وسط التوترات الجيوسياسية التي تجتاح العالم، من حروب الشرق الأوسط إلى أوكرانيا إلى التوتر في بحر الصين الجنوبي، تباينت سياسات البنوك المركزية العربية تجاه الذهب، في الوقت الذي تواصل فيه الأسعار تقلباتها الشديدة. وخلال الربع الأول من العام الحالي استمر اهتمام البنوك المركزية العربية بإضافة كميات كبيرة من الذهب إلى احتياطي العملات الأجنبية، حيث زاد العراق احتياطاته بكمية بلغت أكثر من 10 أطنان، وزادت قطر احتياطيها بكمية 3 أطنان، ومصر بكمية طن واحد. وحلّت 5 دول عربية بقائمة أكبر 30 دولة على مستوى العالم امتلاكًا لاحتياطيات الذهب، وهي السعودية ولبنان والجزائر والعراق وليبيا، طبقا لبيانات مجلس الذهب العالمي. وبعد أن لامس سعر الأوقية مستوى 3500 دولار في شهر نيسان/ابريل الماضي، تراجع سعر المعدن النفيس، ثم عاد لارتفاع قوي مع الضربة الافتتاحية للحرب الإسرائيلية – الإيرانية. لكن قوة الارتفاع أخفقت في الحصول على دعم من العمليات العسكرية، بعد أن ردت إيران بقوة على إسرائيل. كذلك فإن الضربة الأمريكية غير المسبوقة للمنشآت النفطية الإيرانية فشلت في أن تطلق أسعار الذهب إلى مستويات أعلى جديدة. ثم جاء إعلان ترامب بوقف الحرب بين إسرائيل وإيران لتهبط أسعار الذهب بنسبة تتجاوز 2 في المئة وتلامس حاجز 3300 دولار للأوقية، بخسارة 200 دولار عن أعلى مستوى سجلته منذ بداية العالم الحالي، وسط موجة بيع كبيرة.
نطاق واسع لتقلبات الأسعار
وفي الوقت نفسه فإن توقعات مؤسسات الاستشارات المالية الكبرى تكشف عن تباين شديد، حيث أن البعض منها يرجح ارتفاع سعر الأوقية إلى حوالي 6000 دولار، في حين أن البعض الآخر يرجح ألا يتجاوز السعر 4000 دولار بنهاية العام الحالي. وسط هذا التخبط الشديد في التوقعات فضلت بعض البنوك المركزية العربية، مثل المغرب وتونس والبحرين والسعودية اتخاذ موقف حيادي تجاه هيكل احتياطي النقد الأجنبي والذهب، في حين اتبعت بنوك مركزية في دول أخرى مثل الإمارات وقطر ومصر والأردن سياسة نشطة في شراء الذهب لتعزيز قوة عملاتها أو حماية قيمتها من التقلبات، خصوصا على ضوء الخسائر التي تلحق بالدولار، وانخفاض قيمته مقابل العملات الرئيسية الأخرى. بشكل عام انقسمت سياسات البنوك المركزية العربية إلى مسارين، الأول يتبع منطقة نفوذ الدولار خصوصا الذي اتجه إلى زيادة حيازة الذهب لتعويض خسائر الدولار، والثاني يتبع منطقة نفوذ اليورو في دول المغرب العربي، مع وجود سياسة حيادية في الدول النفطية الخليجية باستثناء قطر والإمارات. وطبقا لتقارير مجلس الذهب العالمي عن اتجاهات حيازة الذهب في هيكل احتياطي العملات الأجنبية خلال الفترة من 2019 إلى نهاية 2024 فإن الإمارات زادت كمية الذهب في الاحتياطي إلى 74.4 طن من 22.5 طن في بداية الفترة، بنسبة زيادة تصل إلى 230 في المئة. وفي الاتجاه نفسه سار البنك المركزي القطري، حيث زاد كمية احتياطي الذهب إلى 110.8 طن مقارنة بـ 42.4 طن، بنسبة زيادة تتجاوز 160 في المئة. أما في بقية الدول النفطية الخليجية فقد اتبعت البنوك المركزية سياسة حيادية، حيث لم تتغير كمية الذهب في الاحتياطي وبقيت في نهاية الفترة مثلما كانت عليه قبلها. في السعودية على سبيل المثال بلغت كمية الذهب في هيكل الاحتياطي لدى مؤسسة النقد السعودي 323.1 طن بدون تغيير عما كانت عليه في بداية الفترة، وذلك رغم الضغوط التي يرزح تحتها الدولار مقابل العملات الرئيسية الأخرى في العالم.
وفي الدول العربية غير النفطية، التي تقع داخل دائرة نفوذ الدولار الأمريكي، سارت البنوك المركزية في اتجاه زيادة حصة الذهب من الاحتياطي النقدي، لتعويض الهبوط في سعر الدولار، ومقاومة الضغوط التي تتعرض لها عملاتها الوطنية. وقد برزت في الاتجاه سياسة البنك المركزي في كل من مصر والأردن. ففي مصر ارتفع رصيد الذهب في الاحتياطي النقدي من حيث الكمية إلى 126.9 طن مقارنة بـ 79.3 طن بنسبة زيادة تصل إلى 60 في المئة. كما ارتفعت كمية احتياطي الذهب لدى البنك المركزي الأردني إلى 71.6 طن في نهاية العام الماضي مقارنة بحوالي 43.7 طن عام 2019 بنسبة زيادة تتجاوز 60 في المئة أيضا. ومن الملاحظ أن ليبيا اتجهت هي الأخرى إلى زيادة حيازة البنك المركزي من الذهب بنسبة تتجاوز 25 في المئة خلال فترة المقارنة، لتصل الكمية إلى 146.6 طن مقابل 116.6 طن في عام 2019. أما في الدول العربية الواقعة داخل نفوذ منطقة اليورو، فإنها جميعا كانت أقل احتياجا إلى زيادة حيازة بنوكها المركزية من الذهب، فبقيت على حالها تقريبا في المغرب وتونس والجزائر من دون أي تغييرات.
وقد شهدنا منذ بداية العام الحالي انخفاضا ملموسا للدولار أمام العملات الرئيسية الأخرى، بما في ذلك اليورو، المنافس الأكبر للعملة الأمريكية. وتعرض سعر صرف الدولار الأمريكي مقابل اليورو لتحول ملحوظ، حيث انخفض من 1.0287 دولار أمريكي إلى 1.1350 دولار أمريكي لليورو الواحد. هذا التحول حدث على الرغم من استمرار مجلس الاحتياطي الفيدرالي في سياسة التشديد الكمي. ويشير هذا الاتجاه إلى مزيد من مخاطر انخفاض الدولار في المستقبل القريب، بناءً على السياسة المالية والمعركة الحالية بشأن الرسوم الجمركية. في منتصف كانون الثاني/يناير الماضي كان شراء يورو واحد يتطلب 1.0287 دولار أمريكي. هذه المعادلة تغيرت في منتصف الشهر الحالي لصالح اليورو من جديد، حيث أصبح شراء يورو واحد يتطلب 1.1350 دولار أمريكي. ويبدو أن ما تسبب في تغيير قيمة الدولار الأمريكي هو توقع المتعاملين في السوق ارتفاع التضخم الأمريكي نتيجة رفع الرسوم الجمركية. ولم يكن ارتفاع اليورو هو المظهر الوحيد لتراجع الدولار، وإنما كان الإقبال على الذهب مع التخارج من أصول مالية أمريكية له الأثر الأكبر في حدوث هذا التراجع. وطبقا لتقرير أصدره البنك المركزي الأوروبي فإن الذهب وليس اليورو أصبح ثاني أكبر عملة احتياطي لدى البنوك المركزية في العالم بعد الدولار من حيث القيمة للمرة الأولى منذ ستينات القرن الماضي. وطبقا للتقرير فإن حصة الذهب واليورو في احتياطي البنوك المركزية في دول العالم كانت في حدود 16.5 في المئة لكل منهما حتى عام 2023. لكن حصة اليورو انخفضت في نهاية العام الماضي إلى 16 في المئة فقط، في حين ارتفعت حصة الذهب إلى 19 في المئة، مع استحواذ الدولار الأمريكي على النسبة الأكبر من الاحتياطي (47 في المئة). ويلعب الاحتياطي النقدي من العملات الأجنبية والذهب دورا محوريا في مكافحة التضخم وتنويع محافظ الاستثمار.
