التهديد الذي أطلقه ترامب بفرض رسوم جمركية بنسبة 100 في المئة على الواردات من دول مجموعة “بريكس” ربما يكون وسيلة للضغط بغرض الحصول على تنازلات سياسية أو مزايا اقتصادية، وهو جزء مكمل لاستراتيجية عسكرة السياسة الخارجية الأمريكية التي رافقت انتصار واشنطن في الحرب الباردة. لكن هذا التهديد وما يمكن أن يسفر عنه سواء تم تنفيذه أم لا، يظل مجرد قنبلة صوتية لإزعاج الآخرين، بدون أن يكون له أثر إيجابي في علاج العجز المزدوج المالي والتجاري الذي تعاني منه الولايات المتحدة. وذلك نظرا لأنها كما تعاني من عجز مزمن في تجارتها مع العالم، فإنها أيضا تعاني من عجز مزمن في تجارتها مع مجموعة دول “بريكس” منذ تأسست عام 2009. ولم يكن لجوء ترامب إلى سلاح التعريفات الجمركية ضد العالم كله تقريبا عند مجيئه للبيت الأبيض في عام 2017 جديدا، لأن الرئيس باراك أوباما كان قد لجأ إلى السلاح نفسه، ضد الصين تحديدا. ويعكس العجز التجاري الأمريكي انخفاض القدرة التنافسية للسلع الأمريكية، وذلك على الرغم من التقدم التكنولوجي والموارد الشاسعة والإمكانات اللوجستية والتسويقية الجبارة إضافة إلى الهيمنة المالية على العالم من خلال عملتها الدولار وأجهزتها المؤسسية العاملة في قطاع الخدمات المالية. وربما كان السبب الرئيسي وراء استمرار هذا العجز في ميزان التجارة السلعية الذي بلغت قيمته في السنوات العشر الأخيرة 3.5 تريليون دولار بمتوسط 351 مليار دولار سنويا، هو أن العالم يتحمل تكلفتة من خلال تمويله بشكل غير مباشر بواسطة الاستثمارات الأجنبية في أذون وسندات الخزانة الأمريكية. وقد هدد الرئيس المنتخب بأنه سيفرض على دول بريكس رسوما جمركية بنسبة مئة في المئة إذا قامت بإصدار عملة تكون منافسة للدولار في تسوية التجارة الدولية. هذا التهديد يعكس خوف الولايات المتحدة من تدهور هيمنة الدولار، الذي هو واحد من مقومات الهيمنة الأمريكية الخارجية والذي من خلاله يتم تمويل العجز المالي والتجاري الأمريكي بواسطة الدول الأخرى.
ومع ذلك فإن قوة فعل قوانين السوق وآليات عملها هي أكثر تأثيرا من التعريفات الجمركية والتهديد بزيادتها. ولن يستطيع ترامب فرض نوع من السيطرة الإدارية على آليات المنافسة الاقتصادية في العالم، ولا على اختيارات السوق لأولويات استخدام عملات مختلفة في تسوية المعاملات التجارية والمالية. كما أن نشوء عملات جديدة أو اتساع نطاق تداول عملة معينة يخضع أيضا لقوانين السوق وليس لقرارات أو إجراءات إدارية. ونحن نعلم أن دول منطقة اليورو – 19 دولة من أصل 27 دولة عضو في الاتحاد الأوروبي- تستخدم العملة الأوروبية اليورو، في تسوية معاملاتها التجارية، وأيضا في تسوية نسبة كبيرة في معاملاتها التجارية وتحويلاتها المالية مع دول غير أعضاء في الاتحاد. كما نعلم أيضا أن الجنيه الاسترليني يستخدم في تسوية معاملات تجارية وتحويلات مالية بين بريطانيا ودول الكومنولث كما يستخدم أيضا على المستوى العالمي. كذلك نعلم أن الصين طورت في السنوات الأخيرة ما يمكن أن يصبح في السنوات التالية منطقة نقدية جديدة تعتمد على اليوان الصيني في تسوية التجارة والتحويلات المالية، خصوصا بعد أن أصبح اليوان منذ تشرين الأول/أكتوبر 2016 واحدا من عملات الاحتياطي الدولي ومن مكونات العملة الحسابية لصندوق النقد الدولي. ويساعد تطور علاقات الصين الاقتصادية مع دول رابطة آسيان على توسيع استخدام اليوان في التجارة والمعاملات المالية فيما بينها. ونظرا لقوتها التجارية المتعاظمة، واصطدام التجارة العالمية بسياسة الولايات المتحدة في تسييس استخدام الدولار والتعريفات الجمركية فإن الصين تمكنت من تدويل عملتها إلى حد بعيد، بحيث أصبحت تستخدم اليوان في تسوية مدفوعات أكثر من نصف تجارتها مع العالم، خصوصا دول رابطة آسيان، وفي تسوية المدفوعات بأكملها تقريبا مع روسيا ودول أخرى تخضع للعقوبات الأمريكية مثل إيران. ويتم ذلك من خلال صفقات بالعملات المحلية بنظام المقايضة. لدينا إذن ثلاث مناطق نقدية في العالم، هي منطقة الدولار وهي الأكبر، ثم منطقة اليورو التي نشأت في نهاية القرن الأخير 1999 والأحدث هي منطقة اليوان التي تتطور على التوازي مع “مبادرة الطوق والطريق” منذ عام 2013. ونظرا لأن الولايات المتحدة لم تفرض عقوبات تجارية على دول الاتحاد الأوروبي عندما أنشأت عملتها الجديدة اليورو، فإن تهديد ترامب بطلب تعهد من دول مجموعة بريكس بأنها لن تنشئ لنفسها عملة جديدة والتهديد بفرض تعريفة جمركية على صادراتها بنسبة 100×100 إذا لم تتعهد بذلك، يعتبر تهديدا سخيفا لا سابقة له في التاريخ حسب ما نعلم.
تجارة أمريكا مع بريكس
بلغت تجارة الولايات المتحدة مع دول بريكس الخمس (الصين والهند وروسيا والبرازيل وجنوب أفريقيا) عام 2022 قبل توسيع المجموعة في العام الحالي، ما يقرب من 990 مليار دولار. لكن هذا الرقم الإجمالي يخفي حقيقة أن القيمة الكلية للتجارة المشتركة بين الولايات المتحدة والصين فقط بلغت في ذلك العام 702 مليار دولار. أي أن الصين وحدها تستحوذ على أكثر من 70 في المئة، في حين تتوزع نسبة الـ 30 في المئة المتبقية على الدول الأربع الأخرى. وبعد انضمام مصر والإمارات إلى بريكس رسميا في العام الحالي فإن هذا لن يغير من الصورة كثيرا، لأن قيمة التجارة الأمريكية المشتركة مع مصر لم تصل في ذلك العام إلى 10 مليارات دولار، في حين كانت التجارة المشتركة مع الإمارات حوالي 26 مليار دولار. وسوف نلاحظ في تحليل أرقام التجارة الأمريكية المشتركة مع دول بريكس أنها تعاني من عجز مع كل الدول باستثناء البرازيل والإمارات ومصر وإثيوبيا وإيران.
وقد بلغت قيمة العجز التجاري الأمريكي مع دول بريكس الأساسية في عام 2022 حوالي 440 مليار دولار. وتركز هذا العجز أساسا مع الصين بقيمة 400 مليار دولار. وبلغت قيمة العجز مع الهند حوالي 34.5 مليار دولار، ومع روسيا 13.4 مليار دولار، ومع جنوب أفريقيا حوالي 5 مليارات دولار. الدولة الوحيدة من الدول الخمس التي تمتعت الولايات المتحدة معها بفائض تجاري هي البرازيل، وصلت قيمته إلى حوالي 13 مليار دولار. ومن المفيد الإشارة هنا إلى أن السلع الزراعية الأولية والنفط الخام ومنتجاته والغاز تمثل أهم الصادرات الأمريكية إلى دول بريكس، بل إنها تمثل أهم صادرات الولايات المتحدة إلى العالم ككل. هذه الحقيقة تعني أنها ما تزال تعتمد في تجارتها على سلع أولية وليس على سلع صناعية متقدمة. هذا لا يعني إنها عاجزة عن تصدير سلع متقدمة مثل الأسلحة الحديثة والسيارات وأشباه الموصلات والرقائق الإلكترونية، لأنها تفعل، لكن الغلبة على صادراتها ما تزال للسلع الزراعية والنفط والغاز. على سبيل المثال فإن نصيب صادرات النفط والغاز يصل إلى ما يقرب من 20 في المئة، في حين أن نصيب السيارات يبلغ أقل من 3 في المئة، ونصيب الرقائق الإلكترونية وأشباه الموصلات يبلغ 2.6 في المئة طبقا لإحصاءات مرصد التنوع الاقتصادي والتجاري لجامعة هارفارد. في المقابل فإن التركيب السلعي للصادرات الصينية إلى الولايات المتحدة تغلب عليه السلع الصناعية المتقدمة مثل أجهزة الاتصالات والكمبيوتر والبطاريات الكهربائية ومحركات ومكونات صناعة السيارات، التي تستحوذ على حوالي 30 في المئة، وذلك في مقابل فول الصويا 12 في المئة، والذرة 3.5 في المئة، والبترول الخام 4.6 في المئة استوردتها الصين من الولايات المتحدة في العام نفسه.
ونظرا لأن الصين هي أكبر سوق للولايات المتحدة خارج أمريكا الشمالية، إذ تستحوذ (بما في ذلك هونغ كونغ وماكاو) على حوالي 9 في المئة من الصادرات الأمريكية مقابل حوالي 16 في المئة لكندا، و 15 في المئة للمكسيك، فإن اتخاذ أي إجراءات برفع التعريفات الجمركية على الصادرات الصينية يمكن أن يصيب الولايات المتحدة إصابات شديدة على صعيد الصادرات، وشبكات وسلاسل الإمدادات المحلية، وسوق العمل، وأسعار المستهلك. أما إذا توسع الرئيس المنتخب في فرض تعريفة جمركية صادمة على كل دول بريكس، فإن الصادرات الأمريكية يمكن أن تفقد ما يصل إلى 14 في المئة من أسواقها، حيث تستوعب البرازيل والهند معا أكثر من 5 في المئة. الأكثر من ذلك هو أن دول بريكس وهي تتحول بعيدا عن الدولار، ستجد أسبابا أقوى، وليس العكس، لاستحداث عملتها، أو طرق أخرى لتسوية مدفوعات التجارة والتحويلات المالية تبعد عنها خطر الاعتماد على الدولار. ومع أن الصين تشكل الثقل الاقتصادي الأكبر والأقوى تأثيرا على المستوى العالمي، فإنها ليست في عجلة من أمر تقليل الاعتماد على الدولار، لأن ذلك يحدث تلقائيا مع زيادة الثقة الاقتصادية والتجارية والمالية في سياساتها التجارية والمالية من عدد متزايد من دول العالم. ويميل النهج الصيني في التعامل مع رغبة روسيا على وجه الخصوص في توجيه لطمة عالمية للدولار، إلى تفعيل الآليات الاقتصادية وليس اللجوء إلى الإجراءات الإدارية. وقد علقت وزارة الخارجية الصينية على تهديد ترامب بالقول بأن مجموعة بريكس ليست مجموعة حمائية منغلقة، لكنها تسعى إلى تعزيز حرية التجارة في العالم، وفتح الأسواق والمنافسة الإيجابية لمصلحة زيادة معدل النمو وتوسيع نطاق الرفاهية في العالم كل، ومن ثم فإنها تسعى لتجنب الدخول في حرب تجارية.
تأثير التعريفات الجمركية
التعريفة الجمركية هي ضريبة يتم تحصيلها في المنافذ التجارية على السلع القادمة من الخارج بقصد الاستعمال والتداول المحلي، وهي تؤدي الى زيادة تكلفة السلعة، ومن ثم زيادة سعر البيع في السوق المستورد. الأصل في نشأتها كان الحاجة إلى مصدر للدخل يستعين به الحكام في تسيير أمور الحكم. فهي في حكم فلسفة الضريبة، أداة من أدوات الجباية لتمويل الخزانة العامة أو بيت المال. لكنها فيما بعد اكتسبت قوة بوصفها أداة لحماية البضائع المحلية، خصوصا في مراحل التصنيع الأولى. وبعد ذلك أصبحت التعريفات الجمركية أداة من أدوات السياسة الخارجية، حيث توسعت الولايات المتحدة في استخدامها ضد خصومها. و يظهر تتبع السياسة الخارجية الأمريكية خلال فترة حكم ترامب الأولى 2017 – 2020 أعلى معدل لتسييس التعريفة الجمركية، وتوسيع نطاق استخدامها حيث لم تقتصر على خصوم الولايات المتحدة مثل روسيا وإيران وفنزويلا وكوبا، وإنما هي شملت أيضا الدول الصناعية الغربية مثل اليابان وألمانيا، حتى الشركاء التجاريين مثل كندا والمكسيك. وإضافة إلى أثرها المالي المتمثل في زيادة الإيرادات الجمركية، فإن التهديد بفرض تعريفة بنسبة 100 في المئة على صادرات دول مجموعة بريكس يترك آثارا واسعة النطاق على التجارة الدولية وعلى اقتصاد دول بريكس نفسها وعلى الاقتصاد الأمريكي. ويتفق كثير من الاقتصاديين على أن زيادة التعريفات الجمركية ينتج آثارا سلبية على طرفي المعادلة، الدول الخاضعة للزيادة والدول التي فرضتها. أول هذه الآثار السلبية وأهمها، هو زيادة درجة عدم اليقين في السوق. وعلى الرغم من أن ذلك يصعب قياسه كميا، إلا أن اليقين والثقة في الاستقرار يعني الكثير بالنسبة للمنتجين والمستهلكين على السواء.
وبدأت الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين في عام 2018 عندما فرضت واشنطن رسوماً جمركية على واردات صينية تبلغ قيمتها حوالي 350 مليار دولار. وردت الصين بفرض رسوم جمركية على واردات إضافية بقيمة 100 مليار دولار. وتشير البيانات اللاحقة إلى أنها أضرت بربحية الشركات المصدرة الصينية. في المتوسط، أدى الارتفاع بنسبة 1 في المئة في سعر التصدير الشامل للتعريفات الجمركية إلى انخفاض بنسبة 0.35 نقطة مئوية في هوامش الربح للشركات المصنعة. كما أدى في الوقت نفسه إلى انخفاض الواردات الصينية بالأسعار الحقيقية (بعد استبعاد أثر التضخم) بنسبة 3.2 في المئة. وعلى صعيد الاستثمار الثابت فإن زيادة التعريفات الجمركية أدت إلى انكماشه، وفرض قيود شديدة بسبب انخفاض الربحية والضغوط المالية المصاحبة على التمويل بسبب خسائر الأسهم. كذلك فرضت التعريفات الجمركية المرتفعة ضغوطا شديدة على تشغيل العمال خصوصا في قطاع التصنيع. كما تراجعت الإيرادات الضريبية المحلية بسبب تباطؤ النشاط الاقتصادي وانخفاض حصيلة الضريبة على الأرباح، وتراجع الاستهلاك الفردي والعائلي بسبب ارتفاع الأسعار.
خسائر بوينغ وإنتل
ومن المعروف أن التعريفات الجمركية العالية تزيد تكلفة المنتج المستورد، كما إنها تسبب ضغوطا في السوق من أجل تحويل التجارة الخارجية إلى المنتج الأقل تكلفة. ومن الأمثلة الواضحة على ذلك أن رد الصين على أمريكا بزيادة التعريفات الجمركية على كثير من السلع منها السلع الزراعية والطائرات ومكوناتها، أدى إلى تحول السوق الصينية ناحية منتجين آخرين مثل استراليا ونيوزيلندا والبرازيل في السلع الزراعية، والى الاتحاد الأوروبي في استيراد الطائرات. وعقدت الصين صفقات شراء ضخمة لطائرات الركاب الأوروبية آير باص، بقيمة مجمعة تبلغ 40 مليار دولار في عام 2022. وتشعر شركات صناعة الطائرات التجارية في الولايات المتحدة حاليا بحسرة شديدة من خسارة السوق الصينية، خصوصا في ظل الأزمة التي تمر بها شركة بوينغ منذ عدة سنوات. ومع أن ترامب يعتقد انه يمكن أن يصيب الصين في مقتل بتركيز زيادة التعريفة الجمركية على كل الواردات بنسبة 100 في المئة، فإنه يبالغ كثيرا في التأثير السلبي لذلك، حتى إذا امتدت الزيادة إلى كل واردات الولايات المتحدة من دول بريكس. هذه الدول ومنها الصين يمكن أن توفر لنفسها أسواقا جديدة واسعة وسريعة النمو مثل أفريقيا وجنوب شرق آسيا وأمريكا اللاتينية. في حين أن الولايات المتحدة ستعاني من صعوبات كثيرة في محاولة إنهاض الطلب المحلي وزيادة الصادرات إلى شركائها في الدول الصناعية الغربية. المثال الصارخ الذي نراه حاليا هو تدهور وضع شركة “إنتل” الأمريكية للكمبيوتر والرقائق الإلكترونية التي تقترب من الهاوية، على الرغم من الدعم الحكومي الذي تتلقاه من الحكومة الفيدرالية وحكومات الولايات. في المقابل فإن شركة “هواوي” الصينية استطاعت أن تفلت من تأثير مصيدة الرسوم الجمركية والحظر التكنولوجي والمالي، وان تعود بسرعة للمنافسة العالمية في أسواق مهمة مثل سوق محطات وشبكات اتصالات الجيل الرابع، وسوق أجهزة التليفون المحمول.