غزة ـ «القدس العربي»: تزداد في هذه الأوقات الاحتمالات من اندلاع تصعيد عسكري خطير على «ساحة غزة» بسبب الأحداث الميدانية التي تشهدها الضفة الغربية والقدس، وتحديدا المسجد الأقصى، بعد أن أكدت المقاومة المسلحة على موقفها القاضي بالربط بين ساحات الوطن، والتلويح باستخدام قوتها المسلحة، دفاعا عن الأقصى، الذي يتعرض لهجمات تريد منها حكومة اليمين الإسرائيلية تكريس التقسيم المكاني والزماني.
وكان لافتا في هذا السياق، ردود المقاومة المسلحة الغاضبة، والتي انطلقت من قطاع غزة، لتضرب المستوطنات الإسرائيلية القريبة من الحدود، ردا أولا على الاعتداءات التي تعرض لها المسجد الأقصى، حين داهمت قوات الاحتلال بأعداد كبيرة المسجد واعتدت على المصلين والمعتكفين، وثانيا للرد على القصف الجوي العنيف الذي استهدف غزة قبل أكثر من أسبوع.
وقد استندت المقاومة في غزة، وفي واحدة من المرات الفريدة، لتدخل ساحات مواجهة أخرى في المعركة ضد حكومة اليمين، وهي ساحة لبنان التي انطلقت منها عشرات الصواريخ على المستوطنات المقامة في مناطق الشمال وسوريا التي استهدف من أراضيها الجولان المحتل، علاوة عن ساحة الضفة الغربية الملتهبة، في رسالة إنذار لحكومة اليمين الإسرائيلية، من مغبة الاستمرار في الاعتداءات، أو دعمها لخطط المستوطنين، بان ذلك سيفتح عليها جميع جبهات المقاومة مرة واحدة.
ولذلك جرى التأكيد من قادة الفصائل المقاومة في غزة، على استمرارهم في عمليات الرد على أي اعتداءات على المسجد الأقصى، إذ جرى إبلاع هذا الأمر لوسطاء التهدئة، الذين تدخلوا مؤخرا وكثفوا من اتصالاتهم، بعد أحداث القصف الجوي الإسرائيلي العنيف على غزة، وما قابله من رد قوي أيضا للمقاومة، بعد تصعد دام لساعات، كان السبب فيه الأحداث الملتهبة في الأقصى.
وقد ركزت المقاومة على معادلة الرد، التي تقوم على اللجوء للقوة المسلحة، في معركة الدفاع عن المسجد الأقصى، فيما ردت وقتها حكومة الاحتلال، بعد توقف التصعيد، بأن غاراتها ستتوقف عن القطاع، إذا ما توقفت عملية إطلاق الصواريخ على مستوطناتها الحدودية، وهو ما يفتح باب التوقع لاحتمال اندلاع قريب لتصعيد عسكري خطير.
ولذلك، لم تخف وزارة الخارجية الفلسطينية، التي تطلع بحكم عملها، على العديد من الملفات الداخلية، خشيتها من شن حكومة الاحتلال حربا قريبة على غزة، وقالت إنه سيكون لها نتائج وتداعيات كبيرة، باعتبار ذلك سيكون خيارا لإنقاذ حكومة اليمين المتطرفة، وتوقعت أن يقدم رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو على فعل كهذا، بعد انتهاء الأعياد اليهودية.
وطالبت في ذات الوقت بـ «مواقف دولية استباقية لمنع تلك الجرائم من أن ترتكب بحق الأبرياء من أبناء الشعب الفلسطيني وتحديدا في قطاع غزة، بما فيها استعادة سياسة الاغتيالات بحق القيادات الفلسطينية هناك».
تلك التحذيرات للخارجية الفلسطينية، والتي جاءت بشكل مفاجئ، كان لها ارتباطات بتطورات حصلت في إسرائيل، تمثلت أولا بعقد اجتماع بين رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو وزعيم المعارضة يائير لابيد، وهي اجتماعات بالعادة تعقد لاطلاع المعارضة على قرارات حاسمة تريد الحكومة تنفيذها، وهو ما دفع بالمحللين إلى التوقع بأن يكون ذلك الاجتماع خصص لنقاش ملف عسكري، خاصة وأنه جاء بعد أن وضع قادة جيش الاحتلال قبل الاجتماع بأيام خطة للتعامل العسكري مع غزة وجنوب لبنان.
وبما دلل على ذلك، هو تصريحات لابيد بعد ذلك الاجتماع، والذي قال فيها، إنه أصبح «أكثر قلقا» بعد ذلك اللقاء، وأعلن أيضا أن «المعارضة ستدعم أي عمل توصي به الأجهزة الأمنية في مواجهة موجة العمليات».
نتنياهو يهدد
وقد أتبع ذلك نتنياهو، بان عقد مؤتمرا صحافيا في مقر وزارة الجيش، وليس في مكتبه على غرار العادة، إذ يتم اللجوء إلى عقد المؤتمرات في وزارة الجيش وقت الحروب أو التصعيدات العسكرية الكبيرة، وكأنه بذلك أراد أن يوصل رسائل مبطنة، تركز على التلويح بالعمل العسكري، حيث قال خلاله إن إسرائيل تتعرض لـ«هجمات إرهابية» من غزة ولبنان وسوريا، وهددت بالتصدي لـ «كل المخاطر التي تهدد أمن إسرائيل» وفي ذلك المؤتمر ذكر نتنياهو مصطلح «استعادة قدرة الردع الإسرائيلية» وهو المصطلح الذي يستخدم كمقدمة لأي عمل عسكري كبير، يتخلله إيقاع خسائر بشرية ومادية في غزة، وقد شدد خلال المؤتمر، أن إسرائيل لن تسمح بإنشاء بنية تحتية لحركة حماس في جنوب لبنان، وتحدث عن الضربة العسكرية الأخيرة لغزة وجنوب لبنان، والتي ألقى خلالها 50 طنا من المتفجرات على غزة، في ليلة واحدة.
ولذلك بقت الشكوك تراود الفلسطينيين بإمكانية أن يقوم الاحتلال بعمل غادر، أو أن يصطنع حدثا ما ليقوم بشن هجوم على غزة، رغم قرار حكومة نتنياهو القاضي بمنع للمستوطنين من اقتحام الأقصى في العشر الأواخر من رمضان، وهو قرار اتخذه الاحتلال بزعم الحفاظ على الهدوء، كون أن العملية ستفجر موجة غضب فلسطيني كبيرة، حيث استدل على ذلك، من قرار الاحتلال بنشر منظومة القبة الحديدية بشكل مفاجئ في عدة مناطق، واستدعاء قوات الاحتياط، وما تلاها من الكشف عن تقرير لشعبة الاستخبارات في جيش الاحتلال، يرجح أن الأمور ذاهبة للتصعيد أكثر من الهدوء.
وقد فهمت الفصائل المسلحة في غزة، الرسائل التي أراد نتنياهو إيصالها، والتي حملت لغة التهديد والوعيد، ولذلك أكدت حركة حماس على لسان الناطق باسمها حماس حازم قاسم أن تصريحات نتنياهو لا يمكن أن تُخيف الشعب الفلسطيني الذي قال إنه سيواصل معركة الدفاع عن هوية المسجد الأقصى في مواجهة الحرب الدينية التي يشنها العدو.
وأشار إلى أن خطاب نتنياهو محاولة لقلب الحقائق، مؤكدا أن الاحتلال هو أساس كل التوترات، مشيرا إلى أن الاحتلال يمارس الإرهاب بشكل ممنهج ومستمر، مؤكدا أيضا أن تهديدات نتنياهو ضد الشعب الفلسطيني وسوريا ولبنان وإيران، «تؤكد أن الكيان الصهيوني يشكل خطراً على كل المنطقة ومصالحها».
المقاومة تتجهز
كذلك حذرت حركة حماس الاحتلال من الإقدام على أي حماقة بحق الأقصى والمصلين الآمنين وضد أهل القدس، مؤكدة أن المساس بالأقصى يعد «تهديدا للأمن والسلم في المنطقة، واعتداءٌ على عقيدة المسلمين جميعا».
وطالبت الحركة الفلسطينيين بـ «النفير العام للصلاة والاعتكاف في المسجد الأقصى المبارك والرباط في جنباته، والدفاع عنه خاصة مع إعلان جماعات المستوطنين عزمها الاستمرار باقتحام المسجد خلال العشر الأواخر من شهر رمضان المبارك» كما دعت الدول العربية والإسلامية والمنظمات الدولية إلى تحمّل مسؤوليتها في وقف عدوان الاحتلال وحكومته الفاشية على المسجد الأقصى.
وهذه الدعوات أيضا تبنتها فصائل المقاومة المسلحة في غزة، والتي عقدت اجتماعا لها ناقش آخر التطورات الميدانية، وأعلن في ختامه، أن تهديدات قادة الاحتلال «لن تخيف شعبنا ومقاومته الباسلة، بل ستقابل بتصعيد المقاومة والثورة والانتفاضة بكل أشكالها ضد كيان العدو المجرم ومستوطنيه».
وتوعدت الاحتلال بأن يدفع ثمن أي اعتداء على الفلسطينيين، وقالت «سيواصل شعبنا تلقين العدو دروسا في المقاومة والتمسك بالحقوق والدفاع عن المسجد الأقصى مهما كانت التضحيات».
وبشكل صريح هددت بتسخين كل ساحات المقاومة، للرد على هجمات الاحتلال ضد القدس والمسجد الأقصى، وقالت إن العمليات البطولية في الأغوار وتل أبيب والضربات الصاروخية من غزة لبنان وسوريا والهبة الشعبية المباركة لسكان الـ 48 والاشتباكات المستمرة والمتصاعدة في كل مكان من الضفة المحتلة «عكست وحدة وترابط كافة ساحات المواجهة وجبهات الاشتباك مع الاحتلال وأثبتت قدرة شعبنا وأمتنا على هزيمة العدو الصهيوني وإرباك حساباته وكشف ضعفه وهشاشته وهي انتصار جديد للحق الفلسطيني على الباطل الصهيوني التلمودي».
وفي هذا السياق قال وليد القططي عضو المكتب السياسي لحركة الجهاد الإسلامي، وضح إن المسجد الأقصى هذا العام في ظل حكومة اليمين الديني المتطرف برئاسة بنيامين نتنياهو يتعرض لهجمة شرسة تستهدف السيطرة عليه وتقسيمه، مؤكدا أن «الشعب الفلسطيني لن يترك المسجد الأقصى والقدس، لقمة سائغة للعدو» لافتا إلى أن ما يقوم به المرابطون من تواجد وصمود دفاعاً عن المسجد الأقصى وما تقوم به المقاومة في غزة والضفة من معاقبة الاحتلال على جرائمه بالعمليات الفدائية وإطلاق الصواريخ، هو «نصرة للقدس» وقال أيضا إن نصرة القدس، تتطلب وحدة وطنية على أرضية التوحد حول القدس والمقاومة والتحرير.
وكان نائب الأمين العام للجبهة الشعبية جميل مزهر، دعا المقاومين والمقاتلين كافة، وجميع قوى المقاومة لـ «تصعيد الفعل المقاوم ضد العدو الصهيوني والمستوطنين» مشيرا إلى ان التجربة أثبتت بأن هذا الخيار «هو الكفيل والناجع لإلحاق الهزيمة بهذا العدو المجرم، وإجباره على الرحيل».
وقبل ذلك كان عضو المكتب السياسي لحركة حماس موسى أبو مرزوق، أكد أن ما يقوم به الشعب الفلسطيني ومقاومته يعد «رود فعل طبيعية لأطراف يهمها المسجد الأقصى» وأكد أن الاحتلال الصهيوني لا يمكن أن يحارب على عدة جبهات، وقال «إذا ما انفجرت هذه الجبهات، لن يكون أمرًا هينًا على الاحتلال».
وعلى الأرض، يدور الحديث عن رفع المقاومة الفلسطينية في غزة درجة استعدادها منذ التصعيد العسكري الأخير، والذي قامت خلاله باستهداف الطيران الحربي المغير على غزة، علاوة عن استهداف المستوطنات القريبة من الحدود. ولذلك سيبقى ملف الاعتداء على المسجد الأقصى، في الأيام المقبلة، هو المقياس الحقيقي لردود المقاومة، وكذلك مقياس لإمكانية أن تندلع مواجهة عسكرية كبيرة أو حرب في غزة، وذلك مع استمرار تأكيد المقاومة على عدم سماحها بتلك الاعتداءات، في إطار حفاظها على «وحدة الساحات».
والجدير ذكره، أن قوات الأمن الإسرائيلية أبقت على حالة التأهب، بسبب التوقعات بإمكانية عودة حالة التوتر الميداني على جبهتي الضفة الغربية وقطاع غزة، بسبب الأحداث المتوقعة في المسجد الأقصى، كما قامت باستدعاء المزيد من قوات الاحتياط.