فيلم يطرح سؤال كيف تحول «أجمل يوم سياسي» إلى «كمّامات»؟
بيروت ـ «القدس العربي»: مع «بيروت في عين العاصفة» وقّعت المخرجة الفلسطينية مي المصري فيلمها الوثائقي السابع الذي أرّخ لمرحلة الانتفاضة الشعبية في العاصمة اللبنانية، المتعاقدة منذ أكثر من نصف قرن مع الأحداث الجسام. في الأفلام السابقة كان رفيق دربها مهنياً وإنسانياً حاضراً ببصمته، لكن جان شمعون رحل تاركاً المهمة كاملة بعهدتها. وهكذا ومع اندلاع انتفاضة 17 تشرين الأول/اكتوبر 2019 امتشقت مي المصري الكاميرا وحيدة وبدأت رحلة التوثيق لربيع لبناني انعقد الأمل عليه كثيراً، إلا أنه تدحرج نحو الشيخوخة مبكراً. فجذور النظام اللبناني معمّرة وما زالت بأوج قوتها، إلى عوامل أخرى داخلية ساهمت في إخماد حماسة المطالبين بالتغيير. إذ يبدو النظام محمياً ومصاناً ذاتياً بوجه العوامل الطبيعية، وحتى الوبائية كما جائحة كورونا، ومحمياً ممن يرونه لا يزال قادراً على خدمة مصالحهم ممن هم في الخارج. إذ تصف إحدى بطلات الوثائقي «بيروت في عين العاصفة» يوم 17 تشرين الأول/اكتوبر بـ«أجمل يوم سياسي في البلد». لتعود للقول وهي محبطة: «بعد شهر.. فراغ .. مش طبيعي.. شوي.. كل الناس كمامات!!».
في السياق التوثيقي والسردي شكلت الفتيات العصب الأساسي لفيلم «بيروت في عين العاصفة». فمعروف عن المخرجة مي المصري ميلها لتقديم صوت النساء وآرائهن في أفلامها. فتيات هذا الوثائقي هنّ: الشقيقتان المعروفتان في عالم الغناء الإنتقادي السياسي الساخر والراب ميشال ونويل كسرواني. وحنين رباح التي تعمل في الإعلام، وكذلك الفتاة العراقية لجين جو التي تعيش في لبنان والمتخصصة في الإخراج.
في قلب بيروت وخلال امتلاء الساحات بالمتظاهرين دارت كاميرا مي المصري. نقلت ذلك الأمل العارم الذي لفّ المكان وناسه، وكأن التغيير بات قاب قوسين أو أدنى، وأن ثمار الثورة لا بدّ ستصبح يانعة في القريب العاجل. هذا الوثائقي الذي أخذ من الانتفاضة ركنه الأول، ذهب مع بطلاته الأربع في اتجاهات مختلفة خاصة بهن، تحكي أفكارهنّ وقناعاتهن في الحياة. شريط فتح لتلك الفتيات مساحة تعبير مزجت بين الشخصي والعائلي والعام. وكل منهنّ سردت المؤثرات العائلية والمجتمعية في تكوين وعيها وفكرها.
إلى اللقطات المختارة والمعبّرة في ذروة إحتشاد المتظاهرين، فتحت مي المصري الكاميرا لفتياتها. الشقيقتان نويل وميشل كسرواني ظهرتا كشخصيتين عامتين من خلال الغناء الذي تقدمانه. فنانتان تعبران بعمق وبساطة عن أفكارهما حيال الوطن والناس والزعيم. هذا الزعيم الذي يشكّل كنموذج عقدة العقد في بلد له هيكلية مُركبة لصالح مصالحه واستمراريته، وليس لصالح الناس كما وصلنا من الكلمات التي كتبتها وغنّتها الشقيقتان كسرواني.
اختارت مي المصري بطلات «بيروت في عين العاصفة» من بيئات ومناطق مختلفة، لكنهن ورغم الاختلاف حيال بعض المفاهيم الاجتماعية، كنّ متفقات على حاجة الوطن لنفض التركات السياسية والاقتصادية التي ترهق كاهل الشعب. فهذا الشعب يحتاج لوطن يختلف عن ذاك المفصّل على قياس زعماء الطوائف في رأي تلك الفتيات.
قد يستغرب مُتابع لهذا الوثائقي حضور الفتاة العراقية لجين جو ضمن نسيجه الخاص بحدث لبناني كبير كما انتفاضة 17 تشرين الأول 2019 ويطرح سؤال لماذا؟ فتاة تروي حجز الحرية الذي كان مفروضاً عليها مع شقيقاتها في وطنها العراق ومن قبل والدها. قيد كسرته الفتيات وهربن. في لبنان وجدت لجين طعماً مختلفاً للحياة. ولكن لماذا هي موجودة في شريط «بيروت في عين العاصفة»؟ السؤال مطروح للنقاش من ضمن أسئلة كثيرة غيرها لم تجد طريقها بالوصول إلى صانعة الفيلم المخرجة مي المصري. فعرض الفيلم لأول مرة في المركز الثقافي الفرنسي في بيروت، لم يتبعه حوار. في الحد المعلل من قبلي لحضور لجين جو في الفيلم أن الفتيات الأربع تصدين في تعبيرهنّ أو ردهنّ على أسئلة المخرجة عن صلتهن بالأب.
إن كانت الأيام الأولى للانتفاضة قد دغدغتها مشاعر وآمال تقول للمنتفضين أنهم بدأوا يحققون تقدماً لجهة إعادة صياغة الهوية والوطن على أسس سليمة، لكنّ الزمن لم يطل كثيراً حتى ظهرت القنابل المسيلة للدموع، والرصاص المطاطي والهراوات. وهكذا أحاطت مي المصري بكافة المفاصل الأساسية من الرحلة القصيرة للانتفاضة. وفي الوقت عينه راحت إلى لقطات فيها جانب مميز كالجميلين اللذين «كسدرا» في وسط بيروت بين المتظاهرين بأريحية كبيرة. وأن تجسدت نهايات الفيلم بعاصفة بيروت التاريخية المتمثلة بتفجير المرفأ، حيث العاصفة لا تزال في أوجها وإلى تصاعد، فالمشهد الختامي والحصان يتهادى مرتاحاً على شاطئ الرملة البيضاء، ربما يكون رسالة أمل مفتوحة على اتساع مدى البحر، وعلى سيل من أسئلة ونقاش.
أرشيف المصري ـ شمعون إنساني وسياسي واجتماعي
يذكر أن مي المصري وقعت أفلاماً ستة إلى جانب زوجها الراحل جان شمعون، ولبيروت في هذه الأفلام حضورها الكبير. والأفلام هي:
-»تحت الأنقاض»1983: الذي تناول مرحلة الاجتياح الصهيوني للبنان وقصف الأماكن السكنية في بيروت والمخيمات الفلسطينية والضاحية الجنوبية من المدينة. وكيف كان السكّان يواجهون الحياة الصعبة في ظل الحصار والموت المحدّق بهم نتيجة آلة الموت والدمار الإسرائيلية. كما تناول حكايات من القرى الجنوبية في مواجهة العدوان الكبير الذي بدأ في حزيران/يونيو من سنة 1982.
-»بيروت جيل الحرب» 1988: فيلم يرصد جانباً من الحرب الأهلية حيث يقرأها هذا الوثائقي من خلال ثلاثة أجيال عاشوا في داخلها وتأثروا بها.
-»أحلام معلّقة» 1992: يحكي قصة أربع شخصيات نسائية في مجتمع مزّقته الحرب الأهلية وكذلك الاجتياح الصهيوني.
-»طيف المدينة» 1999: فيلم درامي يحكي عن «رامي» الذي يشبه المئات غيره، ترك قريته الجنوبية هرباً من الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة إلى بيروت فيتيه في فوضاها. تندلع الحرب الأهلية، يُخطف والده، فيحمل السلاح.
-»يوميات بيروت» 2006: وثائقي تسجيلي وفيه نقرأ الشباب اللبناني الباحث عن ذاته وسط غشاء كثيف من الضباب. يسعى لإلغاء الطائفية السياسية والقضاء على الفساد. أحلام راودت الشباب وقضي عليها نهائياً في المرحلة التي تلت اغتيال رفيق الحريري.
-»33 يوما» 2007: إنها يوميات الحرب الكبيرة والمدمّرة التي شنتها إسرائيل على لبنان في 12 تموز/يوليو 2006 واستمرت 33 يوماً. رصدت مي المصري في شريطها هذا حال النازحين إلى حديقة الصنائع، وتوقفت عند حال الأطفال بشكل خاص.