البعض يطلق عليه صفة “الرئيس/ الكفن”، أي ذاك الذي يحكم ــ ويدير الساسة المدنيين والساسة الجنرالات على حدّ سواء ــ من قلب صورة فوتوغرافية عملاقة، أو من موقع الكرسي المتحرك، أو من سرير المرض في مصحّ فرنسي. وثمة مَنْ يحرص على استذكار تلك البرهة العجائبية، في نيسان (أبريل) من العام 1999، حين تقدم لانتخابات رئاسة الجمهورية مرشحاً عن الجنرالات، وكان قبلها قد عاد بغتة من منفاه الاختياري في دولة الإمارات العربية المتحدة. ولقد انتُخب بالضربة القاضية، حرفياً، لأنّ جميع المرشحين الآخرين (حسين آيت أحمد، أحمد طالب الإبراهيمي، مولود حمروش، عبد الله جاب الله، يوسف الخطيب، مقداد سيفي)، كبّروا عقولهم وقرروا الانسحاب أمام زحف العسكر!
ومع ذلك كله، ليس من أسرار خفية، أو اعتبارات سياسية وأمنية فريدة من نوعها، تقف خلف استمرار عبد العزيز بوتفليقة (1937 ــ ) في رئاسة الجزائر طيلة 19 سنة متواصلة متصلة؛ خاصة في ضوء ما سُمّي بـ”التعديلات الدستورية” للعام 2016، التي حددت الرئاسة بولايتين لخمس سنوات في كل ولاية. السرّ (المفضوح) والاعتبار (الأبرز) هو علاقة بوتفليقة بالجنرالات؛ في بلد دفع 250 ألف قتيل خلال حرب أهلية دموية أسفرت عن تفريخ إسلام جهادي قاعدي حلّ سريعاً محلّ إسلام شعبي وشعبوي مثّلته “جبهة الإنقاذ”.
وليس من جديد، سوى فضيلة التذكير، في التشديد على أنّ ذلك الإرهاب الجهادي كان خير ساتر للسلطة الحاكمة في تمرير برامج التعديل الاقتصادية والاجتماعية البغيضة، التي اشترطها صندوق النقد الدولي. فالوحشية التي اتصفت بها عمليات “الجماعة الإسلامية المسلحة” و”الحركة الإسلامية المسلحة” و”الجبهة الإسلامية للجهاد المسلح” و”الجيش الإسلامي للإنقاذ”، وسواها؛ جعلت المواطن الجزائري رهينة هاجس البقاء على قيد الحياة، قبل هواجس الغلاء والبطالة وانحطاط الخدمات وشؤون المعاش اليومية. ذلك، في معنى آخر، كان شكلاً معقداً، وربما “غير مرئي”، جعل برامج السلطة الحاكمة خارج دائرة النقد الاجتماعي، من جهة أولى؛ كما أتاح، من جهة ثانية، قبول العسكر كجهة إنقاذ بديلة وحيدة، أياً كانت أساليبها في القمع أو اعتماد العنف، إلى جانب حماية الفساد وترقية الفاسدين.
ولا تُنسى هنا، أيضاً، حقيقة أنّ الولايات المتحدة تابعت آنذاك نهجها المتمثل في إخضاع المشهد الجزائري الدامي لعنصر أوّل حاسم هو خدمة المصالح القومية الأمريكية؛ فغضّ البيت الأبيض النظر عن حمامات الدم وتلال الجثث الأهلية في الجزائر، وتجاهل أمثال ريشارد بيرل وبول ولفوفيتز ودونالد رمسفيلد وكوندوليزا رايس أنّ البلد كان يشهد إرهاباً من نوع أعمى، أشدّ قسوة وبربرية من أيّ إرهاب زعمت واشنطن أنها تخوض حرباً شاملة ضده. ومن هنا توجّب أن يُفهم إصرار رجل مثل حسين آيت أحمد على الربط بين مشروع بوتفليقة في المصالحة الوطنية (حيث الهدف الأهمّ هو تبييض ساحة الجنرالات بما يتيح استمرار تحالفهم مع بوتفليقة، تمهيداً لتعديل الدستور)؛ وبين ما حظيت به رئاسة بوتفليقة من تأييد فرنسي وأمريكي صريح، بدا فاضحاً أحياناً.
وذات يوم أماطت إحدى برقيات “وكيليكس” اللثام عن حوار شهدته العاصمة الجزائرية، صيف2005، بين بوتفليقة وريشارد لوغار رئيس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس الشيوخ الأمريكي يومذاك؛ انصبّ خلاله جهد بوتفليقة على إقناع لوغار بمحاسن العودة إلى الحوار مع نظام بشار الأسد، وما يمكن أن يحمله من مكاسب لمصالح أمريكا في المنطقة، خاصة الحدّ من نفوذ إيران، وضبط “حزب الله” في لبنان. يومها كان الرئيس الجزائري خارج الكرسي المتحرك، ولم يكن قد بلغ مرحلة التجسيد الأقصى لأمثولة “الرئيس/ الكفن”، ومع ذلك فقد ناصر النظام السوري، ولسوف يناصره لاحقاً حتى في أحلك فترات استشراس النظام ضدّ الشعب السوري؛ لأسباب تنبع مباشرة من حقيقة تشابه النظامين، بل تطابقهما إلى حدّ التكامل.
ما خلا، بالطبع، أنّ بوتفليقة يتفوق على بشار الأسد في سنة إضافية من البقاء على الكرسي، ثابتاً كان أم متحركاً!