بيروت تنتظرُ الحرب

بسبب أحداث غزة الأخيرة، غادر جميع السياح والمقيمين، وكذلك قسم من أهل بيروت المدينة، وحللتُ أنا فيها نتيجة ظروف عمل قاهرة لا تحتمل التأجيل. كُتِب عليّ إذن أن يأتي بي البؤس مرة إلى هذا المكان، ومرات نعيمه. الفنادق مقفلة، لأن لا أحد يأتي إلى بلد تقرع أجراس الحرب أبوابه، وشارع الحمرا صار شبه مهجور، وعثرتُ أخيرا على غرفة في مبنى مظلم، قادني العامل فيه عبر ممرات معتمة وأخبرني أنني الزبون الوحيد في هذا النزل، والكهرباء تُجهز مدة ساعة في النهار وساعة في الليل. نظرتُ إلى ساعتي وهتفت:

– معنى هذا أن المكان سيغرق في الظلام بعد ربع ساعة!؟

وكنتُ كمن يسأل نفسه لأن الشاب غادرني قبل أن أتم كلامي. فحصتُ المكان على عجل وكان دافئا إلى حد مبالغ فيه والإنارة ساطعة، والأثاث نظيف ولامع وكل ما في الغرفة مرتب بطريقة أنيقة. هنالك خزينٌ من الثراء لدى أهل لبنان، فلا تؤثر فيهم كثيرا قسوة القدر، والدلالة على ذلك الأناقة التي يظهر فيها اللبناني أينما حل. إن لم يكن في ملبسه، ففي طعامه، أو في مشاعره ولهجته وأغانيه…

نافذة الغرفة واسعة وتطل على شارع يتفرع من الحمرا، وأحسست بنسيم متقطع يهب من جهة البحر البعيدة. أغنية من الريف الغربي تصلني أنغامها خافتة من لا مكان. هل كنتُ الساكن الوحيد في هذا المبنى الفخم؟ في الشرفة كرسيان أحمر ورمادي، بينهما مائدة دائرية مقسومة باللونين. كل شيء أحمرُ ورمادي هنا، المناديل على الطاولات مقسومة باللونين، كذلك المحارم الورقية والصحون والأكواب في المطبخ، وأرضية الحمام وجدرانه من الرخام الأحمر المشرق والرمادي. كأن مهندس الديكور اختار أن يختصر تاريخ لبنان، وتاريخ الإنسان كذلك، في هذين اللونين المتنافرَين؛ النعيم والبؤس، العز والفاقة، الصحة والمرض، وأنا واقف على خط الاستواء بين العالمَين، فإلى أي جهة يميل القادمُ من أيام المدينة؟

رتبت ملابسي في الدولاب المصبوغ باللونين هو الآخر، وآويت إلى السرير وأنا أفكر في أن مبيتي هنا كان قدرا مرسوما. انتبهتُ إلى صورة الممثل سيلفستر ستالون في دور بطل الملاكمة في فيلمه الشهير (رامبو) تغطي الجدار المقابل للسرير، والعرق يبلل وجهه ورقبته وصدره العاري، ضاما ساعديه وملامحه القاسية تدل على أنه لم يفعل شيئا آخر في حياته، إلى جانب كونه ملاكما يفوز في جميع المباريات. هي الفلسفة أو المبادئ التي تسير عليها الحكومة الأمريكية في العصر الحديث، معبرا عنها بطريقة بسيطة وسهلة، ولا أقول بدائية. الفوز ثم الفوز ثم الفوز. حتى الخسارة في الثقافة الأمريكية تصير نجاحا ساحقا في المستقبل، حتما. آويتُ إلى سريري والتقت عيناي بعيني الملاكم بمظهره القتالي الصارم، وكان يحدق فيّ شزرا. لا توجد ولا نأمة صوت في المكان، والسقف المنخفض للمبنى الفارغ من ساكنيه يضغط على صدري، والسماء المدلهمة الجو بأخبار الحرب، تنقلها الأقمار الصناعية، تُثقلُ على صدر المدينة.

انطفأ الضوء وعم ظلام عميق أفقدني الإحساس بأن لي عينين. لكن أحلامنا تتأثر بالمكان وأثاثه، كل ما فيه سوف يدخل في عجينة النوم التي نأكل خبزها عسلا شهدا أو كوابيسَ مُرةً. هل يلاكمني رامبو الليلة في المنام، ويفوز علي بالضربة القاضية؟ ربما كانت هذه الحلقة الأولى من مسلسل الحرب الذي سوف تقاسيه بيروت. لا أدري، فكل شيء جائز في هذه الدنيا. تناولتُ «موبايلي» وأنار ضوؤه الغرفة، وأخذتني إغفاءة لذيذة بعيدا عن المكان، وأعادتني في ما يبدو إليه. ها أنا أسمع زفير الرياح الجامحة في الخارج، وأغصان الأشجار وهي تنتحب، مع صوت ارتطام أمواج البحر بصخور الشاطئ. كان الجو رائقا في الشرفة قبل قليل، والبحر بعيد من هنا، فما مصدر هذا الضجيج؟ لكني لا أؤمن بالجان وأفعالها الخبيثة، ومع هذا أبقيتُ مصباح الهاتف يعمل. دقائق، وبلغ أذني صوت فكي وهما يعلكان الطعام، مع أن فمي مغلق وبدني مشلول تماما من التعب، ومن الخوف الذي بدأ يهاجمني. كان تنفسي رغم ذلك هادئا منتظما، وجاءني صدى بعيد للموسيقى الريفية الغربية. فتحتُ عينيّ وتبين لي أن الملاكم في الصورة هو الذي يمضغ ويلوك عِلكةً، وساعداه لا يزالان مضمومين إلى صدره بقوة، علامة على غضب حانق، وتجاعيد قليلة غزت وجهه ورأسه بات أصلع. تبسم لي وبدا بهيئة شيخ، وازداد الحنق في عينيه. صاح بي:

– ماذا تفعل في بيتي؟

لكن الصلعة الواسعة والوجه الذي غدا بيضويا غير غريب عني. هو وجه الرئيس جورج واشنطن المطبوعة صورته على العملة الورقية من فئة مئة دولار. تلونت الصورة بالأحمر الدموي والرمادي المنطفئ الميت، إسوةً بأثاث الغرفة، واحتلت وجه الرئيس كذلك ابتسامة تهكمية ولامبالية بمن يحدثه، فلم يكن ينتظر مني إجابة على سؤاله. كانت الدماء تصبغ رأسه وعنقه، وينقع فيها شعره الكثيف في الخلف، وتقطر على ثيابه التي بدت كأنها احترقت وصارت رمادا. إنها صورة حقيقية للعالم الآن. فكرتُ في الحال، فنصفه مذبوح من الوريد إلى الوريد، ونصفه يحترق كل يوم إلى أن يصبح رمادا. من أوكرانيا في الغرب، إلى فلسطين ولبنان وسوريا، وكذلك العراق واليمن، في الشرق، والآلة التي تقوم بهذا الدمار في الجبهتين هي المال، وقد تمثلت أمامي في المئة دولار أمريكي، تطير وتحط كأنما في فضاء العالم، محيلةً إياه إلى بحرين من الدماء والنار، بينهما برزخ من رماد يعيش العالمين على سطحه. هل يستطيع الأمريكان العيش يوما واحدا دون محاولة جادة لإشعال الحرب في مكان في العالم، والتفكير والاستعداد في الوقت نفسه إلى حرب مقبلة؟ اختفت مسحة اللامبالاة من وجه الرئيس، وعلا صوتُه عليّ هذه المرة:

«ألم تسمع كلامي؟ قلتُ لك اخرج من بيتي الآن. حالا، ودون لحظة إبطاء!»

قفزتُ من السرير، وارتديتُ ثيابي وجمعتُ أغراضي، والرئيس يراقبني. أشعل سيجارة، تلونت بالأحمر مباشرة، وفاحت في الجو رائحة مناديلَ ورقيةٍ محترقة، تغيرت بعد ذلك إلى رائحة قمامة تشتعل فيها النيران، ثم هجمت عليّ سحابة من دخان لحم يُشوى على النار، تخالطه رائحة نقيع دماء تتفصد. ظل الرئيس يدخن وينظر لي بعصبية، ثم دمعت عيناه وأخذ يسعل، والذي أيقظني من رقادي وبقيتُ صاحيا حتى طلوع النهار هو الرائحة النتنة للدماء وللقمامة التي يدخنها الرئيس، ويسعل بسببها في أثناء ذلك بين حين وآخر.

كاتب عراقي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية