوة وكلام وخطوط راقصة الباليه. يقسم المنزل إلى ثكنتين عسكريتين في المشهد الثاني.
ثكنة تضم الزوج وجندي يحرص على ضبط أدق التفاصيل، وثكنه ثانية مجاورة بها زوجته وجندي يضبط أنفاس عقارب الساعة على تفاصيل الحدود، ويدخل الجنديان العدويين في حوارات عن العنصرية، وقسوة الحياة، ووظروفهما النفسية والاجتماعية والاقتصادية، ومعاناتهما مع النوم والأحلام الطرية والملل والحماة.. تنتفض الزوجة راغبة في تغيير ملابسها في الجهة المقابلة التي تضم دولابها، يتم رفض طلبها، وأمرها بضرورة الصبر إلى أن تتمكن من الحصول على جواز سفر. يحصل الزوج في الجهة المعاكسة على جواز سفر، فيعبر الحدود الفاصلة بينه وبين زوجته، يلتقي بها هامسا راغبا في تقبيلها، يتم طرده من المنطقة لمخالفته القوانين، وتدخل الزوجة في جلبة من الأحاسيس الملتهبة التي ستجعلها تحلم بجواز سفر لسروالها من أجل حرية التنقل، بينما يتساءل الزوج عن منزله الذي تحول إلى معنى تاريخي، ترتفع فواتير الماء والكهرباء في جهة الزوج، بينما ترتفع فاتورة الهاتف في جهة الزوجة. ينام الجنديان دفعة واحدة، فيكتشف الزوجان حالتهما المأساوية، ويكتشفان التهريب الذي تعرفة المنطقة، حيث تهرب السلع في سرية تماما، ويدخلان في حوارات مع المهربين الذين يطلبون منهم في المرة القادمة جلب سلع نسائية بالرغم من أنهم لا يبيعون بالتقسيط.
تدخل البنت التي تتحدى والدتها هذه المرة، وتصرخ في وجها بعدما كانت الأم تصرخ في وجها كلما نبشت بكلمة، تخبرها بأنها صارت ناضجة، ولن تصمت بعد الآن. تبدأ الحرب، وتبدأ حركات الرقص التي تصيب كل واحد من الشخوص على خشبة المسرح كما لو أن مسا أصابهم.
الأم لم تعد تحلم سوى بقبلة تفك عطشها نحو شفرات زوجها المنهمك بالبحث عن تاريخ عالمي لمنزله. البنت التواقة إلى أن تقول للعالم ان حلقات الرقص المتوالية خلصتها من ثقل الاستبداد الذي كانت تمارسه الأم عن وعي أم عن غير وعي. الجنديان اللذان عاشا جحيم القلق والانتظار والبحث عن الحياة في قلب الموت بعدما صارت حياتهما جلوسا في جلوس.
المهربان اللذان قضت الحرب على أحلامهما في الثروة وفي الخلاص. إن مسرحية ترساج تحمل دلالات ترتبط بواقعنا العربي، والتقسيمات التي صارت تشتت الدول إلى دويلات تتشابه في كل شيء، وتدخل شعوبها في أنفاق ضيقة من أشكال الموت السريري.
إن المنشار الذي قسم المنزل إلى جبهتين، ما هو إلا منشار الرغبة في تقطيع الإنساني فينا، وتحويله إلى مجرد حدود فاصلة بين الجسد والروح، بين الممكن والمستحيل، بين الرغبة والجسد المقهور، بين الأنا والآخر، بين الواقعي والتخييلي..
مأساة المسرح الجامعي وصرخات الفاعلين من أجل مأسسته في الجامعات العربية
وتواصلت بقاعة العروض بسينما الريف فعاليات المهرجان بافتتاح مائدة مستديرة عن’المسرح والجامعة، وقضايا التعليم وممارسة المسرح الجامعي’ بهدف الاستماع إلى تجارب مغاربية وعربية وعالمية، وتميزت المائدة بمشاركة عدد من الأكاديميين والباحثين. وقد تألق في إدارتها كل من المديرة الفنية للمهرجان سماح العيدوني، وحميميد. مداخلة د.سعيد الناجي اتسمت بنبرة تشاؤمية حادة. معتبرا أن الممارسة المسرحية في الجامعة ‘ممارسة ملعونة’؛ معترفا بعجزه عن إيجاد تفسير للمسؤول (الرمزي) الذي فكر في بناء جامعات تتوفر على مراحيض، ومدرجات للدراسة، وتنعدم فيها قاعات متخصصة لممارسة الثقافة والمسرح والفنون. فالمسرح في الجامعة بقدر ما هو دينامي، بقدر ما هو مرتبط بالأشخاص، والأفراد. مؤكدا على أنها غير محمية، وأنه أصبح من الضروري العمل على مأسسة الفعل المسرحي من داخل الجامعة، معرجا في ذات السياق، على التفكير الذي تنهجه الدولة الحديثة في المغرب في ما يتصل بالحياة الطلابية سواء أتعلق الأمر بالبعد الاجتماعي أو الثقافي ممثلا له بما تعيشه الأحياء الجامعية من فراغ مهول على مستوى المقاربات الثقافية، مطالبا بإيصال هذا الصوت، وراهنية التدبير لهذه الحياة الطلابية؛ لأن الطالب يمضي يوما كاملا في الجامعة طارحا سؤالا:كيف أدبر حياة هذا الطالب في فضاء الجامعة؟ منبها في ذات الوقت إلى أمزجة المسؤولين التي صارت تهدد كل ممارسة فنية، بخاصة في ظل سياسة التقشف التي تطال بشكل كبير السياسات الثقافية من داخل الجامعة.
أما ممثل جامعة لورين الفرنسية، فقد ربط الإشكال بالفن نفسه، مؤكدا أنه لا وجود للمسرح في المؤسسات بقدر ما يوجود في ما يصاحب هذا الفن من بحوث وإبداعات، داعيا القاعة إلى تجديد روح الأمل في مستقبل المسرح، وضرورة الإيمان بالأشخاص الذين بإمكانهم خلق فضاءات لممارسة الفنون بوصفها حاجة وأملا. أما المؤلف والمخرج المسرحي لحسن قناني فقد توقف عند الملاحظة الصادمة لسعيد الناجي متسائلا: كيف يعقل أن الجامعة المغربية تكثر فيها المختبرات وتعدم فيها قاعات للعروض والمناقشات؟ مبرزا انعدام التوافق بين الجامعة كمؤسسة، والطلبة كهامش، مفككا هذه الثنائية انطلاقا من كون الجامعة مؤسسة تميل إلى الاستقرار والضبط والتشفير، والجامعة كفضاء للخطاب الواحد، وللانغلاق، والحرص على النظام، في حين تسعى ممارسة الطلبة للفعل المسرحي إلى خلخلة الاستقرار انطلاقا من خطاب هامشي ترحالي، تسعى الجامعة إلى الحد من سلطتنه بإنتاج مقاربة تتغيا المراقبة، والانتقاء، والتنظيم موظفا عددا من المفاهيم سواء أعند مشيل فوكو أو دانييل مزكيتش أو دريدا انطلاقا من عنصري التكرار والاختلاف عند هذا الأخير، فالمؤسسة فضاء للتكرار ولإعادة الإنتاج السائد، وفضاء الطالب فضاء لخلخة الإنتاج السائد.
أما د. حسن اليوسفي فقد انطلق في مداخلته من رسم مجموعة من المداخل الأساس، أهمها أن المسرح الجامعي كان دائما في صلب اهتمام الباحثين، وظل موضوعا للتفكير، وخلق شرورط لممارسته، ووضعية الفنون في الجامعة المغربية.
معترفا تبعا لهذا السياق أن المسرح الجامعي ينقذ ماء وجه الجامعية المغربية لأنها تقصي الفنون بدليل عدم وجود أية أقسام لها داخلها. متسائلا: إلى متى ستبقى الممارسة الفنية في الجامعة مرتبطة بالأشخاص؟ وما هي علاقة الجامعة بالفنون؟ مؤكدا على أنه من غير المعقول أن تفوض الجامعة الفنون عن طريق المعاهد التابعة لوزارة الثقافة، داعيا إلى ضرورة خلق مصالحة بين المسرح والجامعة بجعل الفنون داخل الجامعة ضرورة وأفقا من دون الإحساس بالدونية، والابتعاد عن الطوباوية؛ لأن المسرح الجامعي جزء لا يتجزأ من هذه السيرورة التي تظل مرتبطة بالمعاناة والنضال، وأن لا نحمل المسرح الجامعي ما لا طاقة له به، وأن لا ننظر إليه من شرفة المدينة الفاضلة. أما د.فتحي بن عمر مدير المسرح الجامعي بمونستير بتونس فقد تطرق في مداخلته إلى تكرار الأطروحات منذ تسعينيات القرن الماضي مجملا إياها في عاملين داخليين:
الأول داخلي يتصل بجيناتنا المريضة محملا المسؤولية إلى أن عملية التأسيس للجامعة جاءت من دون رؤية ثقافية؛ ذلك أن فاقد الشيء لا يعطيه.في حين أن الخارجي يرتبط بالمدينة الجامعية التي لم تستوعب الجامعة، لم تدعمها البلديات، ولم تمنحها أية إضافات، وصار النظر إلى الجامعة كما لو أنها مدينة أخرى، وننظر إلى الطالب نظرة ارتياب، مؤكدا على أن هذين العاملين يجعل العاملين أمام حلول مستحيلة ممثلا للتجربة التونسية بوصفها تجربة فريدة من خلال المراكز الثقافية الجامعية التابعة لوزارة التعليم العالي، منهيا إلى أن المؤسسات والوزارات فاقدة في البلدان العربية للحس الجمالي؛ لأنها تخاف من الثقافة بوصفها عدوا متناسين أن الثقافة أكبر مساند للنظام حتى وإن كانت ثورية، ولهذا فهو ينادي بكل ما هو هيكلي، وبضرورة إقحام الكفاءات الثقافية في وجدان الجامعة كي لا نصنع إنسانا إرهابياً.
أما عميد كلية الإعلام ببنغازي د.محمد سليم الريفي فأوضح أن الجامعة لا تمنح الثقة لتنشيط الثقافة نتيجة عدم اقتناع الإدارة في الجامعة بقيمة الفنون، معتقدين أنها تكون دائما ضدها ممثلا للتجربة الليبية التي مرت بثورة قيصرية الولادة، وأن المسرح يعيد ترتيب الأوراق بمعية مؤسسات المجتمع المدني الفتية، مع تأكيده على ضرورة وضع استراتيجية لتنشيط الطلاب. أما ممثل جامعة عين شمس د.محمد كرم فقد ألمح في مداخلته إلى إمكانات هؤلاء الأشخاص الذين يصنعون فرحة المسرح الجامعي، ودعا إلى التفكير في الخلف الذي بإمكانه إكمال تجاربهم ‘حتى لا يكونوا أنانيين’. كما أكد على أهمية النظر إلى المستقبل عن طريق كل ما يمكن أن يقدمه المثقف دفاعا عن التغيير والتنوير ضد التطرف. وفي حديثه عن التجربة المصرية الجامعية التي ناهزت أكثر من قرن ونصف القرن، ثمانين سنة من المسرح الجامعي وأهميته بالنسبة للناشئين قبل الانتقال إلى مرحلة الاحتراف ممثلا بالفنانين عادل إمام ويحيى الفخراني ونور الشريف منتهيا إلى ما يكلفه العرض المسرحي بخمسة آلاف يورو، وأن المشكلة تكمن في أن جامعة عين شمس لا تستطيع تنظيم مهرجان دولي للمسرح الجامعي. وانصبت كلمة الفنان الطاهر القور مدير المهرجان الدولي للمسرح الجامعي بطنجة على بداية حلم تنظيم المهرجان عندما رواد نادي فضاءات المسرح والتدبير بالمدرسة بهدف إيجاد فضاء لعرض مسرحياته، وكانت البداية في بعدها الوطني. نافيا أن تكون هناك وصفة خاصة، ذلك أن الوصفة ترتبط عنده بمحور اعتباري ألا وهو الحب، وبالتمادي في هذا الحب، ولكل واحد منا يضحي بكل ما يستطيع آملا أن تنتقل هذه التجارب من مهرجانات للأشخاص إلى مهرجانات المؤسسة. فالبلديات لها مسؤولية تنشيط الثقافة في المدن.
ومن ثمة فالتمويل يراه الطاهر القور محوريا، وغياب مهندسين متخصصين في الثقافة، ليعطي مثالا بقاعة ثقافية في طنجة بنيت بميزانيات ضخمة تصلح لأي شيء إلا العرض المسرحي.
وأنه بات من الضروري الانتقال من الهواية إلى المأسسة، لينهي مداخلته بعلاقة الجامعة بالمحيط بوصفها علاقة شرعية تهدف إلى خلق رؤية مندمجة، وهذه معادلة يجب أن يسهم في تحقيقها كل من له اهتمام في سبيل تحريك العمل الثقافي. أما الأستاذ مبارك الفقير من جامعة القاضي عياض فقد اكد على أن تجربة مراكش منفردة، وعلى غياب سياسة الدولة في تحقيق معادلة التجربة المسرحية الجامعية التي يقف وراءها اشخاص يضحون بالنفيس والغالي.
*مسرحية ‘تمثال السعد’ أو عندما تتحول الفنون إلى محاورة رهيبة للعقم
نجحت فرقة يوربيدس التابعة لجامعة سيدي محمد بن عبد الله من فاس، في عرضها المسرحي’تمثال السعد’ بقاعة رامون وكاخال في خلق فرجة، ترتقي بالعقل وبالوجدان إلى مسافات شاسعة من الخيال في تجاور عميق بين الفنون، المسرحية تصور قصة فنان مهووس بفن النحت، متزوج من سيدة لا تهتم سوى بمظاهر الحياة المزيفة والعائدات المادية. هذه الأسرة ظلت تعيش حياة مستقرة يطبعها النفاق، وتتبادل أقنعة العشق. هذا الاستقرار لم يدم طويلا إذ سرعان ما سيعرف الاختلال. ذلك أن رسالة من أحد الأعيان كانت كافية لتخلق توترا في بنية المحكي الذي تمتزج فيه شاعرية القول. فجلال البطل سيقرأ الرسالة أمام زوجته فوزية التي لم تهتم سوى بقيمة المكافأة، متخيلة ما ستجنيه من أموال تضمن لها سفريات باذخة، وبرستيجا أمام صديقاتها. في حين كان تفكير جلال منصبا حول طبيعة الطلب الذي يروم نحت وجه فتاة جميلة تتفوق على كليوباترا وأفروديت. بعدها سيفصح جلال عن فراغ حياته، ويترجم إحساسه المرتبط بشعور بالنقص جراء أن أحدهما عاقرا. بالرغم من إلحاحه المستميت مع زوجته بضرورة تبني طفلة امتثالا لقدر الله. سيوافق جلال على نحت وجه الفتاة المتخيلة، وسيدخل في جلبة من التفكير المتأمل الذي بهدف نحت الوجه المطلوب كما تخيله السيد صاحب الرسالة.
ستطرأ بعض التغيرات على شخصية جلال بعد انتهائه من نحت المنحوتة التي سيختار لها اسما عاما’تمثال السعد’ وآخر خاصا ‘بديعة’، حيث سيتعلق بها أكثر، وسيدمنها، وستلاحظ فائزة الزوجة هذا التحول في علاقة جلال بما صنعته أنامله، وستشتعل نيران الغيرة، وستحرق العلاقة الصورية بعد اشتداد الصراع بينهما جراء إحساس فائزة المتكرر بالنقص والضعف أمام مشاعر الفنان الملتبسة، خاصة بعدما صارت ترى زوجها يقبل ‘بديعة المنحوتة’. هذه الأخيرة ستدخل في المسرحية كشخصية تمتلك لغة خاصة، وتتحدث مع جلال عبر الفنطاستيك، وسيهيم بها أكثر، حاضنا لها والتيه فيها، رافضا بيعها، وسيعتبرها تعويضا إلهيا له عن مرارة العقم.. تفتك الغيرة بقلب فائزة التي تقرر في لحظة انكسارها الباطني في تكسير منحوتة ومعبودة ومعشوقة جلال الذي سيفاجئها متلبسة بالجرم، وسيخنقها بيديه إلى أن تموت، وفي تلك اللحظة يرن الهاتف، يجيب جلال المختبر الذي أبلغه بنتائج فحوصات حمل زوجته فائزة، وهنأه بالخبر السار، ليدخل في حسرة ويأس لا نهاية لهما. إن مسرحية ‘تمثال السعد’ تعكس تجربة تخطو بتؤدة نحو الإقامة في التراجيديات الإغريقية ذات النفس الملحمي، واللغة الشعرية التي تفتت هشاشة الأرواح، وتدخلنا في قلب الواقع المرير وتناقضاته الصارخة ومكابداته النفسية، وتصور نقص العالم في الذات الإنسانية التي تكشف عن جانب خفي من حياة الفن والفنانين في مجتمع يخفي أكثر مما يظهر.
‘ ندوة طنجة مدينة الفنون والثقافات تعمق وجع الحاضر في نوستالجيا المكان بصيغة الأبيض والأسود، و’ابن بطوطة ليس مدفونا بطنجة’ احتضنت قاعة المكتبة السينمائية الريف صباح اليوم الثالث مائدة مستديرة موسومة بـ’ طنجة مدينة الفنون والثقافات’. وتميز في إدارتها الأكاديمي السينمائي د. حميد العيدوني الذي رحب بالمشاركين وبالفعاليات الحاضرة، ممهدا للقاء بتقديم نبذة عن دخول الاستعمار إلى المغرب من خلال معاهدة الجزيرة الخضراء، وتقسيم المغرب إلى ثلاث أجزاء ستخضع بموجبها منطقة الشمال والجنوب للنفوذ الإسباني بينما منطقة الوسط ستكون تحت النفوذ الفرنسي، في حين تمتعت طنجة بحماية دولية، مذكرا الحضور النوعي بأن طنجة تحتفي هذه السنة بمرور مئة سنة على تشييد مسرح سرفانطيس المندثر’ مقترحا أن يتم افتتاح المائدة بعرض فيلم وثائقي حمل عنوان ‘طنجة مدينة دولية’ للمخرج روندلي زوبادا أنتج سنة 1946، ويحكي الفيلم بالأبيض والأسود عن الجنسيات المتعددة التي استوطنت طنجة الأطلسية والمتوسطية التي تعتبر أقرب نقطة عبور نحو أوروبا، كما أبرز الشريط تعايشا رهيبا بين الأديان والطقوس والعادات بالرغم من اختلاف الأعراق واللهجات واللغات فضلا عن الحرية التي يلحظها متتبع الفيلم الذي عزف على نوستالجيا المكان في ألقه، وهو يظهر جانبا خفيا من ذاكرة طنجة. الباحث المسرحي والسينمائي المخرج جمال السويسي انطلق من أن طنجة الدولية ارتبطت بعقدة الحماية التي كانت في البداية خاضعة إلى الاستعمار الإسباني قبل أن تصبح دولية سنة 1929 خالقة تجاوبا كبيرا مع المجتمعات التي كانت تستوطنها، لينتقل بعد ذلك إلى الحديث عن الفرق المسرحية التي تأسست خلال تلك المرحلة ممثلا بفرقة أبا زاكورة التي أنشأت سنة1920 وستكون نهايتها في وسط عرض المسرحية الأولى بعد تدخل السلطات الدولية التي منعتها. لتظهر بعد ذلك جمعيات رياضية سنة 1923 التي ستشتغل أيضا في حقل الثقافة والمسرح، وستؤسس الجوق الطنجي للتمثيل سنة 1928 حيث سيظهر الكاتب محمد الحداد ثم فرقة الهلال. مسترجعا ذكرى أحد أقدم المسارح في المغرب، إنه مسرح سرفانطيس الذي بدأت بدايته سنة 1911، حيث أكد في ذات السياق أن الدولة الإسبانية ليست هي من شيدته بل عائلة إسبانية تتكون من مانويل بينيا وامرأته اسبيرانزا أوريانا التي كانت مولعة بالمسرح، وسيتطلب بناء هذا المسرح سنتين، وستنتهي به الأشغال سنة 1913، وسترفض ماريا غريرو أن يحمل المسرح اسمها، ويسمى باسم كاتبها الشهير سرفانطيس، وستؤدي على خشبته عدد من الفرق المسرحية مستفيدة من أحدث التقنيات عددا من العروض كعطيل ومجنون ليلى بل ستمر عبره فرق عربية، حيث سيستقر مصطفى الجزار في المغرب، وسيصبح مخرجا لفرقة الهلال من خلال مسرحية ‘مجنون ليلى’ التي لم تسلم من عين السلطات الدولية التي كانت تراقب عن كثب اشتغال هذه الفرق على أفكار من خلال حوارات تستهدف الاستعمار وحضوره، فعمد المقيم العام على مراقبتها. وفي الفترة الممتدة ما بين 1930 و1935 ستعرف حضور قوي للثقافة الإسبانية من خلال جمعية’آرتي اسبانيول’ التي بدأت تعرف بالأدباء والمسرح الإسباني، وستتوقف سنة 1933 ومعها فرق مغربية بعد الحرب الأهلية إلى أن يعودوا بعد الحرب العالمية الثانية، حيث ستخلق فرقة مسرحية جديدة تقدمية تعرض أعمال لوركا وستدوم إلى سنة 1949 حيث تم حلها من طرف السلطات. في سنة1950 يضيف السويسي أن لوسيت ستؤسس معهدا للتمثيل الذي سيدوم ثلاث سنوات بعدها ستظهر المدارس الحرة التي بدورها كانت لها فرق مسرحية للطلبة. لعرج بعد ذلك للحديث عن واقع مسرح سرفانطيس راهنا بعدما تم منحه بدرهم رمزي إلى بلدية طنجة راصدا مظاهر الاختلاف التي شابت الحركة الثقافية بالمدينة التي كانت تتسم بالقوة في مرحلة الحماية في ظل الصراع الذي كان قائما متأسفا في ذات السياق عن ريادة البعثات الأجنبية بعد الاستقلال التي تستر الثقافة في بلدنا؛ لأن المنتخبون لا يملكون رؤية للفن متسائلا عن الكيفية التي تم بها بناء مسرح الحداد الذي يتم سماع صراخ نساء الحي وراء الخشبة. محذرا من أن طنجة الكبرى ومشروعها الثقافي يمكن أن يجهض بسبب الذي سيترجمونه وفق أهوائهم من دون استشارة أهل الاختصاص. الباحث وعميد كلية آداب تطوان سابقا محمد اليملاحي الوزاني التي اختار لمداخلته هوية طنجة تنوع اللغات، معتبرا أن المدينة إشكالية كبيرة، وسؤال عن الكيفية التي يمكن للمدينة أن تمارس أدوارها التاريخية من دون مكياج، معترفا أنه لكل واحد لديه تصوره الخاص عن مدينة طنجة متسائلا عن سر هذا الإبداع الذي خلق طنجة، وعن طنجة باعتبارها فضاء، وعن بناء طنجة سواء أفي الواقع أو المتخيل أم أن طنجة ترتبط بما كتبه عنها الفنانون والأدباء حولها أم أنه ينبغي أن نبحث عن طنجتنا؟ لينتقل بعدها إلى الحديث عن صور طنجة الرمزية، والمستقلة، والثقافية.. مؤكدا في معرض مداخلته عن ضرورة تحديد طنجة التي نتحدث عنها أهي طنجة الماضي أم الحاضر؟ منتقدا المهرجانات التي تسعى إلى تحويل طنجة إلى مجرد لحظة استعادة. معرجا على النزعة الطنجاوية التي تغيرت، داعيا جميع من يقيم في طنجة ويعتبرها مدينته أن يساهم في بناء مفهوم طنجة كما كانت في الأربعينيات ذلك أن ألوان الأحزاب التي تتلون بها المدينة في كل مرحلة أصبحت تعكس أذواقها. طنجة الملك مستفهما عن سر العبودية للمدينة من دون أي فعل اتجاهها، لينهي مداخلته لضرورة التفكير في صياغة مشروع ثقافي لطنجة، وضرورة مراقبة التغيرات التي تقع تقع في طنجها، وتمس شكلها والاهتمام بالسياحة الثقافية ليس فقط بأماكن في الذاكرة، ولكن بضرورة إخراج تلك الأمكنة وبلورتها على شكل مجسمات تحفظ تاريخها وحضارتها وأدبيتها لينهي مداخلته بحوار قصير “جرى بينه وبين أحد المسؤولين عن تدبير الشأن العام بطنجة عندما قال بأن ابن بطوطة ليس هو من مدفون بطنجة”. ليختم رئيس مسلك الماستر “السينما والفيلم الوثائقي” ومدير مجموعة البحث في السينما والسمعي البصري بكلية آداب تطوان- جامعة عبد المالك السعدي أن ابن بطوطة من الشخصيات العالمية، متأسفا على ما آل إليه قبره الذي قد تمر من أمامه وقد لا تعرفه، مبرزا أن هذه السمة تشير إلى مأساة في العالم العربي تتعلق بعلاقاتنا مع تاريخنا وثقافتنا متسائلا عن المطاعم العربية التي يمكن أن نقدمها للسائح الأجنبي، منتهيا في الأخير إلى أن مسرح سرفانطيس من أجمل المسارح وأقدمها في العالم العربي.
حفل الاختتام وجوائز المهرجان: جامعة المونستير تحصد أربع جوائز
انطلق الحفل بقراءة مدير المهرجان الطاهر القور لبرقية الولاء لصاحب الجلالة
الملك محمد السادس تلاها عرض شريط فيديو يلخص أقوى لحظات المهرجان، واحتفاء خاص بالفنانة فاطمة الركراكي الذي تعذر عليها الحضور بسبب المرض، وفي كلمة بالمناسبة عبر مسعود بوحسين رئيس النقابة الوطنية لمحترفي المسرح عن شموخ هذه الفنانة التي اشتغلت كممثلة إلى جانب عدد من رواد المسرح المغربي كالطيب لعلج والصديقي..واعتبرها سفيرة لفن التمثيل النسوي بالمغرب. لتبدأ لحظة الإعلان عن النتائج بتقديم تقرير لجنة التحكيم التي ترأسها المنتج والمخرج المسرحي والسينمائي جمال السويسي الذي اعترف بقوة النقاش المسرحي والفني والعلمي الذي ساد بين أعضاء لجنة التحكيم التي قررت إبداء رأيها في ما يتصل بالحركة المسرحية الجامعية، ولاحظت أن العروض تمثل مختلف المدارس والاتجاهات عاملة على قراءة بعض التوصيات: ضرورة العمل على انتقاء العروض المسرحية قبل المشاركة في المهرجان، والاستفادة من المسرحيين المحترفين في تأطير الجامعيين، وتفادي عملية السرقة الأدبية، والعمل على تشجيع التبادل الثقافي، منوهة ببعض الممثلين: محمد غيث محمد من مصر، والمازوري أرون من بلجيكا، وفرهاد كطيب من فرنسا، كما نوهت اللجنة باقتباس أنور الحساني من جامعة الحسن الثاني لمسرحية “الغزاة” لإيكون وولف، وقد حصدت مسرحية”الساسية الرقمية” من جامعة المونستير بتونس على تنويه نص باسم حمامة المسرحي، وعلى الجائزة الكبرى للمهرجان، وجائزة السينوغرافيا، وعلى أحسن دور ذكوري(حمدي حليلة)، وتوجتslihan Roda Canioglu بجائزة أحسن دور نسائي عن دورها في مسرحية LES CHAISES عن فرقة لورين – فرنسا، وحصلت مسرحية الليلة ماكبيت لفرقة جامعة عين شمس ـ مصر على جائزة الاخراج، وجائزة لجنة التحكيم الخاصة. وتحدث مسرحية ‘السياسة الرقمية’ في قبو البلاط الملكي، حيث يدور نقاش بين ملك وخادمه حول الإنسانية، رويدا رويدا، يثور الشعب ضد الحكم الديكتاتوري. فيقومان بفعل ما بوسعهما لتهدئة الوضع، لكن دون جدوى، فيقترح الخادم على الملك قلب الأدوار.