البنوك المركزية واستقرار أسعار الذهب
تحتفظ البنوك المركزية بأصول سائلة، مثل العملات الأجنبية والذهب، للتحوّط من التضخم ولتنويع استثماراتها. وتستطيع البنوك المركزية التعامل في الأصول المملوكة لها (الاحتياطي) لإدارة سياسة نقدية مرنة تحقق القدر الكافي من الاستقرار لقيمة العملة الوطنية. ففي الأوقات تتعرض فيها العملة للضغوط، يقوم البنك المركزي برفع هذه الضغوط عنها بواسطة بيع العملات الأجنبية والذهب. وفي حال صعود قيمة العملة الوطنية إلى أكثر من اللازم بسبب زيادة الطلب، يقوم البنك المركزي بإتاحتها بكميات كافية لتلبية الطلب الأجنبي. وفي هذا السياق فإن البنوك المركزية تلعب دورا محوريا في تثبيت أسعار الذهب حول قيمة متوسطة تضمن الاستقرار في السوق داخل هوامش ضيقة لتغير الأسعار. ويعود هذا الدور إلى أن احتياطي البنوك المركزية من الذهب لا يستخدم أساسا في أغراض المضاربة، على عكس حيازة صناديق الاستثمار أو الأفراد الذين يستخدمون جزءا من ثرواتهم للمضاربة وتحقيق الأرباح السريعة. ومن الناحية الاستثمارية يعتبر الذهب مخزنا للقيمة ومصدرا للمرونة على المدى الطويل في مواجهة التقلبات، وتسهم البنوك المركزية بأكثر من 20 في المئة من الطلب العالمي على الذهب في الوقت الحاضر، بعد أن كانت تسهم بحوالي 10 في المئة فقط في العقد الثاني من القرن الحالي. هذا الحجم المضاعف للطلب على الذهب جاء أساسا من الدول الصناعية الناشئة والدول النامية التي تشعر بالقلق من نزعة “عسكرة الدولار” والعقوبات والتآكل المحتمل لدور العملات الرئيسية في النظام النقدي الدولي. ويمكن القول إن عددا من التحولات الجيوسياسية والعوامل الاقتصادية المركبة هي التي قادت إلى تراجع قيمة الدولار، وصعود دور الذهب في المرحلة الحالية. وتتضمن هذه العوامل والتحولات الأزمة المالية العالمية 2008، واتساع نطاق ظاهرة العولمة متوافقة بتحويلات مالية ضخمة من الشمال إلى الجنوب ومن الغرب إلى الشرق، ثم جائحة كورونا وحرب أوكرانيا، واشتداد حدة “عسكرة الدولار” في النظام العالمي خصوصا مع توسيع نظام العقوبات ضد روسيا، وصعود الصين واتساع استخدام اليوان الصيني، وتعميق النظام النقدي الأوروبي والاتجاه إلى توسيع منطقة اليورو بضم دول جديدة مثل بولندا والمجر وجمهورية التشيك، والحرب التجارية التي شنها ترامب على العالم، وأخيرا الحرب الممتدة في الشرق الأوسط منذ أواخر عام 2022 حتى الآن.
الملاذ الأمن ضد الصدمات.. هل يقع بعد أن ارتفع؟
حقق الذهب صعودا تاريخيا في الربع الأول من العام الحالي، مواصلا ما حققه في العامين الأخيرين. وبعد أن هدأت حمى الذهب قليلا في الأسواق، جاءت حرب إسرائيل على إيران لتشعل أسعار الذهب من جديد. وليس هناك عامل باستطاعته تهدئة أسواق الذهب في الولايات المتحدة وشرق وجنوب آسيا والشرق الأوسط وأوروبا غير وقف الحرب. ومع ذلك فإن الجهود الدبلوماسية المحدودة لتحقيق هذا الهدف فشلت في تغيير موقف كل طرف من الآخر، خصوصا مع انضمام الولايات المتحدة إلى إسرائيل في ضرب إيران، والمساندة الدبلوماسية المطلقة لإسرائيل داخل مجلس الأمن. ورغم ذلك فإن نهاية الأسبوع الأول من الحرب أظهرت قدرا كبيرا من التراجع في أسواق الذهب على ضوء اتجاه الدولتين المتحاربتين إلى تكرار التكتيكات العسكرية التقليدية من دون وضوح لكيفية قدرة أي منها على حسم الحرب لمصلحتها. ونتيجة لجمود الموقف العسكري تقريبا، ومع استمرار تبادل الهجمات الجوية والصاروخية، فقد تحركت أسعار الذهب داخل نطاق ضيق جدا انتظارا لاتضاح اتجاه الحرب، ومع إعلان وقف إطلاق النار الذي يبدو هشا جدا على مسرح العمليات فإن أسعار الذهب هبطت بشدة. وعزز من ذلك الهبوط عدم وضوح الاتجاه المستقبلي في الأجل القصير للسياسة النقدية الأمريكية، مع استمرار الخلاف بين ترامب ومجلس الاحتياطي الفيدرالي بشأن أسعار الفائدة، التي يريد ترامب تخفيضها بسرعة لتقليل الضغوط على الاستثمارات المحلية. أسعار الدولار الأمريكي التي يريدها ترامب منخفضة لتشجيع الصادرات الأمريكية في كل الأسواق الخارجية.
عالميًا، تحتفظ البنوك المركزية بـ 36.000 طن، وهو ما يقارب أعلى مستوى تاريخي لها عند 38.000 طن، والذي سُجِّل عام 1965 خلال حقبة بريتون وودز. وفي هذا السياق، يمتلك البنك المركزي الأمريكي أكبر احتياطي من الذهب، إذ بلغ 8.133.46 طن. في الربع الأول من عام 2025، لم تُجرِ الولايات المتحدة أي عمليات شراء جديدة. بالمناسبة، بلغ احتياطي الهند من الذهب 876.18 طن في كانون الأول/ديسمبر 2024، واشترت 3.42 طن خلال الربع الأول من عام 2025، وأغلقت الربع الأخير من اذار/مارس عند 879.60 طن. ولا تتوقف البنوك المركزية بشكل عام عن تعزيز كميات الاحتياطي من الذهب. فوفقًا لمسح حديث أجراه مجلس الذهب العالمي، يعتقد 95 في المئة من البنوك المركزية أن احتياطياتها من الذهب ستزداد خلال الاثني عشر شهرًا المقبلة.
وفي إطار تنوع المحركات المؤثرة في أسعار الذهب، والتقلبات السريعة والحادة في الأسواق بشكل عام خلال مرحلة الاضطراب العالمي الحالية، فقد اختلفت التوقعات الخاصة بمسار أسعار الذهب في المدى القصير أو على الأقل حتى نهاية العام المقبل. وكان الاتجاه العام للتوقعات السابقة يميل ناحية ان الذهب سيواصل ارتفاعه إلى ما يتراوح بين 4 إلى 6 آلاف دولار للأوقية، وهو أكثر التوقعات تفاؤلا. لكن بعض مؤسسات الاستشارات المالية الكبرى مثل بنك سيتي ومورغان ستانلي وغولدمان ساكس يتجه الآن إلى تخفيض هذه التوقعات بنسبة تصل إلى 25 في المئة، وأن الذهب قد يفقد قوة اندفاعه في النصف الثاني من عام 2026.
ونظرا لهذا الانقلاب التحليلي في التوقعات الخاصة بسوق الذهب في الأجل القصير (12 شهرا) فإن الأمر يحتاج لإعادة النظر في آليات عمل محركات أسواق الذهب، وإلقاء النظر على العلاقات بينها، حتى تتضح الصورة أكثر، بالنسبة للمستثمرين السياديين (البنوك المركزية)، وبالنسبة للمستثمرين الأفراد. ومن أهم المحركات التي تقرر اتجاه أسعار الذهب في الوقت الحالي صدمة الحرب، والسياسة النقدية الأمريكية، والحرب التجارية، والاتجاه العالمي إلى تقليل الاعتماد على الدولار (وتقليل الاعتماد الاقتصادي على الولايات المتحدة عموما)، وندرة الذهب الخام وارتفاع تكلفة استخراجه. هذه المحركات الخمسة تلعب يوميا دورا مهما في تحديد سعر الفتح وسعر الإغلاق للمعدن النفيس في الأسواق العالمية. ومن السهل أن نستنتج أنها جميعا تلعب في الوقت الحاضر دورا في اتجاه واحد يعزز اتجاه الأسعار إلى أعلى وليس العكس. هذا لا يمنع التقلبات اليومية للأسعار، لكنه في الوقت نفسه يرفع حدود أسعار مقاومة الهبوط عند كل مستوى. وقد لاحظنا ذلك بوضوح منذ تخطى الدولار حاجز 3 آلاف دولار للأوقية، إذ أن مستويات المقاومة تعززت فوق هذا الحاجز وليس تحته. وقد رأينا في الأسابيع الأخيرة أن حدود أسعار المقاومة أصبحت محصورة تقريبا بين 3100 دولار إلى 3300 دولار للأوقية. ونظن أن حدود أسعار المقاومة لن تنخفض عن ذلك، بل إنها على العكس يمكن أن ترتفع طالما تصاعدت الحرب الإسرائيلية-الإيرانية، لكنها يمكن أن تنخفض تحت مستوى 3100 دولار إذا توقفت. الحرب، تمثل في جوهرها لحظة مكثفة تجتمع فيها حركة كل محركات الاقتصاد في اتجاه واحد: اللايقين وعدم الاستقرار والتقلبات الاستثنائية.