انعقدت لجنة تعيين القضاة الخميس للبحث في تنحية قاضي المحكمة العليا خالد كبوب. في الأيام العادية، كان يمكن لمثل هذا الحدث أن يحظى بعناوين رئيسة في الصحف ويستهل نشرات أخبار التلفزيون. لكنها ليست أياماً عادية، بل مجنونة. مجرد البحث في تنحية قاضٍ يثبت مدى جنوننا.
قضية القاضي مثال من أمثلة عديدة على الشر والغباء ونزعة القوة التي تهدد بطمس الحياة هنا. هذا ما يحصل عندما يعمل الصحافيون كسياسيين ويعمل السياسيون كقضاة، وكل هذا تحت هالة مزيفة من الديمقراطية وحق الجمهور في المعرفة.
لم يكن لي شرف التعرف على القاضي كبوب حتى اليوم. لا كمتهم ولا كشاهد ولا كمدعٍ أو حتى صحافي. المجال الذي يختص به – مخالفات اقتصادية – بعيد عن مجالات عملي. المطالبة بتنحية القاضي عللت أنه وصل بأقدامه إلى تدشين مكاتب محامين لابنه وابنته، والتقطت له صور على خلفية صورته التي علقتها ابنته على حائط مكتبها. وبزعم المطالبين بالتنحية، فإنه بذلك تجاوز قواعد أخلاقيات المهنة للقضاة، التي تحظر على القاضي الترويج لأعمال تجارية خاصة، لأبنائه أو لغيرهم.
في نظرة سطحية، هو ادعاء محق: القاعدة قائمة والقاضي تجاوزها؛ أخطأ هو وابناه، لكن أي نظرة أكثر جدية قليلاً تكشف مدى سخافة الادعاء. إذا كان اسم قاض في المحكمة العليا يروج لحياة مهنية لمحامٍ، فيجب على أبناء أهارون باراك وإسحق زمير وآخرين، أن يحظروا فتح مكاتب محامين تحمل أسماء عائلاتهم. فليغيروا الأسماء أو يغيروا المهنة. وعلى الرغم من ذلك: من يكبد نفسه عناء الدخول إلى مكتب يحمل اسم كبوب لا يحتاج إلى صورة على الحائط كي يعرف من الأب وأين يعمل. بداية، فتشوا عن الرجل، وبعد ذلك وجدوا الصورة.
كل شيء يبدأ في منظمة يمينية تسمى “لفي”، وهي جمعية مسجلة، أهدافها المعلنة حقوق المواطن، والإدارة السليمة، وتشجيع الاستيطان. في الحيز اليميني – الديني تزدهر بضع منظمات كهذه: كل منها تغذي السياسيين وصحافيي اليمين بقصص خاصة به، بأعدائه، بمؤامراته. وقد قررت منظمة “لفي” استهداف القاضي المسلم الأول الذي يتبوأ منصباً في المحكمة العليا.
لماذا هو بالذات؟
لأنه عربي، مسلم؟ لأن تنحيته ستخلي مكاناً – ويا له من مريح – لقاضي عليا آخر من منتخب روتمان – لفين؟ لعل كل واحدة من هذه الإمكانيات صحيحة. الاهتمام الحماسي بحياة القاضي كبوب ولّد مؤخراً نشراً صاخباً آخر: فقد شوهد في مقهى كان فيه أيضاً رئيس بلدية تل أبيب رون خولدائي. لا أعتقد أن أحداً فكر بفحص مع من يجلس قاضي العليا نوعم سولبرغ في الكنيس يوم السبت، وكم من الوقت ولماذا.
الحملة ضد كبوب تأخذ إلهامها من اليمين واليسار؛ تأخذ من اليمين التطلع لإقصاء العرب وإخفائهم عن الميدان؛ ومن اليسار نزعة الطهارة وانشغالاً مهووساً لأخطاء آخرين حقيقية ووهمية. أما هذا الخليط فيعني الاضطهاد. إسحق كرويزر من حزب بن غفير، واوريت ستروك من حزب سموتريتش، يجلسان في لجنة تعيين القضاة. رئيس اللجنة يريف لفين، حليفهما. يفترض أن تحيي اللجنة الانقلاب النظامي من جديد: ما لم ينجح في الشارع والكنيست، سينجح من خلال تعيين قضاة عنهم في كل المستويات، من “العليا” حتى “الصلح”. لقد أوقف لفين الخميس تصويت اللجنة لأنه شعر بأغلبية لترفيع قاضية. برأيه وبرأي الكهانيين، لم تعاقب متهمين عرب على نحو كاف. لا يعنيه المستوى المهني للقضاة بل أصلهم ودينهم وأفكارهم السياسية.
هكذا كان في بولندا وهنغاريا، وهكذا كان في سلسلة من الدول الفاشية. القتال في غزة وفي الشمال لا يهم متزمتي اليمين في الحكومة: لديهم حربهم الخاصة، الحرب على تغيير وجه الدولة. كل يوم وبشراه. مرة التعليم، ومرة الشرطة، ومرة تجنيد الحريديم، ومرة المواصلات، ومرة التفوق اليهودي، ومرة العنصرية.
ليس للإسرائيليين الذين يرون في هذه المسيرة خطراً وجودياً ترف إغماض العيون. في استعارة لقول بن غوريون الشهير، ينبغي أن نقاتل ضد حماس وكأنه لا توجد حكومة كهانية، ونقاتل الحكومة الكهانية وكأنه لا توجد حماس.
ناحوم برنياع
يديعوت أحرونوت 4/3/2024