القاهرة ـ «القدس العربي»: تمر هذه الأيام الذكرى الـ 109 لميلاد نجيب محفوظ (11 كانون الأول/ديسمبر 1911ــ 30 اب/أغسطس 2006). وكانت أحدث ظاهرة في مصر ارتبطت بأديب نوبل هي افتتاح متحف خاص بمقتنياته يحمل اسمه أخيراً، بعد فكرة تأسيسه عام وفاته، حتى افتتاحه مؤخراً في تموز/يوليو من العام الفائت.
كانت البداية عندما رحل نجيب محفوظ، فاستفاقت وزارة الثقافة المصرية في عهد الوزير الفنان فاروق حسني، وقررت إقامة متحف يليق بمكانة الرجل، وكأنها كانت تنتظر لحظة وفاته، حتى يصير جديراً بمتحف يحمل اسمه. وبعد التردد في اختيار المكان، ما بين تكية أبو الدهب أو قصر بشتاك، استقر الأمر على التكية، بداية من مدلولها الرمزي في كتابات محفوظ، كذلك اقترابها من بيت طفولته في حي الجمالية، والذي يبتعد عنها حوالي كيلومتر واحد. وانتشرت الأخبار في الصحف وهللت كعادتها للفكرة المباركة، وكما هللت استنامت ونست، ثم تواترت الأخبار مرّة أخرى عن بدايات العمل في المتحف، وأن التوقف كان بسبب 25 كانون الثاني/يناير 2011 ــ شماعة كل الأخطاء ــ حتى تم الافتتاح بعد ثماني سنوات من ثورة يناير، ولا ندري سبب التأخير هذه المرّة، إلا أن الأمر لم يمر مرور الكرام، وكان لابد من استغلال الحدث، بداية من التبشير بالافتتاح في ذكرى 30 حزيران/يونيو 2019 حتى يبدو من إنجازات النظام، ثم تأجل حتى تموز/يوليو ــ من حزيران/يونيو مش فارقة كلها أشهُر انقلابات ــ ولكنه تم ولله الحمد.
تكية أبو الدهب
تعد تكية محمد بك أبو الدهب من أهم التكايا المصرية، والتي شيدت عام 1187هـ/1774م، لتكون بمثابة مدرسة مساعدة للأزهر الشريف في رسالته العلمية، حيث تقع بجوار الجامع الأزهر، ولها مدخلان أحدهما على الشارع نفسه، وهو مدخل المسجد، والآخر يطل على سوق التبليطة، وهو مقر المتحف. وتتكون التكية من 3 أدوار، خُصص منها الأول والثاني للمتحف، بينما الأخير حتى الآن عبارة عن مكاتب إدارية لوزارة الآثار، والتي تعهدت بالإخلاء حتى يصبح بالكامل خاصا بمتحف نجيب محفوظ. إلا أن المشكلة تكمن في باب المتحف، والذي يواجه أحد الأسواق، حتى أنه منذ أيام تداولت مواقع التواصل الاجتماعي صورة لباب المتحف تحيطه القمامة تماماً، فتنصل مسؤولو الثقافة، وألقوا بالتهمة على مسؤولي الآثار، الذين بدورهم أوكلوها لمسؤولي حي الجمالية. المهم إن “الشو” حصل، وتم التقاط الصور للوزيرة وضيوفها.
المتحف
رغم أن كل المقتنيات تبرعت بها أسرة محفوظ ــ ما عدا ميدالية نوبل الأصلية ــ إلا أن هناك العديد من المقتنيات والأشرطة، سواء التلفزيونية أو الإذاعية لا تتواجد في المتحف، وكانت هناك مناشدة دائمة بضم هذا التراث إلى المتحف، حتى يصبح بالفعل جامعاً لكل ما يخص نجيب محفوظ.
ونبدأ من البوابة، التي بعد عبور بابها الرئيسي نجد صورة كبيرة لنجيب محفوظ تتوسط صحن التكية، مع مجموعة من اللوحات على الجدران تحمل صوراً وعبارات تحكي مشواره الروائي، من خلال مقتطفات من رواياته، إضافة إلى عدة قاعات على كل منها لوحة تحمل عنواناً دالاً، كقاعة للندوات، وأخرى مكتبة سمعية بصرية، ومكتبة نقدية تضم بعض الأبحاث والدراسات عن نجيب محفوظ، وهي قليلة جداً مقارنة بما تم إنجازه بالفعل من دراسات ومتابعات نقدية لأدب محفوظ. إضافة إلى مكتبة لمؤلفاته ــ الكثير من الطبعات الأولى لرواياته غير موجودة ــ ومكتبة أخرى لأعماله التي تمت ترجمتها إلى لغات أجنبية. وكذلك بعض الكتب من مكتبة محفوظ الشخصية.
الحارة
تضم هذه القاعة فيلماً وثائقياً أخرجته سميحة الغنيمي، بطله نجيب محفوظ، الذي يتحدث عن الحارة وأثرها في نشأته وانعاكسها من خلال مؤلفاته، بالمعنى الفلسفي والاجتماعي، الذي شيد من خلالها رمزاً للعالم، والتي بدورها تتماس ومجتمعات أخرى، قد تكون بعيدة عن مصر وعالمها، ولكنها اتخذت معنى أعمق وأشمل.
السينما
ومن خلالها يتم عرض العديد من المشاهد السينمائية، التي كانت روايات محفوظ مادة لها. كما أن بها مكتب محفوظ الشخصي، الذي شهد كتابة الكثير من أعماله.
فيلموغرافيا
وتحتوي هذه القاعة على صور فوتوغرافية للقطات من الأعمال السينمائية التي تناولت روايات محفوظ، خاصة أبرز هذه الأعمال والشخصيات، كالثلاثية، “ميرامار، الحب فوق هضبة الهرم، اللص والكلاب” والكثير الكثير من الأعمال، واللافت أن اللوحات التي تحمل اللقطات يتم كتابة أسماء الشخصيات الروائية فقط، بدون اسماء الفنانين، مثل، سعيد مهران، السيد أحمد عبد الجواد، سمارة بهجت، زهرة، نور، رجاء، علي عبد الظاهر، وغيرها الكثير.
التجليات
وهو اسم يقترب أكثر من أشهر أعمال جمال الغيطاني، وهنا يتم استعراض حوارات قام بها الغيطاني مع محفوظ، في حلقات تلفزيونية بعنوان “تجليات مصرية” ومن خلالها يتحدث محفوظ عن القاهرة وكيفية تمثيلها من خلال أعماله، وكيف تمت صياغة هذه الحكايات، سواء تصدر المكان البطولة، أو الشخصيات الحقيقية التي استلهم منها محفوظ شخوصه الروائية.
نوبل
تتوسط هذه القاعة شهادة جائزة نوبل، ونسخة من الميدالية ــ أسرته تحتفظ بالأصل ــ إضافة إلى عرض نص خطبة محفوظ التي تم إلقاؤها عند تسلم الجائزة ــ ألقاها محمد سلماوي نيابة عنه ــ وكذلك نطالع على الجدران صوراً فوتوغرافية لحائزي نوبل في الآداب على مدار تاريخها، منذ تأسيسها عام 1901. ومن نوبل إلى قاعة فيها العديد من الدروع والأوسمة، كجائزة الدولة، وقلادة النيل.
أصداء السيرة
وتقترب هذه القاعة أكثر من الجانب الشخصي في حياة محفوظ، بداية من لقطات فوتوغرافية لمراحل حياته، وكذلك لقاءاته ورفاقه من شِلة (الحرافيش) الشهيرة. وأيضاً مقتنياته الشخصية، نظارة القراءة، الولاعة، مبسم السجائر، العديد من القبعات، وبعض الملابس، أهمها (بالطو) شهير، تم ترميمه مؤخراً.
أحلام الرحيل
وتستعرض هذه القاعة مراحل محفوظ الأخيرة، بداية من محاولة اغتياله الفاشلة، وآثارها التي استمرت حتى رحيله، وهنا نجد، سماعة الأذن، عدسة مكبرة، كراسات كان يتدرب فيها على الكتابه، بعدما أصبحت يده لا تطاوعه. وبجانب ذلك نجد أيضاً (الملف الوظيفي) الخاص به، والمناصب الذي تقلدها طيلة مسيرته الوظيفية، كأشهر موظفي الدولة المصرية، بداية من وزارة الأوقاف، ثم الثقافة وإدارته لمؤسسة السينما، وحتى بلوغه سن التقاعد.
وفي الأخير “قاعة رثاء” التي تحوي تمثالاً نصفياً لنجيب محفوظ، وشاشة عرض تتوالى من خلالها عبارات مختارة من أعماله عن الحياة والموت.