هل عاد وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو من جولته الشرق ـ أوسطية بخفّيْ حنين، كما تقول العرب؟
ليس تماماً، إذا جاز للمرء احتساب رحلته من دولة الاحتلال الإسرائيلي إلى الخرطوم سابقة من نوعها، في مستوى تاريخ الطيران على الأقلّ؛ وقد لا يكون من المبالغة الافتراض بأنّ مخطّطيْ جولته هذه أخذوا بعين الاعتبار احتمال العودة بالخفّين إياهما، فاحتسبا هذه الرحلة في حصيلة الإنجاز، الذي يختلف من حيث الدراما عن رحلة من مطار بن غوريون إلى مطار أبو ظبي مثلاً.
وأغلب الظنّ أنه لم يكن في حسبان المخططين إياهم أن “تحرد” القيادة السياسية الإماراتية في ربع الساعة الأخير، فتلغي اجتماعاً ثلاثياً أمريكياً/ إماراتياً/ إسرائيلياً، احتفالي الطابع ومسرحي التنفيذ، كانت سترعاه السفيرة الأمريكية لدى الأمم المتحدة كيلي كرافت. الحرد ذاك نجم عن احتجاج أبو ظبي على النبرة التي اتسمت بها تصريحات رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو بصدد صفقة طائرات الـ ف-35 التي تردد أنّ واشنطن سوف تزوّد بها سلاح الطيران الإماراتي كمكافأة على “اتفاق ابراهيم”. ورغم أنها كانت على علم مسبق بالموقف الإسرائيلي من حكاية الطائرات، ثمّ أقدمت على مبادرة بناءة حين ألغى رئيس الدولة القانون الخاصّ بمقاطعة دولة الاحتلال؛ فإنّ أبو ظبي اعتبرت أسلوب نتنياهو في التعبير عن الاعتراض لا يليق بفريقين اتفقا للتوّ على… إقامة السلام!
سوى ذلك كان الفشل حصاداً مضطرداً في محطات بومبيو، جميعها إذا جاز القول؛ حتى في القدس المحتلة، حين بدا أنّ خطابه، الموجّه إلى مؤتمر الحزب الجمهوري من سطح فندق الملك داود، كان محض تصفيق من بعيد لسيّده الرئيس/ المرشح دونالد ترامب. ولكنه في الآن ذاته سجّل سابقة تجاوزٍ فاضحة لدبلوماسي البلاد الأوّل، الذي تُلزمه وظيفته بعدم الانخراط في المؤتمرات الحزبية، فكيف إذا خاطب أيضاً جمهور الصهاينة المسيحيين والإنجيليين.
ليس مدهشاً، بالطبع، أن يلاقي بومبيو صدوداً من الحكومة المدنية في السودان، عملاً بقاعدة صحيحية أعرب عنها رئيس الوزراء عبد الله حمدوك، مفادها أنّ هذه الحكومة الانتقالية ليست مخوّلة بعقد اتفاقيات تطبيع مع دولة الاحتلال. وأمّا العسكر، من رئيس مجلس السيادة إلى نائبه قائد “قوات الدعم السريع”، فلا جديد بصدد هرولتهم نحو نتنياهو وجهاز الموساد الإسرائيلي، وبالتالي لا مغنم يمكن أن يناله بومبيو في هذا المضمار.
الحال ذاتها في مسقط، رغم ترحيب الخارجية العُمانية بالتطبيع الإماراتي – الإسرائيلي، ورغم سابقة تمثلت في زيارة نتنياهو العلنية واستقباله من السلطان قابوس شخصياً؛ إذْ ثمة ركائز في “الحياد” العُماني، على صعيد النزاعات الخليجية والموقف من إيران، تاريخية وعريقة وراسخة ولا تجيز التفريط بها لقاء اتفاق تطبيع لا يبدو جديراً باسمه، حتى إشعار آخر على الأقلّ. وتبقى البحرين، بالطبع، حيث مربط الفرس في الرياض وليس في المنامة؛ كالعادة، في كلّ صغيرة، فكيف بالكبائر ذات الوقع الدراماتيكي!
لكنّ فشل جولة بومبيو هذه لا يعني أنّ الجهود الأمريكية لاقتياد بعض الدول العربية نحو التطبيع سوف تفشل أيضاً، أو أنّ النهج الذي تعتمده إدارة ترامب سوف ينقطع أو يتبدّل جوهرياً على مدى الأسابيع القليلة المتبقية قبيل انتخابات تشرين الثاني (نوفمبر) الرئاسية؛ أو، أخيراً، أنّ الوفد الأمريكي – الإسرائيلي الذي سيزور أبو ظبي لن تحلّق طائرته في سماء العراق/ السعودية، قادمة من بن غوريون أيضاً.
ثمة، في “دبلوماسية الطيران” هذه ما يذكّر بطائر الوقواق، الذي يضع بيضته في أعشاش الطيور الأخرى لتحضنها بالنيابة عنه، ثم ترعاها حتى تفقس، فيتولى الفرخ الوليد أمر التخلّص بنفسه من الفراخ الشرعية كي ينعم وحده بالعشّ والغذاء. وكما أنّ عشّ الوقواق افتراضي بهذا المعنى، إذْ لا وجود له أصلاً؛ كذلك هي حال التطبيع الفعلي، على مستوى الشعوب: طيران افتراضي!