«بيبي غيرل» لهالينا راين: فيلم مدعٍ يخفق في تصوراته عن المرأة

البندقية ـ «القدس العربي»: ثمة أفلام تعتلي موجة الجندر والجنسانية وحقوق المرأة، خاصة حقوقها الجنسية، وترفع تلك الشعارات، دون مضمون جدي أو رؤية واضحة، لتحصل على مكان للتنافس في المهرجانات الكبرى بدعوى دعم المرأة، لاسيما إن كانت مخرجة الفيلم ذاتها امرأة.
هذا بالضبط هو الحال مع فيلم «بيبي غيرل»Babygirl للمخرجة الهولندية هالينا راين، المشارك في المسابقة الرسمية لمهرجان البندقية (28 أغسطس/آب ـ 7 سبتمبر/أيلول) الذي كنا نرجو أن يناقش حق المرأة في التعبير عن رغباتها الجنسية برؤية جدية، لكنه ينزلق إلى مجرد صور نمطية وشعارات جوفاء.
تدور أحداث الفيلم حول رومي (نيكول كيدمان) وهي رئيسة شركة تعمل في مجال التكنولوجيا، وهي زوجة لمخرج مسرحي (أنطونيو بانديراس) وأم لابنة مثلية في سن المراهقة. على السطح تبدو كل الأمور مثالية، فرومي ناجحة ومتحققة عمليا، وفي زيجة سعيدة ذات توجه ليبرالي تؤازر ابنتها المراهقة في حقها في المثلية الجنسية. لكن هذه الواجهة المثالية والزيجة السعيدة تخفي سرا مهما، فرومي غير سعيدة في علاقتها الحميمة مع زوجها، وتتوق إلى علاقة أكثر إشباعا ترضي ميلها في أن تُمارس عليها السادية. تخفي رومي عدم رضاها الجنسي، ثم ذات يوم تلتقي متدربا شابا في شركتها في بدايات العشرين، فتفتن بلهجته الآمرة، رغم فارق السن والمنصب، ويبدو لنا أنها تسقط تماما في شباكه عندما يقول لها بصورة عابرة، إنها تبدو له ذلك النوع من النساء الذي يحب أن يمتثل للأوامر.

تندفع رومي في تلك المغامرة الجنسية مع هاريسون، وهي علاقة تشبع رغبتها في أن تمارَس عليها السادية، وأن تتلقى الأوامر فتطيعها. يبدو لرومي أنها تتقدم في تلك العلاقة بكامل إرادتها وحريتها، لتشبع فيها رغبات دفينة لا يمكنها الإفصاح عنها لزوجها، لكن واقع الحال هو أن هاريسون هذا يسعى بكل صورة من الصور لتوطيد علاقته بها، وللتغلغل إلى عالمها وعالم أسرتها. رومي تدرك أن تورطها المتزايد في تلك العلاقة يهدد كل ما بنته على الصعيد المهني والأسري. فإذا افتضح أمر أنها على علاقة مع متدرب في الشركة سيقضي ذلك على مسيرتها المهنية، وإذا علم زوجها بعلاقتها، سينتهي الزواج، لكنها تبقى مندفعة في هذه العلاقة. ويبدو أن المخرجة ذاتها، على الرغم من النغمة السائدة في الفيلم بتقبل كل الميول والنزعات الجنسية، غير قانعة بأن السادية قد تكون اتجاها جنسيا لدى البعض، دون أن يكون لديهم انحراف ما. فرومي تفسر في أحد مشاهد الفيلم ميلها للسادية بأنها نشأت وسط طائفة تمارس طقوسا غريبة، وبالتالي نشأت على هذه الشاكلة «المشينة». بقدر ما تحاول المخرجة أن تبدو تحررية متحررة، إلا أنا ما زالت تزن الميول والتفضيلات الجنسية بميزان الصح والخطأ والمقبول والمشين. كما يبدو أن المخرجة تبرر استخدام التفضيلات كورقة ضغط على المرأة. تعلم إحدى المساعدات الطموحات لرومي في الشركة بأمر العلاقة مع المتدرب. وتستخدم معرفتها لذلك السر للترقي، ولأن تطالب بحصول المزيد من النساء في الشركة على مناصب أعلى. لا مشكلة لدى الفيلم إذن في أن تستغل امرأة نقاط الضعف لدى امرأة أخرى وأسرارها الجنسية، طالما سيخدم ذلك نساء أخريات. يبدو أن الفيلم يبرر الابتزاز والفضائحية، كسبيل مباح لحصول النساء على مزيد من الحقوق في مجال العمل. كما يبدو الفيلم طبقيا وعنصريا أيضا، رغم النغمة التحررية التي تغلفه. مساعدة رومي، التي تستغل معرفتها بعلاقتها مع المتدرب للترقي، سوداء والمتدرب نفسه يبدو من طبقة اجتماعية أدنى من رومي. هكذا يبدو الأمر كما لو كان تحالفا بين أصحاب الأصول العرقية غير البيضاء، والمنحدرين من طبقات اجتماعية غير ثرية لسلب البيض الأثرياء مناصبهم العليا ومكانتهم الاجتماعية واستقرارهم الأسرى.
يلامس الفيلم الكثير من القضايا المهمة مثل، الجنس كعنصر أساسي لإنجاح الزواج، وتقبل الآباء لأبنائهم المثليين، والتحديات التي تواجه النساء الطموحات في مجال العمل، لكنها جميعا يتم التعامل معها كيفما اتفق بسطحية كبيرة، ودون تعمق أو تفكر، حتى القضية الرئيسية في الفيلم، وهي حق المرأة في ممارسة رغباتها الجنسية بحرية، وفي التعبير عن نفسها جنسيا دون خوف، تتعامل معها المخرجة هالينا راين بسطحية بالغة. حتى تصور المخرجة للسادية تصور سطحي مبتذل. ويبدو أن المخرجة اختارت هذا الموضوع لتلقننا عظات عن تقبل جميع الميول والنزعات. لكن تلك الدروس التي يتلقاها المشاهد تتركه ضجرا، وتصيبنا بقدر كبير من الملل. حتى وجود نجمة كبيرة مثل نيكول كيدمان، لا يقلل من هذا الضجر. ويجعلنا الأمر نتساءل لماذا تم وضع مثل هذا الفيلم المتواضع القيمة الفنية ضمن المسابقة الرسمية في أحد أبرز وأعرق المهرجانات السينمائية في العالم.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية