بنشيد “هتكفاه” في عواصم عربية.. هكذا تتبدد مخاوف إسرائيل من وجودها الإقليمي “المؤقت”

حجم الخط
0

يلتقط الأولاد في الإمارات صور السيلفي وهم يلوحون بأعلام إسرائيل على خلفية نشيد “هتكفاه”. وعلى طائرة “إلعال” التي ستطير هذا الصباح مباشرة من مطار بن غوريون إلى مطار أبو ظبي للمرة الأولى، طبعت بصورة احتفالية كلمة “سلام” بالعبرية والعربية. وتتبادل شخصيات رفيعة في الدولتين، بصورة مكشوفة، التهنئة القلبية وبرامج مشتركة لمستقبل وردي أكثر.

   لم يتم توفير أي بادرة أو جهد من جميع الأطراف المعنية لجعل اتفاق التطبيع بين إسرائيل والإمارات تاريخياً واحتفالياً ومثيراً بقدر الإمكان.

   يبدو أن المشهد لا يشغل الجمهور الإسرائيلي في موضوع وطني – جماعي عظيم، بما في ذلك صراعات مع أو ضد من النوع الذي تثيره اتفاقات سلام تاريخية. ليس لأن أحد ما “ضد”، فالقليلون جداً في إسرائيل أطلقوا مواقف ضد المبادرة نفسها. هذه الأجواء لا تسري فقط في صفوف اليسار “الحامض”. ويمكن تسمية الأجواء العامة في إسرائيل تجاه الاتفاق “تأييداً لامبالياً”.

   ويتنوع تفسير ذلك منذ الإعلان الدراماتيكي، فهناك من يؤكدون أن أي خطوة بقيادة رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو وبقيادة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ستحظى هذه الأيام برد أوتوماتيكي من جانب مؤيديه أو معارضيه. تحول نتنياهو وترامب إلى شخصيات مستقطبة جداً، إلى درجة يصعب على المشاركين في الحملة ضدهما أو لصالحهما النظر إلى الوقائع عبر منظار آخر. قل لي ما رأيك بنتنياهو من واحد إلى عشرة وسأقول لك بسهولة كم ستتحفظ من الاتفاق طبقاً لذلك.

   إن الظروف السياسية، من حيث التقسيم التقليدي بين اليمين واليسار، بينت أن اليمين غير البيبي لم يكن سعيداً من التنازل عن الضم مقابل التطبيع. أما اليسار، المسرور من ذلك، فهو أيضاً غير سعيد من تداعيات العلاقات مع الذين يمكن أن يتفاوضوا معهم: الفلسطينيون.

   بدلاً من بلورة رسالة كان يمكن أن توحد أجزاء أوسع حول هذه الخطوة، استغل نتنياهو هذه الفرصة كالعادة لكي يصطدم مع اليسار ويدعي بأنه حطم الادعاء الأساسي للمعسكر الذي يقول إن السلام مع العالم العربي مقرون بتقديم تنازلات للفلسطينيين. إن التنازل عن الضم يصعب على طرح ادعائه حتى لو أمكننا إجراء نقاش أكثر تعقيداً حول هذا الموضوع.

   في هذا السياق، يتعلق الأمر بسلام في وقت لم تكن فيه أي حرب على الإطلاق مع دولة ليست لها حدود مباشرة مع إسرائيل، في حين معروف جداً لمعظم الجمهور أن سبق وعقدت معها علاقات متشعبة خلال سنوات كثيرة في مجالات عدة، حتى لو كانت سرية، كل ذلك يقلل من الهالة التي يريد قادة الاتفاقات منحها إياها. هناك عدد غير محدود من الأبحاث التي كتبت عن العلاقات النفسية بين الألم والسعادة، لكن من علاقات الحرب والسلام، لا يبدو حكم التطبيع مثل حكم السلام المأمول الذي جاء بعد سنوات من الصدمة.

   إنه سلام لم يشعر معظم مواطني إسرائيل بغيابه، لذا فقد فجأة بالمجان. ورغم كل محاولات إعطاء الإمارات صورة الهدف السياحي الجذاب، فإن لب الموضوع هنا هو لصالح القطاع التجاري وليس لكل شخص.

   تنضم إلى كل هذه التفسيرات ظروف خاصة للفترة، أو “الحياة نفسها”، حسب تعبير نتنياهو. في أيام كورونا ينشغل الإسرائيليون في المقام الأول بصحتهم ومداخيلهم. فالوباء هز حياة كثير من العائلات، إلى درجة أن أي هدية في مجال آخر تعدّ أمراً جيداً، لكنها ليست حيوية بالدرجة نفسها. إن التقارير القادمة من برج خليفة تعدّ لكثيرين ممن يواجهون البطالة والخوف فترة هدنة إيجابية ولطيفة من صعوبات روتين كورونا، لكن ليس أكثر من ذلك بكثير.

   ثمة تفسير آخر محتمل لتأييد الجمهور الإسرائيلي غير المبالي بحدث السلام هذا. فبعد أكثر من سبعين سنة على الاستقلال، لم تعد إسرائيل دولة معرضة لخطر وجودي، واستبدل الخوف الوطني – الجماعي من التدمير بمخاوف طبيعية تماماً من تهديدات شخصية أكثر، شخصية وعائلية.

   لم يعد في إسرائيل 2020 إحساس بالوجود الإقليمي المؤقت. مع أو بدون الاعتراف الرسمي من دول عربية، ولم يعد هناك خوف حقيقي ويومي من الزوال كمجموعة. في المقابل، ليس هناك تطلع خاص لتغيير الوضع القائم. هذا هو التطبيع الحقيقي.

بقلم: نوعا لنداو

 هآرتس 31/8/2020

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية