بيروت-“القدس العربي”: بعضنا يُعدُّ للعشرة عشرات المرات حين يداهمه الأرق ليلاً. نصيحة نرثها ونورِّثها، وتصبح رفيقاً. “بمشي وبْعِدّ” عنوان فيلم وثائقي للمخرجة اللبنانية سينتيا شقير قصدت لتصويره جزيرة ليسبوس اليونانية التي شكلت ولا تزال مركز الاستقبال الأول للاجئين السوريين وغيرهم بحثاً عن ملاذ أوروبي آمن. في تلك الجزيرة استيقظت لديها جروح التهجير المتكرر الذي عاشته طفلة في لبنان.
سينيا شقير رافقت شقيقتها سابين المتطوعة ضمن فريق دولي للمهرجين يعمل لاستقبال اللاجئين وخاصة الأطفال بابتسامة بعد أهوال البحر. في داخل سابين ندوب بالغة من الحرب والتهجير، ربما يشكل عملها كمهرجة نوعاً من التنفيس عن الماضي. مع هذا الفريق كان الانتظار مؤلماً على شواطئ ليسبوس، خاصة أن المهرجين واجهوا بوابات مقفلة من قبل الناتو. وكانوا على الدوام بمواجهة مشهد قاس للغاية هو أكوام سترات النجاة. وهكذا تحولت رحلة الفريق والمخرجة إلى مسار داخلي وانعكاس لحكاياتهم، ولقصص الاختين عن التهجير والترحال خلال الحرب اللبنانية.
مع المخرجة سينتيا شقير هذا الحوار:
*”بمشي وبعدّ” ماذا كنت تُعدين خلال المشي؟
**لا نهاية للعد، وليس مهماً ما نعدّ. المهم أن نعدّ كلمات، أرقاماً أو شبابيك. في لحظة ما يصبح العدّ حالة معبّرة عن قلق مستمر.
*كم من الوقت استغرقت رحلتك تلك في جزيرة ليسبوس اليونانية؟
**وصلت إلى الجزيرة والتحقت بفريق مهرجين كانت شقيقتي منهم. زمن مهمة المهرجين 12 يوماً بدءاً من 1 إلى 12 شباط/فبراير من سنة 2016. سبق وشاركت شقيقتي بمهمة في الجزيرة نفسها في شهر تشرين الثاني/نوفمبر 2015. حين تواجد المئات من الإعلاميين والسينمائيين بهدف التصوير. كان المهرجون يباشرون عروضهم فور وصول الأطفال إلى الشاطئ. علمت من شقيقتي أن المشاهد كانت مؤثرة للغاية. كان الأطفال يضحكون والأمهات مسرورات لضحكات غابت لأيام أو ربما لأشهر عن أبنائهن.
*وماذا عن القارب الذي يحمل 400 لاجئ حدثتك عنه سيرين في الوثائقي؟
**هو الحديث الذي سجلته مع شقيقتي وسؤالي لها عن المؤثر جداً في مهمتها الأولى إلى ليبسوس؟ أخبرتني عن 400 لاجئ في مركب صغير من طبقتين غرق. قلة نجت، والعدد الأكبر أخذهم البحر. في بداية شباط/فبراير حين وصلنا الجزيرة كانت سياسة التعامل مع اللاجئين قد اختلفت. بدأ تنظيم اللجوء، وصار الوصول إلى اللاجئين شبه مستحيل.
*ومع ذلك نقل صورة عائلة مع طفلين؟
**كان اللاجئون يصلون إلى الشاطئ، ينقلهم باص ويوزعهم على المخيمات في “موريا كمب” لتسجيل الأسماء، ومن ثمّ يُرحلون بالباخرة إلى أثينا ومن هناك إلى وجهات أوروبية مختلفة. في تلك المرحلة كان الدخول إلى “موريا كمب” محظوراً تماماً. وكان خفر السواحل ينقلون اللاجئين من عرض البحر عبر الزوارق مباشرة إلى الباصات وصولاً إلى “موريا كمب”. وهكذا باتت الرحلات مقفلة تقريباً ولم نتمكن من اللقاء بأعداد من اللاجئين. انتظرنا على المرفأ حيث باخرة تستعد لنقل اللاجئين إلى أثينا بعد تسجيل اسمائهم. ولهذا كان لقاء تلك العائلة وليد الصدفة، وكانت على عجلة من أمرها لإتمام بعض الأوراق والالتحاق بباخرة أثينا.
*بعد النجاح في إخفاء اللاجئين عن الكاميرات هل شكلت ذكريات الحرب مع شقيقتك سابين تعويضاً؟
**وصلت إلى جزيرة ليسبوس دون مخطط توجيهي. ألحت حوافزي لأكون هناك، وبالتالي منح التجربة السينمائية حرية الحركة. تخففت من الضوابط السينمائية، ووجدت نفسي في خضم الحدث الإنساني الأليم. وبما أنني عاجزة عن العمل في الإغاثة، شعرت بضرورة العمل من خلال الكاميرا. وصلت الجزيرة ولم يكن بالنسبة لي عبئاً أن لا أنجز مهمة سينمائية. الأفق كان مسدوداً في ليسبوس وأجواء الحرب هي السائدة. كانت اصوات قصف الطائرات والمدافع مسموعة باللاوعي. في تلك اللحظات عشت مشاعر الحرب واستفاقت عندي ذكرياتها والتهجير المتكرر الذي عشناه كعائلة في لبنان. ذكريات التهجير لا تزال تلاحقني حتى اللحظة. تنقلنا كثيراً وهو ما ترك انعكاسه عندي لجهة العدّ. حتى الآن أغرق في العدّ، بعد أن عددت طويلاً أماكن التهجير، وأيام الحرب والقذائف.
*هل شكل “حادي ومادي” الملاك الحارس الذي رافق سابين في رحلات التهجير؟
**عندما يمر الطفل في “تروما” ما سيلجأ لخلق آلية دفاع. التهجير ليس حالة راسخة الآن في وعي شقيقتي التي بدأت رحلات التهجير منذ عمر السنتين. لكنها ورغم هذا العمر كانت تكرر ومع بداية كلامها رغبتها بالعودة إلى المنزل الذي ولدت فيه. ولأن عدد المنازل التي تنقلنا بينها لا يحصى فقدنا الأصدقاء الثابتين. وهكذا اخترعت سابين صديقين ثابتين رافقاها لأربع سنوات، حدثتهما ولعبت معهما وهما “حادي ومادي”.
*لماذا في رأيك حال حلف الناتو بين النازحين والإعلام والمهرجين؟
**هذا الفيلم والمكوث في جزيرة ليسبوس سمحا لي بالتفكير بهذه المنظومة التي نعيش فيها، وخاصة الدول التي تختلق أسباب الحروب وتعمل لإقناع الآخرين بها. هذه الدول نفسها تعود فيما بعد لتنظيم نتائج تلك الحروب وبخاصة اللجوء. في مكان ما يشير “بمشي وبْعِدّ” إلى مواجهة الفرد لهذه المنظومة السياسية الكبيرة التي تصنفنا ارقاماً. أراد مفتعلو الحروب وقف دفق اللاجئين إلى أوروبا وكانت محاولات كثيرة بهذا الإتجاه، وفي الوقت نفسه عملوا للحد من تواصل اللاجئين مع العالم الخارجي. في تلك اللحظة كان تدخل الناتو في الجزيرة القبرصية والمنظومة التي تحيط به لخلق تلك السلطة المؤذية على الصعيد الإنساني.
*بماذا حدثتك أكوام سترات النجاة على شواطئ جزيرة ليسبوس؟
**رغم أننا لم نلتق اللاجئين لكنني كنت أمام خيار واع برفض تصويرهم. مع الوصول إلى الجزيرة بدأ العامل الأخلاقي يفرض نفسه. أن نصور اللاجئين بأعداد كبيرة فذلك يصب في خانة من أشعلوا الحرب وتعاملوا مع نتائجها البشرية كأرقام، وليس كأفراد ومشاعر وقصة خاصة بكل منهم جديرة جداً بأن نتوقف عندها. في كل مكان مرّ به اللاجئون تركوا أثراً، وكنت بصدد البحث عن ذاك الأثر. سترات النجاة افترشت المدينة برمتها. التقينا اللاجئين لكنني لم أرغب بتصويرهم كأعداد. قصة خاصة من لاجئ واحد كانت ستكفي. المؤثر خلال مكوثي في الجزيرة هي سترات النجاة. وقبل السفر شاهدت مكباً لتلك السترات نشره موقع اطباء بلا حدود ووجدته في آخر يوم لإقامتي وشكل فاتحة الفيلم. مشهد مرعب للغاية. فكل سترة تخفي خلفها قصة إنسان.
*وقد يكون أحد هؤلاء في البحر؟
**ليس الأمر افتراضاً، بل هو واقع.
*تصوبين في أفلامك على حالات البشر. فيلم “كهربا لبنان” جمع سارق كهرباء وآخر حطمته الكهرباء. هل صدر حكم بدعوى ذاك الرجل على الدولة قبل وفاته؟
*أعبر في السينما عن ما أعيشه في الحياة. قد أكون اخترت السينما لأتمكن من التعبير. أجد نفسي ابحث عن قصص الناس لأحكي عنها، وليس عن قضية بالمطلق. اخترت الكهرباء ليس بحد ذاتها، بل لجهة أثرها على البشر. ذاك الرجل تأثرت به وشبهته بأبطال الأدغال. رجل ليس لديه ما يخسره. رفع دعوى على الدولة وعلى شركة كهرباء لبنان لأن زوجته الرومانية لم تعد تحتمل الحياة في لبنان. حملت ولديها وسافرت إلى وطنها، وبقي وحيداً. حكاية حقيقية وبإمكانها في مكان ما أن تكون عبثية. حصل الرجل على الحكم الأول لكن الدولة وشركة الكهرباء ميزتا الحكم، ونظراً للعطل القضائية الطويلة وتأجيل الدعاوى لأي سبب، طلب القاضي العودة بعد شهر. رحل الرجل عن الحياة في خلال 23 يوماً.
*كمخرجة للفيلم الوثائقي هل تجدين سهولة في التمويل؟
**التمويل رحلة نبدأها وعلينا انتظار الوقت الذي تستغرقه. في فيلم “بمشي وبعدّ” بدأت التصوير ولم أفكر بالتمويل ولا برقابة التلفزيون. تحركت بدوافع مهنية وإنسانية.
*ما هو مشروعك المقبل؟
**أكتب وأخرج الأفلام، وأملك شركة إنتاج. حالياً أنا بصدد إنتاج فيلم لفرح قاسم “نحن في الداخل”. يحكي قصة فرح التي تعود إلى مدينتها طرابلس بعد عشر سنوات من الغياب. تعيش مع والدها وتكتشف منتدى طرابلس الشعري الذي أسسه والدها مع مجموعة من مجايليه وتنخرط فيه.
*كعضو مؤسس في بيروت دي سي كيف تقرأين في تطور هذه الفعالية السينمائية؟
**بل انضممت للمؤسسين بعد ثلاث سنوات. منذ البدء حتى الآن يمكن القول بتطور كبير في موضوع السينما العربية المستقلة، وبخاصة في لبنان. فبعد انتهاء الحرب ازدهر العمل على الفيلم الوثائقي، وكان تمويله أسهل بكثير من الروائي. وساهم بذلك اختراع كاميرات الديجيتال. ولأن أهل السياسة في لبنان أرادوا محو كل ذاكرة الحرب، وجد المخرجون ضرورة للتعبير عن معايشتهم لها وعن الأوقات التي شكلت “تروما” بالنسبة لهم. وهكذا كان اجتهاد ملحوظ في انتاج الأفلام، عرضها وتوزيعها. نواة الأفلام الوثائقية تطورت كثيراً داخل بيروت دي سي. كانت لنا شراكات مع الدول العربية. وكذلك تعددت المهرجانات السينمائية في الدول العربية. وكان تركيز على تطوير عمل المنتجين، وتواجدت صناديق الدعم. فتطورت صناعة الأفلام الوثائقية.
*تعدد مهرجانات السينما في بيروت أين يتقاطع وأين يتكامل؟
**ليس لبيروت سوى أن تنبض بالثقافة. هذا جميل في بيروت، وهذا ما يجعلنا نحبها. هناك من يفكر على الدوام بمشاريع ثقافية وبخلق شبكات بين الناس. لا شك أن تلك المهرجانات تتزامن مع بعضها أحياناً ونحتار في الإختيار، إنما هذا صحي وجميل وليس له سوى أن يتكامل.