بوصفه حزباً يهودياً-عربياً: اليساري “ميرتس”.. من “سؤال العرقية” إلى اختيار الطريق الأمثل

حجم الخط
0

“أعتقد مبدئياً وجوهرياً، أن تضم الأحزاب الصهيونية 20 في المئة من العرب في أماكن مضمونة. ولو كان عليّ بلورة قائمة كما أريد، وإذا أتيح لي تشكيل قوائم لاقترحت وجود شخص عربي في الخمسة الأوائل، وآخر في الخمسة الذين يعقبونهم. هذا ما قاله عضو الكنيست من “ميرتس”، يئير غولان، في مقابلة أجراها معه قبل سنة رفيت هيخت (“هآرتس”، 24/1/2020). الآن، إزاء التشكيلة المتبلورة في الخماسية الأولى في قائمة “ميرتس” تمهيداً للانتخابات القادمة، من المفرح والمشجع رفض نظرية المركزية العرقية هذه لغولان، التي وضعت “نومروس كلاوزوس” (عدد محدود) لدخول المواطنين العرب إلى الحقل السياسي الإسرائيلي الواقع خارج القائمة المشتركة. ومثلما نشر قبل أسبوعين، قرر “ميرتس” أن يتم وضع ممثلين عن الجمهور العربي في الخماسية الأولى: الناشطة الاجتماعية غيداء ريناوي – زعبي، التي وضعت في المكان الرابع. وعضو الكنيست السابق عيساوي فريج في المكان الخامس. بهذا، وقف “ميرتس” مرة أخرى من وراء حلم المساواة والشراكة بين اليهود والعرب، الذي نقشه الحزب على رايته برئاسة عضوة الكنيست تمار ديندبرغ قبل سنتين تقريباً.

لو تبنى “ميرتس” النظرة اليهودية الديمغرافية لغولان، لكان معنى ذلك أن حزب اليسار الإسرائيلي الوحيد مستعد لوضع بنية العلاقات الهرمية في صورته بين اليهود والعرب في المجال السيادي المدني، والتسليم بالتوجه نحو تعميق التمييز ضد الأقلية العربية – الفلسطينية، الذي ارتفع درجة عند سن قانون القومية.

في هذه الحالة، كان يمكن الاتفاق مع أقوال يوسي ميلمان في مقال التأبين المناوئ لليسار لحزب ميرتس (“هآرتس”، 13/12)، بأن الحزب أنهى دوره في المجال السياسي. ورغم جهود غولان لضمان أغلبية يهودية مسيطرة في قيادة الحزب، إلا أن أتباع الهيمنة اليهودية في الدولة أصلاً، لم يكن يخطر ببالهم أن يتركوا الأحزاب القومية المتطرفة الواضحة لصالح “ميرتس”. وفي المقابل، من يؤيدون المساواة الحقيقية بين اليهود والعرب كانوا سيبتعدون عن “ميرتس” نهائياً.

صحيح أنه لا يكفي وضع ممثلَين عربيين في أسفل الخماسية الأولى من أجل إعادة تشكيل “ميرتس” كحزب عربي – يهودي مساواتي، كما دعا إلى ذلك أوري زكي، رئيس إدارة الحزب (“هآرتس”، 4/12)، ولكن على خلفية ارتباط “ميرتس” المؤلم مع سارقي أصوات اليسار، عمير بيرتس وأورلي ليفي أبكاسيس، وإزاء هجوم خطاب غولان عن التفوق اليهودي، فلا شك أن أمامنا الآن تغييراً أساسياً ومهماً جداً.

يبدو أن قيادة الحزب فهمت بأن نجاح “ميرتس” في أوساط الجمهور العربي في نيسان 2019 -حين صوت لـه نحو 50 ألف مواطن عربي- لم يكن بالصدفة. والاحتمال الواقعي الوحيد أمام الحزب في تجاوز حدود “دولة تل أبيب”، يكمن بالارتباط الشجاع مع المجتمع العربي.

هل يخرج “ميرتس” في أعقاب تحوله إلى حزب عربي – يهودي مساواتي، من كونه حزباً صهيونياً؟ الجواب يتعلق في المقام الأول بتعريف ماهية الصهيونية. إذا كانت الصهيونية تعني تخليد التفوق اليهودي والدونية العربية، فلن يعتبر “ميرتس” اليهودي – العربي حزباً صهيونياً. وإذا كانت الصهيونية تعني دعم المبدأ المزدوج المتمثل في دولة الشعب اليهودي ودولة كل مواطنيها، وهو أحد المبادئ المركزية في برنامج “ميرتس” الانتخابي، فإن الحزب في شكله الذي طال انتظاره كحزب للشراكة العربية اليهودية سيلبي معايير الفكرة الصهيونية.

مع ذلك، يمكن أن نصعب الأمر ونتساءل: من الواضح أن فكرة الشراكة المساواتية العربية اليهودية في إطار “ميرتس” تعكس مبدأ دولة كل مواطنيها. ولكن ما علاقة هذه الفكرة بمبدأ دولة الشعب اليهودي؟ أجل، “ميرتس” العربي – اليهودي لن يدفع قدماً بحلم دولة الشعب اليهودي، ولكن بصورة متناقضة، وبالتحديد بهذا، سيساهم مساهمة ناجعة، وحتى حيوية، لدولة إسرائيل. بعد كل شيء، لا حاجة إلى الدفع قدماً بحلم دولة الشعب اليهودي في إسرائيل، لأن إسرائيل كدولة للشعب اليهودي موجودة في هذا الواقع منذ سبعة عقود. بالعكس، من العدل أن نمنع الجهود الاستحواذية لتوسيع البعد اليهودي للدولة. كل ذلك لأن هذه التوجهات تسبب الضرر للأقلية العربية المقموعة، بل وأيضاً للأكثرية اليهودية التي تقوم بالقمع، والتي تعاني في أعقاب ذلك أكثر فأكثر من رهاب قومي وتميل إلى استيعاب آليات نفي “الآخر”، من خلال توجيهها نحو الداخل، ضد أجزاء من التجمع اليهودي نفسه.

إن حزباً عربياً – يهودياً جديداً وصغيراً، إذا نبت من داخل “ميرتس”، لن يؤدي إلى التوازن الضروري في إسرائيل بين مبدأ دولة الشعب اليهودي ومبدأ دولة كل مواطنيها، وسيُحدث تغييرات كبيرة في النظام العرقي اليهودي في الدولة. ولكن عندما يعتبر عدم المساواة والقطبية بين اليهود والعرب – الفلسطينيين، في نظر الجميع وضعاً طبيعياً ومفهوماً ضمناً للواقع المدني الإسرائيلي، فمن المهم خلق مساحة سياسية صغيرة، عربية – يهودية، مساواتية ومشتركة.

في الأسبوع الماضي قام “ميرتس” بخطوة مهمة في هذا الاتجاه. وبناء على ذلك، ورغم جميع الخسائر، التي بالتأكيد سيستمر إسماعها في الخطاب السياسي قبل الانتخابات مثلما كانت الحال قبل سنتين، إلا أن “ميرتس” الآن في الطريق الصحيح.

بقلمديمتري شومسكي

 هآرتس 18/1/2021

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية