بوتفليقة المرآة والصورة

حجم الخط
11

ماذا نرى في الإطار الموضوع في كل الأماكن العامة في الجزائر؟ هل نرى صورة رئيس مشلول فقد القدرة على الكلام، أم نرى مرآة تعكس واقعا متشابك العناصر، وتقدم صورة رجل تختفي خلفها طغمة عسكرية مالية حاكمة؟
كم تبدو الأمور بسيطة ومعقدة في آن معا.
بسيطة، لأن الجزائر تستعد لانتخابات رئاسية، ومن المنطقي أن يسقط الرئيس المريض وغير القادر على ممارسة السلطة. والمنطقي أيضا، أن يبادر الحزب الحاكم او ائتلاف الأحزاب الحاكمة إلى تقديم مرشح يحظى بتأييد شعبي، كي تتجنب هزيمة انتخابية.
ومعقدة، لأن المنطق الديموقراطي البسيط لا ينطبق على الجزائر أو على مجمل عالمنا العربي. فالانتخابات ليست سوى شكل للمبايعة، والرئيس سواء كان حاكما أو كان مجرد صورة يبقى إلى الأبد ومصيره ان يموت رئيسا، أو أن يُقتل.
المحزن هو أن الشعب الجزائري يثور ضد جثة وضد انتخابات شكلية، ربما هذا ما دفع رئيس الحكومة الجزائرية احمد أويحي إلى تهديد الجزائريين بالمصير السوري. وفي الماضي غير البعيد قام نائب الرئيس السوري السابق عبد الحليم خدام في بدايات ربيع دمشق بالتحذير من جَزْأرة سوريا!
الشعب السوري ثار ضد شبح الأسد الأب، وقام بتحطيم تماثيله، ليجد نفسه في مواجهة ما بعد الأبد الأسدي، الذي كسر كل المحرمات، وقاد سوريا إلى بحار الدم والموت.
والشعب الجزائري يثور اليوم ضد رئيس ميت، ويُهَدد بالسورنة. جزأرة سوريا التي أشار إليها خدام، قبل أن يجد نفسه في المنفى، كانت أكثر وحشية من سنوات الموت الجزائرية الرهيبة في تسعينات القرن الماضي، فهل ستكون سورنة الجزائر أكثر دموية من حقول القتل السورية؟
لا أسعى إلى المقارنة بين النظامين، رغم أن من قارن ويقارن هم زعماء سوريون وجزائريون، فالمستبدون، عكس ما نظن، يقرأون مصائرهم في مرايا مستبدين يشبهونهم. حدس القذافي قاده إلى الافتراض بأن مصير المستبدين العرب سيكون شبيها بمصير صدام حسين، وكان ذلك بداية انهياره الذي اكتمل يوم مقتله بتلك الطريقة البشعة.
لكن ما بعد الأبد الأسدي قدم نموذجا آخر، لم تصنعه عبقرية المستبد، بل صنعه ظرف دولي وعربي ملائم أغرق سوريا بالدم. وقد انعكس هذا النموذج في كل مكان، من مصر المحروسة بالخوف إلى فلسطين المجزأة بين سلطتين وهميتين في سجن الاحتلال وإلى آخره…
لكن ما فات الطغاة، هو أن الناس قادرون على القراءة في مرايا الكارثة، وهذا ما يشهده السودان في انتفاضته الشعبية ضد الديكتاتور الدموي، فقد فهم الشعب السوداني الدرس جيدا، فلم يسقط في هاوية الخطاب الأصولي، ولن يكرر التجربة السورية المريرة التي دفعها الاستبداد إلى هاوية العنف، وقادها غياب القيادة إلى جحيم أعداء الحرية من أمراء الكاز والغاز.
الجزائريات والجزائريون قرأوا في مرآة «التجربة المرة»، التي سبق لمنيف الرزاز أن قرأ في كتابه فصولها الأولى، وهم يعرفون أنهم لا يواجهون بوتفليقة المريض والكهل، بل يواجهون منظومة الاكتهال التي فرضتها الطغمة العسكرية المالية، في نظام اوليغارشي متخشّب.
الجزائريات والجزائريون لا يثورون ضد صورة، بل ضد اطار الصورة. وفي الاطار لا يرون سوى بؤسهم وبؤس عالم عربي مُستباح وغارق في الأسى.
لقد نجح الاستبداد في وأد صورة ثورة الجزائر التي ألهمت شعوب العالم، وقدمت نتاجا فكريا جذريا مثله الكاتب والطبيب المارتينيكي الكبير فرانز فانون، الذي جسّد كتابه «معذبو الأرض»، صرخة الحرية في مواجهة الكولونيالية.
قتلوا الثورة وهم يقومون اليوم بمحاولة قتل الروح.
التحدي الذي يواجهه الناس في شوارع الجزائر اليوم هو تحدي حماية الروح من الاندثار، وهم في ثورتهم ضد الصورة والاطار يقولون لطغمة عجزت عن ضبط صراعاتها على السلطة والمال العام، فلجأت إلى صورة بوتفليقة، الذي تحوّل من فتى الثورة الجزائرية وأصغر وزير للخارجية في العالم، إلى شبح ميت يتغطى به المستبدون من أفراد بطانته.
لكن جميلة كانت هناك.
جاءت جميلة بوحيرد كي تغسل العار الذي لحق بها عندما ذهبت إلى دمشق، في حومة مزيج الغباء والسذاجة الذي قاد بعض القوى اليسارية الى تأييد المستبد ضد الشعب السوري، كأن الشعب السوري يجب أن يبقى استثناء، وعليه أن يخضع للطاغية. هذا الخطاب «اليساروي الممانع» الذي تبنته مجموعات سياسية عربية، وخصوصا في دول المغرب العربي، يتهاوى اليوم في الجزائر.
الاستبداد ومافيا النهب تتشابه في كل مكان.
هذه الطغمة باعت الأوطان من زمان، وخطابها السياسي المتهافت ليس سوى محاولة لحجب الحقيقة.
لكنني وأنا أتابع بعقلي ووجداني مسيرات الغضب الجزائرية، تذكرت جميلتنا نحن، بصورتها التي رسمها شاعر دمشق نزار قباني.
وتساءلت هل عادت جميلة إلى القصيدة؟
في تلك الأيام لم يكن أحد يتكلم عن الجزْأرَة أو السَوْرَنَة، كنا نعيش في إيقاعات «المغرب العربي»، كما كتبها السيّاب، وكنا نرى في جميلة نزار قباني ما هو أبعد من المرأة المناضلة التي وقفت بقدمين ثابتتين أمام حائط الاعدام. كنا نرى فيها صورة الجزائر وهي تنفض عنها الاستعمار والاستبداد
«الاسم جميلة بو حيرد/ العمر اثنان وعشرونا/ في السجن الحربي بوهرانْ/ عينان كقنديلي معبدْ/ والشعر العربي الأسودْ/كالصيف كشلال الأحزانْ…»
«الاسم جميلة بوحيرد/ تاريخ امرأة من وطني/ جلدت مقصلة الجلادِ/امرأة دوخت الشمسا/ جرحت أبعادَ الأبعادِ…»
اليوم يحاول الجزائريون أن يجلدوا مقصلة الجلاد مرة ثانية.
هناك في السودان والجزائر لم يمت ربيع العرب، فهذا الليل العربي الطويل المنصوب فوق جراحنا وآلامنا، ليس قدرنا. قدرنا يبدأ حين نمزق الصورة والاطار ونحطم مرآة الانحطاط والاستبداد.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية