بيروت تفتقد زحمة السير في عيد الأمهات فحق الاختيار للدولار وليس للأبناء

زهرة مرعي
حجم الخط
0

شوارع تفتقد الأزهار ومحال لم تسجل طلباً في الحلويات والمعجنات

بيروت-»القدس العربي»: حلّ عيد الأم في العام 2020 ولبنان في حال اقفال عام إلتزاماً بالحجر الصحي. وكانت زيارة الأمهات تُشكل بلاء لهم إن حدثت. ويحلُّ العيد نفسه في العام 2021 والناس يحجرون على أنفسهم ذاتياً، إذ لا حول لهم ولا قوة في مواجهة إنفلات سعر الدولار الأمريكي مقابل الليرة اللبنانية، إلى جانب الحجر الصحي، فالزيارات ستحمل مخاطر على الأمهات. لكن الهدية يمكنها أن تصل «ديليفري» أو بزيارة قصيرة وقوفاً على الباب.

عيد الأمهات طالما انتظره التجار على مختلف أنواع معروضاتهم ومبيعاتهم. وهم يتنسمون منه حركة وخيراً، إذ به يعود هذا العام «والعين بصيرة واليد قصيرة». كما يبدو أن الزمن الذي لجأنا فيه للمثل القائل «ما في شي بيغلى ع ست الحبايب» قد ولّى.
اللافت قبيل أسبوع من عيد الأمهات الذي يحسب له الجميع حساباً حتى الأطفال، أن الحركة في العاصمة بيروت مختلفة. فيما مضى كانت محال الأزهار تستعد للعيد بمئات أنواع الشتول والأزهار التي تفترش الرصيف الموازي لها. تلك المحال كانت تتوزع في كافة الشوارع والأحياء. هذا العام بدا أكثرها وقد أقفل أبوابه نهائياً، ومن صمد منها ظهرت حركته خجولة.
بالدخول إلى شارع الحمرا الذي كان يضج بالحياة من جهة مسرح البيكاديللي، يظهر إلى يمين الطريق محل أزهار وشتول أقيم إلى جانب محطة محروقات. أزهار تفرض نفسها على المزاج الحزين والملبد بالأسئلة، فتفرحه لحين. فشارع الحمرا الرئيسي لا يشبه نفسه واختلفت حلّته المعهودة. الحركة شبه معدومة، والحيوية غائبة. الغالبية العظمى من المحال التجارية مقفلة نهائياً، والأخرى تصارع للبقاء. ميزة هذا الشارع كانت في مقاهيه، لكنّ وباء كورونا والإقفال بسبب الحجر قضى عليها، وهي مقفلة حكماً بقرار رسمي حتى الآن.

«ما في غالي عالأم» الياسمين يليق بها

صاحب بسطة الأزهار تلك ماهر العلي يخبرنا أنه بدأ الاستعداد لعيد الأم وفصل الربيع. يقول: أعمل منسق حدائق، نشرت شتولي هنا كما أفعل في كل عام دون أي انتباه لحركة الدولار صعوداً أم هبوطاً. فأزهاري تنشر الأمل في الشارع منذ بدايته. وجودي هنا يفرحني ولا أخاف الخسارة. نفتح 24 ساعة. العام الماضي كنا في حال حجر، والحقيقة أن الوضع هذا العام مخيف، لكني أكتفي برد أتعابي. عملي مع الأزهار يريحني نفسياً. أدعو الله أن يحفظ كافة الأمهات وعليهن «ما في غالي» من جهتي سأهدي أمي شتلة ياسمين، فهي الأحب على قلبي، وتليق بها.

لا سؤال عن الكاتو

إلى شارع داخلي في منطقة المصيطبة نتوقف أمام محل حلويات شهير كانت حركته موصوفة في سابق السنوات. في الداخل تبدو البضاعة المعروضة مختصرة إلى النصف تقريباً. تقول مديرة المحل بعد السؤال عن الاستعداد لعيد الأم؟ أي عيد وأي أم؟ «خليها ع الله». وتضيف: تفصلنا عن العيد خمسة أيام. هذا دفتر التوصيات بين يدي. سيدة واحدة اتصلت وسألت عن الأسعار لتقول أنها ستكرر الاتصال وتحدد ما تريده. وما عداها لم يتصل إنسان طالباً قالب كاتو. مع العلم أننا كنا نستهلك أربعة دفاتر طلبيات قبل العيد كل منها يتسع 50 طلباً. والهاتف الأرضي لم يكن يهدأ عن الرنين طلباً واستفساراً، وحتى الآن هو أخرس. الحال مختلف تماماً عن العام الماضي كلياً. قالب الكاتو الصغير كان بـ 30 ألف ليرة والآن بـ60 ألفاً. فمن سيسأل عنه؟

حتى المعجنات بعيدة المنال الحق «ع تجار الدولار»

حال محال المعجّنات ليس أفضل. يقول محمد صاحب مخبز لم تكن حركته تهدأ من الفجر إلى النجر: الحركة صفر. كانت تردنا الطلبيات قبل أسبوع وحتى عشرة أيام من عيد الأم. إلى اللحظة وكأن العيد غير موجود، وما من طلب واحد. والأمل ليس كبيراً بأن الأيام المقبلة ستكون أفضل. كصاحب محل بت عاجزاً عن وضع أسعار لمنتجاتي. فطاير السبانخ وهي الأكثر طلباً كانت قبل العام الماضي الدزينة بـ3 ليرة أي ما يساوي 2 دولار. ارتفعت هذا العام إلى 6 آلاف ليرة أي ما يقل عن نصف دولار. فيما ليتر الزيت بـ 18 ألف ليرة، وكيس الطحين المدعوم بـ 85 ألف ليرة، وكيلو السبانخ بـ5 آلاف ليرة. واليوم زرت سوق الجملة، وجدت كيلو البصل بأربعة آلاف. هذا عدا مصاريف النايلون والورق والكرتون المرتفعة. كلو طاير. ولا أمل عندي بإقبال على الشراء. كان المحل يحتاج لـ10 شغيلة، أنا وحيداً وهذا يكفي. فلا عيد أم هذا العام ولتعذر ست الحبايب أبناءها «الحق ع تجّار الدولار».

الأوركيديا ليست على اللائحة والقرطاسية أيضاً

قرب جسر سليم سلام لا يزال محمد اسلامبولي صامداً في محله للأزهار. لكن القرطاسية التي كانت تزين مناسبة عيد الأم وفصل الربيع شتلة غير موجودة. يقول صاحب المحل: شراؤها مُكلف جداً وصرفت النظر عنها فهي بالجملة 80 ألف للشتلة الواحدة. بكم سأبيعها؟ فهذا جنون. بمناسبة عيد الأم اكتفيت بالقليل من الشتول والتي تصورتها مناسبة لأكثر الميزانيات. لم تعد الأزهار بمتناول الناس في هذا العيد. سعر الوردة ارتفع من 6 إلى 10 آلاف. أحضرت إلى المحل ربع ما كنت أحضره كل عام وسعر بالملايين. والتاجر لم يعد يعطي المحلات وفق سياسة الأمانة بل يطلب كاش. نحن نخاف من تدهور الأوضاع على مختلف الصعد. والناس لا يقبلون على الشراء، فدفتر التوصيات حتى هذه اللحظة فارغ. منهم من يتصل للسؤال أو يقصدنا مباشرة، ومن ثم يصرفون النظر.

ويتابع اسلامبولي: حاولت تحقيق توازن وفق دراستي للواقع فهناك شتول من 12 وحتى 40 ألف وهذا أقل كلفة من الأزهار. أما شتلة الأوركيديا فلم تعد ضمن البرنامج لأنها استيراد أجنبي. في الأعوام السابقة كنت أبيع بين 70 و80 حبة، وعندما ارتفع سعرها في سوق الجملة إلى 200 ألف ليرة حذفتها كلياً من بالي فمن سيشتريها؟ وكذلك حال الزنبق الذي تُفرح رائحته الأمهات وهو الأكثر طلباً لهنّ، فتراجع سوقه نظراً لأسعاره المرتفعة. كنت في كل عيد أطلب بحدود 2000 حبة، اكتفيت هذا العام بـ400 فقط. فنحن نعمل فقط لتأمين الحضور في عيد الأم.
يضحك صاحب محل أدوات منزلية وكهربائية حين أسأله عن الطلب على الشراء بمناسبة عيد الأم؟ وكأنه يقول لي أنت في وادي والناس في واد آخر. ويقول: ما من سؤال عن الأدوات الكهربائية فسعرها متحرك وفق حركة الدولار. لم تعد الأمهات بحاجة لجديد من تلك الأدوات رأفة بالأبناء. السنة الماضية كانت صعبة بسبب الحجر، وهذه السنة بتنا «بالأرض».

وماذا عن اللانجري؟

ملبوسات اللانجري كانت وجهة اختيار مطلوبة في عيد الأمهات. من ملابس داخلية، وملابس للنوم وعباءات ولكن… دخلت إلى محل في سوق بربور وعرّفت عن نفسي طلباً للإذن بالسؤال. كانت السيدة تُسبح وتعدُّ صلواتها. ضحكت بعد السؤال، وقالت لي: أتركيني مع صلاتي ففيها فائدة لآخرتي. السوق واقف كلياً.
غادرت إلى محل لانجري جوهر في المنطقة عينها كان لصاحبه شهية الكلام. نسأله: في حركة؟ كتلميذ في مدرسة يجيب مباشرة: كلاّ. مشدداً على الشدّة. ويتابع: كنا ننتظر هذا العيد ونستعد له. الاستعداد لا يعدو كونه لعدد من القطع المطلوبة لكافة المواسم. الشغل خفيف جداً. أمس حضرت سيدة لتشتري لوالدتها وحماتها. سايرت حماتها كي تسكت عنها، واكتفت بالقليل لوالدتها فالأم حنونة وتسامح أو تغض الطرف لأنها تدرك واقع الحال.

وعن الذهب… لا سؤال؟

بعد كل ما ورد عن تبدل الأحوال في بيروت في عيد الأم للعام 2021 حيث لن تكون هناك زحمة سير تمتد إلى الحادية عشرة ليلاً، هل يصحّ السؤال عن الذهب؟
السؤال مشروع للاستكشاف والمقارنة. صاحبة مجوهرات شقير في سوق بربور تقول: إنه الجمود الكلّي. أي مواطن يتقاضى أجراً بالعملة الوطنية لن يسأل عن الذهب. جاءني شاب قبل أيام وضع موازنة 500 ألف ليرة لبنانية لشراء هدية لخطيبته. اختار أقل القطع سعراً. رغبت بتشجيعه وبيعه برأس المال، ولكن بقي بحاجة لـ75 ألفاً.
وتتابع: كان عيد الأم يشغلنا كتجار ذهب لشهر قبله، وشهر بعده، فاللبنانيون يرغبون بالذهب. بتنا نفتح لست ساعات فقط، فيما سابقاً كانت ساعات العمل مفتوحة وفق الحركة من التاسعة صباحاً وحتى آخر زبون.
هذا حال عيد الأم في بيروت، ودون شك يتشابه مع باقي المناطق.
الأم متسامحة، ومتفهمة، وقلبها كبير، الكلمة الجميلة والوردة الندية تنعشها بهذه المناسبة.
أما الوطن فينتظر أن يتسامح سياسيوه بحق بعضهم، لإنقاذ ما بقي منه.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية