الهجوم الإيراني على منشآت النفط السعودية هو التطور الأكثر دراماتيكية الذي وقع في الخليج الفارسي منذ انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي في أيار 2018. مؤخراً، أظهرت إدارة ترامب استعداداً متزايداً لاستئناف المحادثات مع الإيرانيين بهدف التوصل إلى اتفاق جديد، لكن خطوة طهران تنفذ ضد هذا التوجه، من خلال هجوم واسع يفسر كتحد صارخ ومتعمد ضد السعودية والولايات المتحدة.
هل سيسحب الهجوم الإيراني تنازلات إضافية من واشنطن؟ سبق وتعلمنا أن الرهان على خطوات ترامب صعب. حتى الآن يظل رد الرئيس ضئيلاً نسبياً، ويواصل بث استعداده للتحدث مع الإيرانيين أكثر من رغبته في المواجهة معهم.
الهجوم الذي حدث السبت الماضي يعادل شن حرب تقريباً. السعوديون أنفسهم يقولون إن العملية أضرت بنصف القدرة الإنتاجية للنفط تقريباً، وأسعار النفط ارتفعت في اليومين الأخيرين بنحو 10 دولارات للبرميل. خلافاً لعدد من التقارير الأولية، فإن الحديث لا يدور عن هجوم طائرات بدون طيار أطلقها المتمردون الحوثيون من اليمن، بل كانت صواريخ أطلقت من الأراضي الإيرانية نفسها وحملت معها كميات كبيرة من المواد المتفجرة.. عملية عسكرية مفاجئة ودقيقة ومدمرة، يقف السعوديون عاجزين أمامها.
وحسب وجهة نظر إسرائيل، ثمة تداعيات محتملة: أولاً، التوتر المتجدد بين إيران والسعودية وربما مع الولايات المتحدة، يمكن أن يخرج عن السيطرة ويؤدي إلى تصعيد إقليمي، قد تتأثر منه إسرائيل أيضاً. ثانياً، الهجوم الإيراني يدل على القدرة المتزايدة المتطورة لنظام صواريخ كروز الإيرانية. وإسرائيل خارج المدى الحالي لهذه الصواريخ (هي مكشوفة فقط أمام صواريخ بالستية من إيران)، لكن قدرات كهذه تدل على ما من شأنه أن يوجد في أيدي حزب الله في المستقبل، وعلى طريقة تفكير إيران بشأن ضربة مدمرة ومفاجئة لأهداف البنى التحتية. هذه إشارة أخرى على الحاجة إلى تطوير سريع لأنظمة الدفاع والاعتراض الإسرائيلية مع التأكيد على تحصين المواقع الاستراتيجية.
طهران، التي تواصل رسمياً نفي علاقتها بالهجوم، أعلنت أمس بأنه لن يعقد لقاء بين الرئيس حسن روحاني والرئيس الأمريكي دونالد ترامب، على هامش اجتماع الجمعية العمومية للأمم المتحدة في نيويورك في نهاية الشهر الحالي. الدمج بين الخطوتين يبدو مثل رفع مبلغ الرهان. إيران تختنق تحت ضرر العقوبات الاقتصادية الجديدة التي فرضتها الولايات المتحدة وتشترط انتقال المفاوضات إلى المرحلة العملية والعلنية بالإلغاء الكامل للعقوبات كخطوة مسبقة. الإيرانيون يقتربون ها هنا من الحافة، لكن الأمريكيين حتى الآن لم يطلقوا أي إشارة تدل على أن الهجوم الأخير في السعودية سيؤدي إلى تغيير في السياسة من ناحيتهم.
تطرق ترامب للهجوم بعدد من التغريدات، وأعلن أن الرد العسكري الأمريكي “مستعد وجاهز”. ولكنه في الوقت نفسه وصف الهجوم كمشكلة سعودية وليست أمريكية. وأعلن عن استعداده لإجراء مفاوضات مع إيران، وفي الوقت نفسه ينفي استعداده لإجراء المحادثات بدون شروط مسبقة، الأمر الذي هو نفسه وكبار موظفيه كرروه المرة تلو الأخرى في الأسابيع الأخيرة. يصعب من ذلك استنتاج سياسة أمريكية شاملة بخصوص إيران.
إجمالي الأحداث حتى الآن: إيران أضرت بشكل كبير بالسعودية، وأثبتت قدرتها على تشويش صناعة النفط العالمية ووضعت تحدياً أمام ترامب. ولم يقرر الرئيس الأمريكي بعد كيف سيرد، رغم أنه يقوم في هذه الأثناء ببث عدم رغبة واضحة في المواجهة.
قد يكتشف الإيرانيون فيما بعد أن لديهم نجاحاً عملياتياً زائداً، كان الهجوم ناجعاً في دماره إلى درجة أنهم أجبروا الأمريكيين على الرد بصورة عسكرية، خلافاً للمقاربة الأصلية للرئيس. تبادل الرسائل بين طهران وواشنطن لم ينته، ومن شأنه أن يستمر على الصعيد العسكري، إلى جانب الاتصالات السياسية.
بقلم: عاموس هرئيل
هآرتس 17/9/2019