بورتريه لأفراح الجبالي

للحَضْرَمَوتِيّاتِ من أوفيدَ، شيءٌ مثلُ سرِّ الكائناتِ ومسْخِها، وتناسخِ الألوانِ حين ندورُ في حلقاتِها؛ في السلّم الحلزونِ نصعدُ نحن/ نهبطُ نحنُ/ والألوانُ تنصَل مثلنا، والوقتُ يصْدأُ مثلنا.. لكنّما للونِ ذاكرةٌ لما يأتي من الألوانِ، والألوانُ لا تنسى كما ننسَى. إذن لا بدّ من ذكرى لنا.
٭ ٭ ٭
في نيابوليسَ.. نسِيتُ أينَ؟ اللونُ مرجانُ القرنفلِ؛
للظلامِ هناك شكلٌ دائريٌّ كالظلالِ، وفي المقاعدِ من فتاتِ الأزرقِ الصوفيِّ، شيءٌ من رذاذٍ برتقاليٍّ؛ وطيفُ فراشةٍ في مائها اغتسلتْ، لتدخلَ روحَ ليمونٍ معطّرةً.. قرنفلةً لبرج القوسِ..
حيث البحرُ أقربُ ما يكون لنا جراءَ الأرض نحنُ.. فراخَها.. أسماكَ موسى نحنُ.. كلٌّ سارحٌ أو سابحٌ في مائهِ.
في الحانِ، سيراناتُهُ غنّين لي.. أو هكذا أوهَمتُ نفسيَ.. كانت الكلماتُ تنفخُ، وهي تُقرع كالنحاسِ.. ترنُّ كالأوتار في أصدائِها.
٭ ٭ ٭
«هيَ» هكذا سمّيتُها..
وكتبتُ لي «هذا ضمير المحْوِ.. كي تبقى.. ولا اسم لها.. ولي».
٭ ٭ ٭
الضوءُ يعلو.. ثمّ يهبطُ.. ثمّ يجري.. ثمّ يعتمُ.. ثمّ يسكنُ لوحةً..
يَخِطُ البياضَ بظلّه.
اللونُ هذا الغامضُ الأبديُّ، هذا الغامضُ العرَضيُّ.. ذاكرةٌ لعيني أم يدِي؟ وأنا أقدّرهُ منازلَ.. حيث كان اليومُ يدفنُ أمسهُ حتى يكونَ.. اللونُ يدفنُ لونَهُ.. ويكونُ أنّى لا يكونُ.. اللونُ مثل الموتِ أعمى إذ يلاحقُنا بعينٍ لا ترانا.. اللونُ يلمسُ جلدَنا ويشمُّنا.. هذا الجنينُ اللونُ مثلُ الموتِ يَجْتسُّ الطريقَ إلى الحياةِ..
كأنّ وجهي في انتظاري.. الوجهُ مرآةُ القناعِ قناعِنا.
٭ ٭ ٭
فمُها النديُّ كبلحةٍ.. يَعْطُو إلى شفتينِ، منفرجًا لسرٍّ ما.. الصبيّةُ إذ تُروّحُ عن بُثورِ اللونِ.. تغمسُ في مدادِ الأبيض المزرقّ ريشتَها.. لهذا اللون رائحةٌ.. ودفءٌ رابضٌ.. أو نابضٌ بين الأصابعِ.. وامضٌ..
تغييرُ مجرى اللونِ لعبتُها.. كأنّ اللونَ حين يندُّ حلمٌ لولبيٌّ.. وَحْدَها كانت تدورُ به.. وتدخلهُ.. وتخرجُ وَحْدَها منهُ..
تقول معاشيَ اليوميُّ.. زادي الرسمُ.. قرْعُ الظلِّ.. هذا اللونُ مثلُ الجزْرِ، مثلُ المدِّ.. مسموعٌ ومرئيٌّ..
مداري الجديُ صيفا أو شتاءً.. لي شتائي النابليُّ.. ومعطفي الواقي..وفي رَغَدٍ من الأمطار، أسلكُ حيث لا تتكرّر الألوانُ…
صيفيٌّ منامي.. حَضْرموتيٌّ،
ولي من قطّتي.. في بيتِنا في حضرموتَ..
تنامُ حيث أنامُ.. ملءَ جفونها؛ ظلٌّ.. وحلمٌ لولبيٌّ..
إذ أفكّ قميصيَ القطنيَّ.. زرًّا واحدًا.. اثنينِ.. تُغمضُ ضوءَها.. حينا.. وتفتحُ ظلّها..حينا.. لها ذيلٌ إلى الأعلى.. ولي
ما لا أسمّي أو أقولُ.. بريقُ فروتِها.. وشيءٌ من نعومتِها وقسوتِها.. وأرنبُ لابدٌ في العشبِ.. منتظرٌ.. ولي القطنيُّ أزغبُ..
أشعلُ الأبَجورَ..(كيف تسلّلتْ من حضرموتَ إليَّ أنا.. هنا؟ في منزلي في نيابوليسَ؟)
ولي أنا في الفحمِ أبيضُ جمرهِ.
٭ ٭ ٭
حتى إذا أخذتْ كفايتَها من الألوانِ، نطّتْ نحو شرفتِها، لترضعَ زهرةَ الزعرور.. تسألُ نبتةً بزغتْ .. ولا اسمَ لها.. (كذا)
هي بذرةٌ من عشبةٍ بحريّةٍ.. وقعتْ صباحًا في حديقتِها..
تحيّةَ نورسٍ.. أو لقلقٍ..
كانت تغنّي أو تفتّتُ خبزَها الحافي وتطعمُ بطّةً..
وتصيحُ ما أن تنتهي من لوحةٍ: «الآن نبدأُ»
صَادِحٌ حينا، جهيرٌ صَوتُها.
٭ ٭ ٭
متعرّجًا كالنهر.. كان عليّ حين ألاحقُ الإيقاعَ في اللوحاتِ.. أن أستدرجَ المعنى.. إليَّ.. وكان يأبَى.. اللونُ.. هذا الأحمرُ البنيُّ؟
ــ من حمّامِيَ الشمسيِّ عند البحرِ.. أعني من تلَوُّحِ بَشرتي..
والشمسُ في بُرْج الكنيسةِ.. في ظلالِ مساجدٍ.. في نيابوليسَ، تدورُ..
ــ الأزرقُ المبيضُّ.. هذا الأبيضُ المزرقُّ؟
ـ من تمثالِ مريمَ.. ربّما.
٭ ٭ ٭
«هي»
في مدارِ الشمسِ، عند البحرِ تبدأُ رحلةَ الألوانِ..تخلسُ يومَها؛
والبحرُ في ألوان أزرقهِ يغوصُ.. الريحُ ترفعُ موجَهُ.. والبحرُ حيٌّ لا يموتُ.. الاسمُ ماتَ (نيابوليس)..
وحيدةً.. أطفو على ظهري، وتبدأُ لوحتي.. جسدي وفيرٌ،
لم أشدَّ وثاقَهُ يومًا إلى صارٍ.. ولم أسددْ بشمعِ النحل أذني
البحرُ حَوضٌ واسعٌ.. رحِمٌ..
وفي زبَدي أسيحُ.. الباردُ الزيتيُّ.. لي.. والبرتقاليُّ المُنمّشُ لي أنا..
والبحر ذا برميلُ ديّوجينَ؟ أم برميلُنا نحن النساءَ؟ نقلّم الأشجارَ حيث الأرضُ تسْبُتُ.. والسماءُ مشيمةٌ.. نبْري لها قلمًا.. ونرتقُ فتقَها.. للطير أثداءٌ، وللأشجارِ أوراقٌ تضيءُ.. لها عناقيدُ الهواءِ.. البحرُ هذا كاغدّ للصقلِ.. حيث اللونُ مثل الصوتِ يجري في الزمانِ وفي المكانِ.. اللونُ موسيقى..
من الألوان نحن معا إلى الأشياءِ، نذهبُ أم من الأشياء نحن معا إلى الألوان.. تُسدلُ جفنَها.. وتسيرُ في اللونِ السعيدِ.. كأنّها معصوبةُ العينينِ… إذ قطراتُ أزرقِها.. وأخضرِها وأصفرِها.. وأحمرِها.. تنزُّ.. لها بنفسجُ ليلة قمراءَ.. ماءُ البرتقالِ.. الأزرقُ النيليُّ.. هذا قوسُها.
٭ ٭ ٭
البحرُ هذا ملتقَى الألوانِ ترقى في سماءِ نْيابوليسَ..
تظلّلُ التلَّ المطلَّ على الخليجِ/ تضيءُ لي الحصباءَ والأسماكَ/ أشرعةَ السفائنِ والنوارسَ والقواقعَ/ والمراعي والمزارعَ والسفوحَ/ رمالَ ناصيةِ الشواطئِ والمحارَ/ تضيءُ لي أشباحَ غرقى في الطريقِ إلى الشمالِ/ تضيءُ لي خيلاً منكّسةَ الرؤوسِ/ أعنّةً ذهبيّةً للقادمين من الشمالِ/
تظلُّ لي وحدي حريرَ قميصِ سيّدةٍ.. هنالكَ عالقًا في جانبِ الحُلْمِ
المعلّقِ حيث شمسُ نيابوليسَ تضيءُ مائدةً وكرسيّينِ.. في إبريلَ..
حيثُ الأزرقُ الصوفيُّ شيءٌ من شذاها الفجرَ.. شيءٌ من نعومةِ جلدِها.
٭ ٭ ٭
في ماءِ لوحتِها الألوانُ لا تغفو.. اللونُ مثل الموتِ.. لا سِنةٌ فتأخذَه.. ولا نومٌ..
وللألوانِ حكمةُ من نحبُّ..وسرّهنَّ.. لهنَّ.. إذ في السلّم الحلزونِ نصعد، ثمّ نهبطُ.. إنّما في رغوةِ اللونِ المعطّرِ.. في طنينِ البحرِ.. هذا الكاغدِ المصقولِ..
لونٌ غامضٌ كالحبِّ لا اسمَ لهُ.. ولا ظلٌّ/ له صفةُ الثمارِ مَعيسةً/ صفةُ النهودِ/ مَعيسُ ألوان تُرضُّ/ ووسْم أشجارٍ/
نسيناهُ.. اسمُه حريّةٌ في الحبِّ؟ من أينَ انبثقتِ له إذنْ؟
من أيّ ظلٍّ؟ أيِّ ضوءٍ؟ أيِّ لونٍ؟ جئتِهِ؟
٭ ٭ ٭

الموتُ مثل الحبّ، أبيضُ حين يأتي بغتةً.. في النومِ.. أو في السكْرِ.. أسودُ.. حين يأتي كالضبابِ..من السواحلِ.. حين يأتي مِن تلالِ البحرِ.. أرقطُ.. ربّما.. كالسخْتيانِ.. الماعزِ المدبوغِ/ دبّاغ الجلود يقول: هذا اللونُ لحمٌ فاسدٌ/
في البرِّ أو في البحرِ، يشتمُّ الذبابُ روائحَ الأمواتِ؛ يلكعُها بنفسجَ سوسنٍ..
اللونُ مثلُ الموتِ.. أبكمُ أو أصمُّ.. يدِي تقولُ اللونَ.. تكتبهُ.. وترسمهُ.. تغنّي اللونَ.. تُرقصهُ لنا..
لا بابَ للأبديّةِ.. الألوانُ بعضُ دمٍ يسيلُ.. ولا يسيلُ.. اللونُ أحمرُ داكنٌ كالحبِّ.. أو مثلُ الحياةِ.. اللون حيٌّ لا يموتُ..
وماؤُهُ من ضوئهِ.
٭ ٭ ٭
أنا لستُ عوليسَ القديمَ، ولا الجديدَ، وليس لي رحلاتُهُ
لا سندبادَ البحر كنتُ، ولن أكون أنا ..
عصا الأعمَى على الطرقاتِ تخْبطُ.. ذاكَ سرُّ الكائناتِ ومسْخُها.. وأنا الذي سلّمتُ عقلي للفنونِ جميعِها.. نَقْرٌ على بابي هنالكَ في زُقاقٍ قيروانيٍّ كخيطِ العنكبوتِ (الآنَ أسمعهُ/ هنا/ في نيابوليسَ) وعودُ نعناعٍ.. نمَا في غيبتي..
وعليَّ أن أصغي لموسيقى الحجارةْ.
أفراح الجبالي شاعرة ورسّامة تونسيّة. وهذا البورتريه هو فاتحة عمل شعريّ*
«بورتريهات منصف الوهايبي»

٭ كاتب من تونس

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية