ضباط في قيادة المنطقة الوسطى، من الجنرال يهودا فوكس فما تحت، بدأوا يستعدون لإخلاء سكان مسافر يطا في جنوب جبل الخليل، كي يتمكن الجيش من البدء بإجراء تدريبات عسكرية منتظمة في المنطقة، هذا ما كتبه ينيف كوفوفيتش في الأسبوع الماضي. حسب المقال، تم الإعداد بمبادرة من المستوى الأمني، ولم تسبقها أوامر (أو مشاورات مع المستوى السياسي). هل من المعقول أن يبادر جنرال في الجيش الإسرائيلي إلى خطة تمس قضية متفجرة وتثير الاهتمام الدولي، دون أن يعرف عنها الوزير المسؤول (في هذه الحالة الحديث يدور عن بني غانتس)؟ هل استغل قائد المنطقة الوسطى حقيقة تشكيل الحكومة الجديدة وأخرج من الدرج خطته؟ هل يعقل أن قائداً كبيراً جداً في جيش الشعب، بصفته المسؤول عن “المناطق” [الضفة الغربية]، يضع خططاً عملية تتعلق بحياة الناس من أجل السيطرة على أراض، من دون تعليمات صريحة وبدون أن يعرف وزير الدفاع؟
بقيت غارقاً في السؤال الذي قض مضاجعي. كان هذا في الصباح الباكر، وقررت توجيه السؤال لخبير عسكري. فكان جوابه، قبل قراءة المقال بالكامل، “هذا غير معقول”. بعد قراءة المقال، قال: “قيادة المنطقة الوسطى تتجاوز المستوى السياسي”.
لفهم ما يحدث في المنطقة التي تسمى مسافر يطا، يجب الرجوع بالزمن؛ ففي 1981 اقترح وزير الزراعة في حينه، اريئيل شارون، تخصيص مناطق لتدريب الجيش الإسرائيلي في جنوب جبل الخليل، رغم عدم الحاجة لذلك في تلك الفترة. السبب الحقيقي موجود في محاضر الجلسات من تلك الفترة. اعترف شارون بأنه يفضل استخدام الجيش لهذه المناطق بسبب تمدد العرب في الجبل. وقال أيضاً: “لنا مصلحة في توسيع وزيادة مناطق التدريب للحفاظ على هذه المناطق في أيدينا”.
الآن لننتقل بقفزة سريعة إلى الأمام 30 سنة: في نيسان 2014 تم عقد جلسة للجنة الخارجية والأمن التابعة للكنيست، تمت فيها مناقشة “البناء الفلسطيني غير القانوني في مناطق ج”. مراسلة “هآرتس” عميره هاس، كتبت في حينه أن موقف الكثير من المشاركين هو أنه يجب “تطيير” السكان الفلسطينيين من المنطقة. وقد فسر ذلك بالادعاء أنه حسب تعليمات المسؤول عن “المناطق” [الضفة الغربية]، الذي هو قائد المنطقة، يحظر على الفلسطينيين البناء في مناطق ج، وبناء على ذلك يمكن استغلال “مخالفات” البناء التي يقومون بها من أجل إبعادهم كلياً عن المنطقة.
عيناف شليف، الذي كان في حينه عقيداً وقائد قسم العمليات في قيادة المنطقة الوسطى، قال في تلك الجلسة إن الرغبة في العمل ضد البناء غير القانوني هي أحد أسباب زيادة التدريبات في الغور وفي جنوب جبل الخليل. أي نا نفهم من أقواله بأن تخصيص المنطقة للتدريب لم ينبع فقط من أسباب مهنية، بل كذريعة لطرد السكان المحليين.
في تلك الجلسة شارك أعضاء اليمين في حينه، والأعضاء في الحكومة الآن مثل أوريت ستروك وبتسلئيل سموتريتش، اللذين يفسر موقفهما في حينه والآن رغبة قوية في السيطرة على الإدارة المدنية. وحسب موقفهما، فمن الأفضل أن يسيطر المستوطنون على هذه الهيئة بشكل مباشر بحيث تخدمهم وتواصل خدمتهم.
لقد سعت ستروك وسموتريتش طوال سنين لطمس سياسة الخط الأخضر وتفضيل المستوطنين على مجموعات سكانية أخرى، خاصة الجيران الفلسطينيين. عند تشكيل الحكومة الحالية وإزاء القوة التي راكمتها ستروك وسموتريتش أمام بنيامين نتنياهو الضعيف، يمكنهما إملاء طموحاتهما على رئيس الحكومة، والتي تتمثل بتفاصيل دقيقة لسيطرة مطلقة على الحياة وراء الخط الأخضر.
لكن سموتريتش وستروك يعتبران ممن يلعبون في ملعب مفتوح وبصورة مكشوفة. مواقفهما ودوافعهما لم تتغير، بل وصلت إلى مقدمة المسرح. من أخذ اقتراح شارون المخادع من أربعين سنة وطموحات أعضاء اللجنة الفرعية في لجنة الخارجية والأمن وحولها إلى خطة عملياتية، وقد فعل ذلك في الظلام وبدون إشراك وزير الدفاع، المسؤول المباشر عنه. بصدفة غريبة، تم الكشف عن هذا العمل في وضح النهار، بالضبط عند تولي الحكومة اليمينية المتطرفة للسلطة. عندما وجد الجنرال فرصة لتقديم ثمار عمله التي جهد من أجلها بدون مصادقة المستوى السياسي.
ألا يوجد في ذلك نوع من الانقلاب على الحكم في وقت يخطط فيه الجيش ويستعد لتنفيذ خطط تخدم المستوطنين وتقديمها لمصادقة الدولة عليها بدلاً من تسلم أوامر وتنفيذها؟
ترعرعت في كيبوتس “غينيغار”، أبي وأمي كانا من مؤسسي الكيبوتس، الذي عمره الآن مئة سنة. عشنا حياة متواضعة ولم نعتقد أننا نستحق ذلك. لم يحاول آباؤنا ابتزاز المزيد والمزيد من الدولة من أجل مشروع الاستيطان الذي أقاموه ولم يضعوا أي خطط في الظلام حول كيفية تفضيل أنفسهم على حساب الآخرين. في المقابل، شاهدت أثناء نشاطي في “المناطق” [الضفة الغربية] انسجاماً مطلقاً بين الجيش والمستوطنين في البؤر الاستيطانية غير القانونية. مجموعة سكانية صغيرة لها جيش، وجيش له دولة، والجميع يعمل صبح مساء على سرقة الفقير والتدمير والزعرنة.
بقلم: رعياه يارون كرمئيل
هآرتس 15/1/2023