منذ إبعاده عن المنتخب الوطني الفرنسي لكرة القدم، سنة 2016 لأسباب كانت حينئذ قضائية، لم تتوقف فرنسا عن تكرار واجترار وإعادة طرح قضية المهاجم الفرنسي، جزائري الأصل، كريم بنزيمة؛ تحت هذا العنوان: لماذا، وهو بين أفضل مهاجمي العالم حالياً، يتواصل إقصاؤه عن المنتخب، رغم أنّ القضاء برّأه في الملفّ الذي كان أصلاً وراء إبعاده؟ وهل، استطراداً، وبالنظر إلى تدخّل الساسة والإعلام والرأي العام العريض، ثمة بالفعل نوازع عنصرية في خلفية القضية؛ تتجاوز الرياضة بالطبع، وتضرب بجذورها في تاريخ فرنسا الاستعماري مع الجزائر خصوصاً، ثمّ هذا أو ذاك من رواسب العنصرية في باطن المجتمع العميق؟
كان مفهوماً، بصرف النظر عن صوابه أو خطأه، أن تُجمع نسبة غالبة من المواطنين في فرنسا على إدانة بنزيمة وتقبّل إبعاده عن المنتخب في سنة 2016؛ خاصة حين تبارى الساسة، يميناً ويساراً وعلى أعلى المستويات، في مباركة قرار المدرّب الوطني ديدييه ديشان الذي استبعد المهاجم من المنتخب. ثمّ كان مفهوماً، وإنْ أقلّ ربما، أن ينتفض فرنسيون ضد تصريح بنزيمة بأنّ ديشان قد خضع لضغوط «جزء عنصري» من فرنسا؛ وهو جزء لا يمكن نكرانه حتى إذا نزّه المرء المدرّب الوطني عن الميل العنصري الشخصي. غير مفهوم، إلى هذا، أن يتواصل حرمان الفتى من المشاركة في كأس العالم 2018، ثمّ بطولة أوروبا 2020؛ وأن يخرج رئيس الاتحاد الفرنسي لكرة القدم نويل لوغريت بتصريح يعلن فيه أنّ «مغامرة بنزيمة مع المنتخب الفرنسي انتهت»، متجاوزاً بذلك صلاحية المدرّب الوطني.
ألم تفزْ فرنسا بكاس العالم للمرّة الثانية، العام الماضي فقط، بفريق ما زال متعدد الألوان والأعراق والأصول؛ فلماذا لا ترقى إلى مستوى النجمة الثانية على الصدر، فتغفر لاحد أفضل مهاجميها ما برأته فيه المحاكم المتعاقبة
هل يُعدّ موقف لوغريت أحدث فصول الخضوع، الإرادي أو العفوي، لذلك «الجزء العنصري» من فرنسا، الذي يتعاظم ويتفاقم؟ أم هو مجرّد استئناف روتيني، غبيّ بعض الشيء، لسجال 2016، حتى دون أن يطرأ جديد على الملفّ (ما عدا، غنيّ عن القول، تألّق بنزيمة أكثر فأكثر مع ريال مدريد مؤخراً)؟ أميل شخصياً إلى ترجيح قسط من الاعتبارين، معاً وبتلازم وثيق ربما؛ إذْ أنّ الفريق الوطني الفرنسي الذاهب إلى بطولة أوروبا لا تنطبق عليه، البتة، صفة الانتقاء العنصري، لأنه أبيض وأسمر وأسود من حيث الأعراق، ويضمّ لاعبين من أصول وجنسيات شتى. الأمر الذي لا يلغي السؤال اللاحق: فلماذا، إذن، يتواصل إبعاد هذا الفرنسي، جزائري الأصل؟ وهل جميع أفراد الفريق الحالي أطهار أخيار، بلا إثم هنا أو خطيئة هناك؟ أم أنّ فرنسا الراهنة، في حمأة احتدام التقاطع بين القوى النيو ــ ليبرالية والقوى الفاشية العنصرية، لن تحتمل عودة بنزيما؛ مكتفية بالنجم الساطع كليان إمبابي، ابن الأمّ الجزائرية والأب الكاميروني؟
هي، في كلّ حال، ليست فرنسا 1998 التي فازت بكأس العالم لكرة القدم للمرّة الأولى في تاريخها، فاكتظت جادّة الشانزيليزيه الشهيرة بأعداد من البشر فاقت ما احتشد في الجادّة نفسها سنة 1944، أثناء مسير الجنرال شارل ديغول احتفالاً بتحرّرفرنسا من الاحتلال النازي. يومذاك كانت ألوان الفريق الوطني قد شهدت امتزاجاً فريداً للأصول والأعراق، دفعت الفرنسيين إلى صحوة مباغتة على هذه الحقيقة الكبرى، التي لاح أنّ الملايين بينهم يكتشفونها للتوّ! ولم تكن مبالغة أنّ تسعة أعشار المواطنين الفرنسيين، المتحدرين من جذور أفريقية سوداء أو مغاربية أو أجنبية عالمثالثية عموماً، تنفسوا الصعداء حين أحرز اللاعب الجزائري الأصل زين الدين زيدان هدف التقدّم الأوّل ضدّ البرازيل العريقة، ثم سجّل هدف الطمأنينة الثاني؛ تماماً كما كانت هذه حالهم حين كان اللاعب الأسود، ليليان تورام، هو صاحب الهدفين ضدّ كرواتيا. فرحوا بالطبع، أسوة بأيّ مواطن فرنسي آخر أياً كان لون بشرته؛ ولكنهم تنفسوا الصعداء قبل الفرح، أو لعلهم فرحوا على نحو مضاعف بسبب من زفرة الارتياح تلك.
غير أنّ ذلك «الجزء» من فرنسا، العنصري بلا مواربة أو مجاملة أو حياء، احتاج إلى سنتين فقط بعد فورة 1998، لكي يعود إلى ازدراء فريق وطني يضمّ لاعباً مثل نيكولا أنيلكا؛ خاصة حين رشحت أنباء عن شتائم مقذعة تبادلها مع المدرّب الوطني ريمون دومينيك، وتوجّب بالتالي استعادة بشرته السوداء كي تُلصق به الآثام جمعاء! وكرة القدم بطبيعتها توقظ حسّ الفخار القومي وراء التصارع الرياضي الطبيعي، فينقلب الملعب إلى ميدان استذكار للخصوصيات القومية والإثنية والثقافية؛ فإذا جُرح هذا كلّه، أو معظمه، فإنّ نقائض اللحمة هي التي تستيقظ، ومعها تستفيق الولاءات العصبوية، وتنزيه الذات مقابل تأثيم الآخر، فيتحمل أنيلكا مسؤولية مهانة فرنسا، وليس المدرّب أبيض البشرة (حتى إذا كان فاشلاَ!).
ولكن… ألم تفزْ فرنسا بكأس العالم للمرّة الثانية، العام الماضي فقط، بفريق ما زال متعدد الألوان والأعراق والأصول؛ فلماذا لا ترقى إلى مستوى النجمة الثانية على الصدر فتغفر لاحد أفضل مهاجميها ما برأته فيه المحاكم المتعاقبة؟ ولماذا، بدل استغلال تصريح زين الدين زيدان بأنّ بنزيما أفضل من يرتدي القميص 9 اليوم، يلجأ لوغريت إلى صبّ الزيت على النار وإحلال نفسه محلّ المدرّب الوطني في سدّ الأبواب كافة أمام الفتى؟
ومتى سوف ينحني ذلك «الجزء» من فرنسا، أمام الكلّي فيها، والجَمْعي الجامع؟