تصوير ميريام جبيلي
بيروت – «القدس العربي»: عروض أربعة فقط في بيروت لمسرحية «إذا هوى»، تنتظر بعدها جولات أوروبية تحملها إلى مسارح في مدينتي مرسيليا وجنيف ومدن في ألمانيا. إنه العمل الجديد للكوريغراف والمخرج علي شحرور، وفيه يتابع إبحاره في التجريب ورسم الحركة على المسرح.
وهذه المرّة جذب إلى تجربته روجيه عساف القامة الكبيرة في المسرح اللبناني والعربي، والأستاذ الذي خرّج أجيالاً من الممثلين والمخرجين من معهد الفنون في الجامعة اللبنانية. لم يكن عساف وحيداً، بل ترافق على الخشبة مع رفيقة دربه وحبه الفنانة حنان الحاج علي، ذات الشأن في حرفتها ككاتبة ومخرجة وممثلة.
مسرح علي شحرور، الذي وجد طريقه إلى الجمهور، وفق نسق خاص به قدّم بدءاً من سنة 2014 وعلى التوالي ما عُرف بـ «ثلاثية الموت» والتي ضمت مسرحيات فاطمة، وليلى، وعساه يحيا ويشمّ العبق. وفي سنة 2021 قدّم «كما روتها أمي»، وفي حضوره هذا نهل من تراث بلاد الشام وبلاد ما بين النهرين. هذا الموروث عصرنه علي شحرور وربطه بالزمان والمكان، ومزجه بندبيات وحزن اخترقت الوجدان. لكنه في «إذا هوى» راح في اتجاه آخر، وإن كان الأسود حاضراً، في خلفية المسرح، وبعض الملابس فهو أخذ مسافة من الندب على البشر والأمة، ونعى المدينة. وفي جلوسه إلى جانب من المسرح مرتدياً الأسود مع آخر إلى جانبه بث في المكان احساساً بحالة انتظار للموت.
يقول تعريف «إذا هوى» إنه عرض رقص.. زوجان حبيبان يفتحان باب المدينة يسيران في شوارعها، بين بقاياها، بقايا ذكرياتهما، بقايا الفرح، بقايا مسيرة حياة، بقايا عرض رقص، بقايا مأساة أهل في بيروت، المدينة التي نهوى، تهوي أمام أعيننا، لكن ما زالت تنبض فيها عيون تعشق، وقصص حب، مسرحها قلب أم وقلب أب.
«إذا هوى» عرض شخّص حال المدينة من خلال الزوجين روجيه عسّاف وحنان الحاج علي. شخصان على الخشبة صارا المدينة المتهالكة. كاد روجيه أن يهوي تحضنه حنان. يضمّها، يقبلّها على جبينها، وكأن حالة الحب بينهما كزوجين حقيقيين عادت لتأهبها الأول. يلقي عليها شعراً من الماضي. يحكي الرحيل والفجيعة. ويدخل العرض إلى صلب الفجيعة حين يتمدد روجيه عسّاف أرضاً، وتنطلق حنان الحاج علي في مرثياتها. إنها فجيعة المدينة وناسها من فنانين وغيرهم تتجسّد في هذا المشهد.
كل ذلك يدور وسط اضاءة قاتمة، وموسيقى تصرخ بقوة دون أن نعرف سبب ثورتها. وإن لم تصرخ فهي تصلنا بحالة الهدير. حتى عندما قرر الفنان عبد قبيسي مؤلف تلك الموسيقى ومؤديها العزف على البزق بقي الهدير فاعلاً ومسيطراً في المكان.
عرض الرقص، الذي دعانا إليه علي شحرور يأتي تالياً، وكأن ما سبقه يُحضّر له. فبعد الحالة الإنسانية العاطفية بين روجيه عساف وحنان الحاج علي، حضرت حالة التهليل. روجيه عساف يدور حول نفسه، وتتبعه الحاج علي بالتهليل، وصولاً إلى الدبكة بين بطيء وسرعة. ربما هي المدينة التي نأمل أن تتعافى من جروحها. غنى لها عسّاف لحن الأمان، وغنت لها الحاج علي دخلت مرّة الجنينة.
إنه رثاء للمدينة ممزوج برجاء الشفاء. شفاء نقرأه بدوران روجيه عساف حول نفسه، وحديث حنان الحاج علي عن الفجر الآتي.