الرباط ـ «القدس العربي» : بين نقل الموروث الحكائي المغربي إلى المسرح، ومسرحة بعض الروايات وتقديمها لعاشق الركح، يسير الكاتب المسرحي والسيناريست عبد الإله بنهدار في طريق طويل خطواته عبارة عن متعة البحث ونشوة الكتابة كما يقول صاحب «قايد القياد» و»الروكي» و»الباهية» و»الصدر الأعظم با حماد»، وهي مسرحيات نهلت من معين التاريخ المحلي.
أما في ما يتعلق بنقل الرواية إلى المسرح، فله مسرحيات «عيوط الشاوية» عن رواية «شجر الخلاطة» للروائي الميلودي شغموم، و»نسيان» عن رواية «امرأة النسيان ولعبة النسيان» للروائي محمد برادة، و»النمس» عن رواية «هوت ماروك» للروائي والإعلامي ياسين عدنان، والبعد الخامس عن رواية الأديبة العربية الفلسطينية الأردنية سناء الشعلان. كما استوحى من أغنية تراثية محلية فكرة مسرحية «قطيب الخيزران».
صاحب هذا المشروع المسرحي الذي يسبح في بحر الموروث الحكائي المغربي ومعه بحر الرواية المغربية والعربية، صدر له حديثا نص مسرحي جديد موسوم بـــ «بهجة البهوج»، ضمن منشورات مؤسسة (باحثون) وبدعم من وزارة الشباب والثقافة والتواصل في إطار دعم الإقامات الفنية لموسم 2024. ويدخل النص المسرحي الجديد للكاتب بنهدار في سياق الاحتفاء بساحة «جامع الفناء» الشهيرة، القلب النابض لمدينة مراكش، والمصنفة من لدن اليونيسكو ضمن قائمة التراث غير المادي الإنساني عام 2001.
يتحدث المؤلف لـ»القدس العربي» عن ميلاد «بهجة البهوج» وعن جهوده في توثيق ومسرحة الموروث الشعبي المغربي، فيقول: «كأي عمل إبداعي، تراود الفكرة المبدع وتجعله يعيش فترة مخاض عسير، إلى أن تختمر الفكرة وتتضح الرؤية بعد فترة المخاض هذه، بعده تأتي لحظة ونشوة الكتابة، أقول نشوة الكتابة وهي قريبة من مفهوم (لذة النص) حسب تعبير رولان بارت، هذه اللذة تحصل عندي أولاً قبل المتلقي، لأن الكتابة التي لا تجعل كاتبها يستمتع بها، لا يمكنها أن تجعل القارئ أو المتلقي عموما يستمتع بها».
ويستطرد قائلا: «لا يمكن لأي مبدع أن يكون راضيا كل الرضى على مساره، فطريق الإبداع طويل، ورحب، ومتعب، بل ومرهق، إلا أنني يمكن أن أجزم بأنني أطمح إلى تقديم مساهمة متواضعة للبحث ما بين سطور هذا المورث الشعبي، ومساءلته عبر عملية الإبداع، لذا أجدني أمتح من الحكاية الشعبية، ومن القصيدة الشعبية، كالملحون والعيطة والفن الهوراي وباقي الفنون التراثية الأخرى».
وعن كيفية استقبال هذا الإصدار الجديد على مستوى أهل المسرح والمشهد الثقافي بشكل عام، يوضح المؤلف نفسه: «لقد تمت الدعاية والتعريف بهذا العمل المسرحي المدعم من طرف وزارة الشباب والثقافة والتواصل، عبر عدة جرائد ورقية وإلكترونية، وكان لتقديم الكاتب والمخرج المسرحي عبد الواحد عوزري والباحث في التراث المغربي عبد المجيد فنيش، كبير الأثر وعميق القراءة الواعية، لأن تقديم كلٍّ منهما ساعد ويساعدُ على التعمُّق أكثر في فحوى ومضمون هذا العمل من جهة، وفي الإشارة إلى تقنياته وشكله الفرجوي من جهة ثانية».
وسألت «القدس العربي» عبد الإله بنهدار: «هل أنت مطمئن لخطواتك في طريق نقل الموروث الحكائي التاريخي المغربي؟ فأجاب: «من حيث كوني مطمئنا لخطواتي في طريق نقل الموروث الحكائي التاريخي المغربي، أقول: إلى حد بعيد، نعم، أنا مطمئن وإلاّ لمَا هذا المجهود وهذا التعب كله، بل لما هذه العزلة والانغلاق على الذات لجعلها تبتعد عن كل الشوائب والنواقص التي تحيط بها من كل جهة، فالحقيقة تكمن في كون المبدع لا ينصفه الناس، خصوصا القريبين منه ومن مجاله في غالب الأحيان، لأنه وكما يقال: المُعاصرة حِجاب من جهة، أو كما يقال ـ من جهة ثانية ـ من لدنِ البعض (مُطرب الحي لا يطرب) لكن، على المبدع أن يتحدى كل العراقيل المحبطة، وكل المطبات التي يجدها حجرة عثرة في طريقه.
وهل تسير خطواته كما يريد؟ الجواب لدى مؤلف «بهجة البهوج» بالإيجاب: «نعم، إنها تسير كما أحب، فالإرادة تجعلك تطمح وتكد وتجدّ، أما الحب فيجعلك تسعد وتنتشي بما أنت فاعله، خصوصا عندما يكون المبدع مقتنعا بما يفعله، ومهووسا بعشيقته حد الهوس والجنون، هذه العشيقة المشاكسة وما أحلى وأعذب مشاكساتها! إنها (الكتابة) التي تجعلني متشوقا دائما للمزيد من العطاء في كل ما أجد فيه راحتي النفسية ومتعتي الفكرية وسعادتي لحظة البداية في أيّ مشروع إبداعي، لا أعرف مسبقا نتيجة نجاحه من فشله، حتى إن كانت كلمة الفشل مستفزة وقاسية نوعا ما».
* بالنسبة للمادة الحكائية هل كان جمعها ميسرا دون تعب البحث والتنقيب؟
يجيب بنهدار: «لا شيء ميسرٌ أو جاهزٌ في الحياة، فكما يُقال: حتّى عملية الأكل تتطلب منّا تحريك الفكين، فالكتابة العميقة تحتاج إلى وقت ليس باليسير، حتى يقرأ المبدع قراءة فاحصة ومتمعنة في وعن المجال الذي يريد الإبحار فيه، وكلمة الإبحار هذه كانت سابقا تقال عن المكتوب فقط، أما اليوم فقد أصبحت الكلمة تقال لما يُرى ويُشاهد ويُبصر، ذلك أن وسائل التواصل الاجتماعي اليوم والإنترنت بصفة عامة جعل العالمَ يبدو أرحبَ وأوسعَ مما يتصور. فالبحث والتنقيب أصبحت له سبلٌ شتى وطرقٌ عديدةٌ تساعد المبدع على عملية الإبحار هذه، فقط عليه ألاّ يبالغ في التجديف حتى لا يحيد به القارب إلى أعماق البحار ويصبح في معاناة وصراع مع المجهول كما وقع للصياد (سنتياغو) بطل رواية «الشيخ والبحر» للكاتب العالمي همنغواي».
وجوابا عن سؤال حول مكاسب المسرح من خلال نقل الموروث إلى الخشبة، وكذا حول نقل الرواية إلى الركح، قال عبد الإله بنهدار: «مكاسب المسرح من نقل الموروث إلى الخشبة عديدة منها، التقرب من الجمهور بدرجة كبيرة إذا ما أُحسِن تقديم هذا الموروث بطريقة قريبة من المتلقي، تلامس جوارحه، كي يحصل ذلك يجب أن تكون نظرة الكاتب والمخرج متقاربة لنقل هذا الموروث على الركح، نقلا محمودا، مع إشراك جميع المساهمين في العمل المسرحي وجعلهم ينغمسون في هذا العمل الجماعي/ الموروث الشعبي، لكن، إن كان كل واحد من هؤلاء يغني على ليلاه، فلن تكون هناك فائدة مرجوه، ما يجعل المتلقي ـ دون شك ـ يشعر بأن حضوره لهذه الفرجة المسرحية كان مضيعة للوقت، خصوصا إن كان المعنيون بهذه الفرجة المسرحية يرون كما هو شائع اليوم، كون الغرض من فرجتهم هو الضحك فقط، وهم بذلك لا يدركون أن العمل المسرحي على الخشبة مثله مثل الحياة، لها بداية ونهاية، وفيها الضحك والبكاء، والسعادة والشقاء، والأمل والألم… أما عن نقل الرواية إلى المسرح فذلك عالم آخر، وحياة أخرى، إنها متعة ليس لها حدود، شخصيا اشتغلت على عدة روايات منها رواية «شجرة لخلالطة» للروائي الميلودي شغموم، و»نسيان» عن روايتي «لعبة النسيان» و»امرأة النسيان» للروائي والناقد محمد برادة، وهاتان الروايتان كانتا قريبتين مني أيام كنت طالبا في الجامعة، ولم أنجزها مسرحيا إلا بعد أن بلغت من الكبر عتيا، ومسرحية «النمس» عن رواية الإعلامي والأديب ياسين عدنان الموسومة بـ»هوت مارك»، ومسرحية «البعد الخامس» عن رواية «أعشقني» للأديبة الفلسطينية الأردنية الزميلة سناء الشعلان (بنت نعيمة) بعد أن منحتني ثقتها وموافقتها حين لقائنا في الأردن أثناء مهرجان مسرحي. ودون شكل، يحتاج نقل الرواية إلى المسرح والسينما إلى جهد جهيد، ونفس طويل».