تتنوع أساليب التعبير عن حقيقة العلاقة التي تجمع الإنسان مع المكان، وعلى وجه خاص البقعة الجغرافية التي شهدت ولادته وطفولته وشبابه، وسيبقى المكان براوفده الاجتماعية والثقافية، الشطر الأهم في التأثير على تكوينه النفسي ورؤيته للحياة. هذه العلاقة وإن بدت متناثرة في تشظيات حياتنا من بعد أن تختطفنا أمكنة وأزمنة أخرى وتأخذنا بعيدا عنها، إلاّ أنها في لحظة ما تكون البوصلة التي تعيد ضبط أنفاسنا، لنكتشف من خلالها أنها الجدار المتين الذي نستند إليه كلما أرهقتنا الرحلة، وأنها النافذة التي نطل من خلالها على العالم.
أهمية المكان تأتي من فاعليته في تأسيس المنظومة القيمية لوعي الإنسان، وكل ما ينبني في داخلنا من تصورات حول المشاعر الإنسانية لها ارتباط وثيق مع وعينا بالمكان وما يتركه من أثر وجداني في داخلنا. ومدينة الموصل باعتبارها مكانا خصبا في تراثها الإنساني والحضاري، تبقى منطقة قابلة للاستكشاف المستمر من قبل أبنائها قبل الآخرين. ورغم ما مرَّ عليها من محاولات لتدميرها وطمس معالمها الحضارية والإنسانية إلاّ أنها بقيت عصية على من كان يريد تمزيقها إلى أوصال. وما يعيننا على تأكيد هذه الحقيقة، التجارب المريرة التي مرت بها هذه المدينة خلال العقدين الماضيين وكانت تستهدف بنيتها الإنسانية بموروثها الغني، لكنها رغم قسوة ووحشية ما تعرضت له، لم تفلح في أن تطفئ جذوة الوعي لدى أهلها خاصة شبابها، وهذا سرها الذي أبقاها شاخصة بحيويتها وحضورها الثقافي بين المدن القديمة. واليوم تستعيد قدرتها على العطاء بعد أن نفضت عنها رماد الموت الذي طالها، وذلك عبر شبابها الذين بادروا يضمدون جراحها بمشاريع تمد خيوط ضوئها نحو المستقبل وتعيد الصلة الوثيقة بين ماضيها وحاضرها، لتعيدها مرة أخرى إلى الواجهة المؤثرة التي كانت عليها عبر سفرها الحضاري الذي يمتد إلى مئات السنين.
من بيتنا إلى بيتنا
لم يكن لديَّ تصور واضح عن أنشطة مؤسسة «بيتنا» التي يقودها بحيوية فائقة الشّاب الموصلي صقر آل زكريا، ربما لأنَّ لديّ توجّس وحذر شديدين من عمل منظمات المجتمع المدني، التي انتشرت وبشكل مريب في العراق بعد العام 2003 خاصة في مدينة الموصل بعد تحريرها من سيطرة تنظيم الخلافة «داعش» منتصف تموز(يوليو) 2017 ومبعث هذا التوجس أن الكثير منها تدّعي دعم العمل الإنساني لصالح فئات وشرائح مهمشة ومسحوقة اجتماعيا واقتصاديا، من بعد أن دفعت المدينة أثمانا باهظة خلال العشرين عاما الماضية، وفي هذا السياق هناك الكثيرمن المؤشرات السلبية التي تسجل على المنظمات، بما يؤكد على أنها مجرد واجهات، يتستر خلف إدارة أنشطتها أشخاص لا علاقة تربطهم بالعمل الإنساني والثقافي، طالما أن الجزء الأكبر من الأموال التي يحصلون عليها من المنظمات الدولية الداعمة يذهب إلى جيوبهم.
إلاّ أن هذه الصورة المتشائمة اختلفت إلى حد ما، وبَدَت على نحو يبعث على التفاؤل بعد الزيارة القصيرة التي قمنا بها إلى مؤسسة «بيتنا» مطلع حزيران (يونيو) الماضي. وكان وصولنا إلى مبنى المؤسسة الكائن في محلِّة قديمة تقع ضمن الجانب الأيمن من الموصل تسمى حمَّام المنقوشة لا يفصلها سوى بضعة أمتار عن جامع النّوري الشهير بمنارة الحدباء التي وصل عمرها إلى (950 عاما) قبل أن تُصبح أنقاضا مع مبنى الجامع أيام تحرير الموصل، ولم يبق منها سوى جزء بسيط من قاعدتها. وتؤشر مدونات التاريخ إلى أن فترة بنائها كانت في القرن السادس الهجري (1282م) أيَّام كان نور الدين زنكي يحكم مدينة الموصل، وهو الذي أمر بتشييدها مع الجامع. ونظرا لِما أصبحت عليه من قيمة تاريخية فقد أمست رمزا للمدينة، حتى اقترن أسم الحدباء بمدينة الموصل.
حين ولَّت الحرب
ما أن صمتت المدافع وخمدت نيران الحرب التي أحرقت الأخضر مع اليابس، تظافرت جهود دولية لإعادة إعمار المنارة مع الجامع. وقد انصب تفكير المشرفين على حملة الإعمار من مهندسين وآثاريين حول ضرورة عودتها بنفس طرازها المعماري، ونفس مواد البناء التي كانت مشيدة بها.
خلال لقاءنا مع الشاب صقر آل زكريا داخل مبنى مؤسسة «بيتنا» رسم لنا ملامح مشهد حافل بتفاصيل مشرقة، اشتغلت عليها المؤسسة خلال العامين الماضيين، بهدف إحياء التراث الموصلي لمحافظة نينوى بكافة ألوانه وهوياته الثقافية التي يتشكل منها. ومن يستمع إليه وإلى الشباب الذين يعملون معه حول ما أنجزوه من أنشطة وما يتم التخطيط لإنجازه في قابل الأيام، سيفترض أن كل الذي يخطر على البال من أفكار غير تقليدية ستغدو قابلة للتحقيق، طالما هناك إرادة قوية على تجاوز الصعوبات.
مؤسسة «بيتنا» كانت حلما بعيدا راود الشاب الموصلي صقر منذ سنين، إلاّ أن الظروف الأمنية الهشّة التي مرَّت على المدينة خلال العقدين الماضيين حالت دون أن يتحقق. ثم جاءت اللحظة التي تحوّل فيها الحلم إلى واقع، حتى أصبح مبنى «بيتنا» بطرازه المعماري الموصلي، نقطة التقاء ثقافات متنوعة، بدأت تجذب إليها أي زائر للمدينة القديمة، وغدا شباب «بيتنا» أفضل من يبعث برسائل اطمئنان إلى العالم، مؤكدين فيها عودة الحياة إلى طبيعتها.
وبعد مجموعة برامج حافلة بأنشطة ثقافية، احتفت بتراث وفولكلور نينوى بين أروقة «بيتنا» ووسط الباحة الواسعة التي يُطل عليها البيت في زقاق حي المنقوشة، امتدت شهرة «بيتنا» إلى خارج حدود العراق، وما لفت الانتباه في الصور والمقاطع الفديوية التي نقلت تلك الأنشطة إلى العالم عبر الميديا والتقارير الإخبارية، طبيعة المكان الذي استوعبها، حيث عكس في دلالات تفاصيله، مفردات تراثية وفولكورية تسرد في رمزيتها وأيقوناتها حكاية المدينة العريقة، وما تحمله بين جوانحها من تنوع ديني وثقافي واثني ظل ملازما لها على مدى تاريخها، فهي المدينة التي تعتز بعمقها الآشوري بقدر اعتزازها بثقافتها العربية وتنوع سكانها، بين عرب مسلمين ومسيحيين سريان وكرد وإيزيديين وتركمان وشبك. فلا غرابة أن يزورها أبرز الشخصيات، بضمنهم رؤوساء دول مثل الرئيس الفرنسي ماكرون، إضافة إلى مفكرين ومثقفين وفنانين وسياح من عراقين وعرب وأجانب.
وأنت تستمع إلى مجموعة الشباب المنضوين إلى هذه المؤسسة، لابد من أن تشعر بالغبطة، لأن لديهم وعيا عاليا بأهمية الحفاظ على الهوية الثقافية للموصل، وفي جعبتهم خزين ثر من الأفكار التي تحلق خارج الصندوق، لتحريك نسغ الحياة في كل أثر جميل مهدد بالانقراض.
الجدران ذاكرة للمبدعين
أول ما يستوقف انتباه الزائر لمبنى «بيتنا» صور الشخصيات التي تركت أثرا جميلا في ذاكرة المدينة، وزُيِّنت بها جدرانه، من علماء وأطباء ومهندسين ورؤوساء لجامعة الموصل ورجال دين بارزين من كافة الأديان ومفكرين وأدباء وشعراء وفنانين، إضافة إلى ذلك فقد ضم المبنى في غرفه تحفا تراثية ومقتنيات فولكلورية موصلية، تمثل مفردات نادرة تعود إلى فترات زمنية مختلفة من تاريخ نينوى الحضاري والاجتماعي، تثير لدى الزائر مشاعر مبهجة يختلط فيها الفرح مع حنين جارف إلى أيام بعيدة خلت، عاشها آباء وأجداد جمعتهم الموصل تحت جناحيها على قيم الحب والألفة والسلام.