بين‭ ‬انتحار‭ ‬وآخر‭ ‬

حجم الخط
0

القصص‭ ‬التي‭ ‬تؤلمك‭ ‬ليست‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬يؤلفها‭ ‬أصحابها،‭ ‬بل‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬عاشوها‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬الأدب‭ ‬ولم‭ ‬يتسن‭ ‬لهم‭ ‬أن‭ ‬يكتبوها،‭ ‬قصص‭ ‬شبيهة‭ ‬في‭ ‬ألمها‭ ‬بما‭ ‬يكفي‭ ‬لتشعرك‭ ‬وكأنك‭ ‬مسؤول‭ ‬عما‭ ‬حدث‭ ‬لأبطالها‭.‬

مثل‭ ‬قصة‭ ‬جون‭ ‬كينيدي‭ ‬تول،‭ ‬الذي‭ ‬انتحر‭ ‬في‭ ‬الثانية‭ ‬والثلاثين‭ ‬من‭ ‬عمره،‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬أصيب‭ ‬باكتئاب‭ ‬عميق‭ ‬جراء‭ ‬رفض‭ ‬نشر‭ ‬روايته،‭ ‬والألم‭ ‬لا‭ ‬يكمن‭ ‬هنا،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬تحالف‭ ‬الجميع‭ ‬ضد‭ ‬نصه،‭ ‬ورفضه،‭ ‬كان‭ ‬ذلك‭ ‬كافيا‭ ‬ليحطمه‭ ‬هو‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬مقتنعا‭ ‬بعبقريته‭ ‬وفرادة‭ ‬ما‭ ‬كتب‭.. ‬مات‭ ‬تول‭ ‬وتمكنت‭ ‬والدته‭ ‬من‭ ‬إيجاد‭ ‬ناشر‭ ‬لروايته‭ ‬‮«‬تحالف‭ ‬الأغبياء‮»‬‭ ‬وباعت‭ ‬الرواية‭ ‬فوق‭ ‬المليون‭ ‬ونصف‭ ‬مليون‭ ‬نسخة،‭ ‬محققة‭ ‬نجاحا‭ ‬لا‭ ‬مثيل‭ ‬له،‭ ‬كما‭ ‬توجت‭ ‬بجائزة‭ ‬بوليتزر‭ ‬صاحبها‭ ‬الراقد‭ ‬في‭ ‬قبره‭.‬

الشيء‭ ‬نفسه‭ ‬حدث‭ ‬في‭ ‬تونس،‭ ‬في‭ ‬مطلع‭ ‬هذا‭ ‬العام‭ ‬حين‭ ‬انتحر‭ ‬الكاتب‭ ‬التونسي‭ ‬نضال‭ ‬الغريبي‭ ‬لأسباب‭ ‬مماثلة،‭ ‬وإن‭ ‬كانت‭ ‬أثقل‭ ‬بكثير،‭ ‬فالكاتب‭ ‬الشاب‭ ‬أنهكته‭ ‬الحياة‭ ‬العربية‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬النواحي،‭ ‬ولعله‭ ‬عاش‭ ‬فترة‭ ‬لابأس‭ ‬بها‭ ‬كمن‭ ‬يقضي‭ ‬مدة‭ ‬المؤبد‭ ‬في‭ ‬سجن‭ ‬عجيب،‭ ‬إذ‭ ‬من‭ ‬سوء‭ ‬حظه‭ ‬أن‭ ‬التغيرات‭ ‬التي‭ ‬هبت‭ ‬على‭ ‬تونس‭ ‬ومنها‭ ‬على‭ ‬العالم‭ ‬العربي‭ ‬كله‭ ‬كانت‭ ‬سامة،‭ ‬وقد‭ ‬سممت‭ ‬كل‭ ‬مظاهر‭ ‬الحياة‭. ‬بالنسبة‭ ‬لكاتب‭ ‬شاب،‭ ‬في‭ ‬مقتبل‭ ‬العمر،‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬الأمر‭ ‬سهلا‭ ‬لينهي‭ ‬حياته،‭ ‬إلا‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬واحدة‭ ‬هي‭ ‬بلوغ‭ ‬ذروة‭ ‬اليأس‭ ‬بدون‭ ‬رؤية‭ ‬أي‭ ‬بارقة‭ ‬أمل‭ ‬في‭ ‬الأفق‭. ‬

انتحار الغريبي في الميزان الإعلامي لا شيء أمام انتحار البوعزيزي ، فالرجلان يختلفان كثيرا، على الأقل من باب استغلال موتهما إعلاميا

لقد‭ ‬هجمت‭ ‬التغيرات‭ ‬السلبية‭ ‬على‭ ‬العالم‭ ‬العربي‭ ‬منذ‭ ‬هزيمة‭ ‬67،‭ ‬وربما‭ ‬سبقت‭ ‬هذا‭ ‬التاريخ‭ ‬بقليل،‭ ‬حين‭ ‬هبت‭ ‬البدائل‭ ‬الأيديولوجية‭ ‬الغريبة‭ ‬علينا،‭ ‬ونخرت‭ ‬أدمغتنا‭ ‬حتى‭ ‬بتنا‭ ‬شعوبا‭ ‬تدمر‭ ‬ذاتها‭ ‬بشتى‭ ‬الوسائل،‭ ‬وما‭ ‬نعيشه‭ ‬اليوم‭ ‬استمرار‭ ‬لهذا‭ ‬التدمير‭ ‬الذاتي‭ ‬لا‭ ‬غير‭.‬

انتحار‭ ‬الغريبي‭ ‬في‭ ‬الميزان‭ ‬الإعلامي‭ ‬لا‭ ‬شيء‭ ‬أمام‭ ‬انتحار‭ ‬البوعزيزي‭ ‬مثلا،‭ ‬فالرجلان‭ ‬يختلفان‭ ‬كثيرا،‭ ‬على‭ ‬الأقل‭ ‬من‭ ‬باب‭ ‬استغلال‭ ‬موتهما‭ ‬إعلاميا،‭ ‬فالبوعزيزي‭ ‬بائع‭ ‬خضرة‭ ‬يمثل‭ ‬الطبقات‭ ‬المسحوقة‭ ‬من‭ ‬شعوبنا،‭ ‬وحادثة‭ ‬انتحاره‭ ‬حرقا‭ ‬ارتبطت‭ ‬بحادثة‭ ‬أخرى،‭ ‬حين‭ ‬صفعته‭ ‬شرطية،‭ ‬كان‭ ‬ذلك‭ ‬سببا‭ ‬كافيا‭ ‬لجعل‭ ‬الفئات‭ ‬الشعبية‭ ‬المشبعة‭ ‬بالكراهية‭ ‬تجاه‭ ‬المرأة،‭ ‬تثور‭ ‬ضد‭ ‬تلك‭ ‬المرأة‭ ‬التي‭ ‬ترتدي‭ ‬بدلة‭ ‬رسمية،‭ ‬والتي‭ ‬كانت‭ ‬تمثل‭ ‬بشكل‭ ‬ما‭ ‬‮«‬النظام‮»‬‭ ‬بكل‭ ‬عيوبه،‭ ‬حسب‭ ‬منظور‭ ‬الشعوب‭ ‬العربية‭ ‬غير‭ ‬الراضية‭ ‬على‭ ‬خروج‭ ‬المرأة‭ ‬للعمل،‭ ‬فما‭ ‬بالك‭ ‬أن‭ ‬تشغل‭ ‬وظيفة‭ ‬في‭ ‬المؤسسة‭ ‬الأمنية‭. ‬أما‭ ‬الثاني‭ ‬فهو‭ ‬كاتب‭ ‬ومثقف،‭ ‬ونضاله‭ ‬فكري،‭ ‬وأهدافه‭ ‬سلمية،‭ ‬حتى‭ ‬في‭ ‬معارضته‭ ‬للأنظمة‭ ‬السائدة‭ ‬جمعاء،‭ ‬فإن‭ ‬وسيلته‭ ‬للتغيير‭ ‬تبدأ‭ ‬من‭ ‬إنارة‭ ‬العقول،‭ ‬لا‭ ‬بالعنف‭ ‬والفوضى،‭ ‬وتسليم‭ ‬السلطة‭ ‬لمن‭ ‬هم‭ ‬أسوأ‭ ‬ممن‭ ‬سبقوهم‭.‬

شنق‭ ‬الغريبي‭ ‬نفسه،‭ ‬وانتهت‭ ‬حياته،‭ ‬كما‭ ‬انتهت‭ ‬حياة‭ ‬خليل‭ ‬حاوي،‭ ‬وكوكبة‭ ‬الشعراء‭ ‬والكتاب‭ ‬المنتحرين،‭ ‬مثله‭ ‬مثل‭ ‬غيره‭ ‬من‭ ‬المكتئبين‭ ‬بسبب‭ ‬أوضاعهم‭ ‬الخاصة‭.‬

انتهوا‭ ‬جميعهم‭ ‬إذن،‭ ‬وتوقف‭ ‬ذكرهم‭ ‬سوى‭ ‬في‭ ‬مناسبات‭ ‬جد‭ ‬نادرة،‭ ‬غالبا‭ ‬ما‭ ‬تكون‭ ‬حادثة‭ ‬انتحار‭ ‬جديدة،‭ ‬تفتح‭ ‬الجرح‭ ‬المندمل‭ ‬في‭ ‬الحقيقة،‭ ‬كوننا‭ ‬متعودين‭ ‬بشكل‭ ‬ما‭ ‬على‭ ‬عدم‭ ‬التعاطف‭ ‬مع‭ ‬المنتحر،‭ ‬وكوننا‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬ذلك،‭ ‬لا‭ ‬نتعاطف‭ ‬حتى‭ ‬مع‭ ‬الأحياء‭.‬

أقساة‭ ‬نحن‭ ‬إلى‭ ‬هذا‭ ‬الحد؟

يبدو‭ ‬الجواب‭ ‬واضحا‭ ‬حين‭ ‬نقرأ‭ ‬رسائل‭ ‬أولئك‭ ‬المنتحرين،‭ ‬وكلماتهم‭ ‬الأخيرة‭ ‬لذويهم‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬ينهوا‭ ‬حياتهم،‭ ‬لقد‭ ‬عانوا‭ ‬من‭ ‬التخلي،‭ ‬من‭ ‬الأشخاص‭ ‬الأكثر‭ ‬قربا‭ ‬لقلوبهم،‭ ‬ماتوا‭ ‬حزنا‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تتوقف‭ ‬عن‭ ‬النبض‭ ‬بإرادتهم،‭ ‬ماتوا‭ ‬كمدا‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬نضبت‭ ‬كل‭ ‬محاولات‭ ‬الإقناع‭ ‬التي‭ ‬قاموا‭ ‬بها،‭ ‬لكنهم‭ ‬أيضا‭ ‬ماتوا‭ ‬من‭ ‬الجهل‭ ‬الذي‭ ‬غمرهم‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬الجهات،‭ ‬لقد‭ ‬وُجدوا‭ ‬في‭ ‬المكان‭ ‬الخطأ‭ ‬مع‭ ‬الناس‭ ‬الخطأ،‭ ‬حتى‭ ‬إن‭ ‬ذهبت‭ ‬التفسيرات‭ ‬العلمية‭ ‬إلى‭ ‬أسباب‭ ‬أخرى،‭ ‬أكثر‭ ‬تعقيدا‭ ‬من‭ ‬أسبابنا‭ ‬الأخلاقية‭ ‬والاجتماعية،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬الأمر‭ ‬يبدو‭ ‬دائما‭ ‬غريبا‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلينا‭ ‬حين‭ ‬نتحدث‭ ‬عن‭ ‬انتحار‭ ‬الكتاب‭ ‬في‭ ‬ثقافة‭ ‬مغايرة‭ ‬لثقافتنا،‭ ‬مثل‭ ‬انتحار‭ ‬الكاتب‭ ‬الجنوب‭ ‬إفريقي‭ ‬كارل‭ ‬شويمان‭ ‬الذي‭ ‬تعب‭ ‬من‭ ‬المرض،‭ ‬وأراد‭ ‬موتا‭ ‬رحيما‭ ‬رفضته‭ ‬قوانين‭ ‬بلاده،‭ ‬إذ‭ ‬يبدو‭ ‬أن‭ ‬الأوجاع‭ ‬الجسدية‭ ‬المرافقة‭ ‬للشيخوخة‭ ‬هي‭ ‬ما‭ ‬أزعجته،‭ ‬أو‭ ‬لنقل‭ ‬تجاوزت‭ ‬قدرات‭ ‬احتماله،‭ ‬وهنا‭ ‬تكمن‭ ‬فروق‭ ‬أخرى‭ ‬بين‭ ‬مفهومين‭ ‬للانتحار،‭ ‬فهناك‭ ‬انتحار‭ ‬نابع‭ ‬من‭ ‬الوعي‭ ‬وآخر‭ ‬نابع‭ ‬من‭ ‬فقدان‭ ‬ذلك‭ ‬الوعي،‭ ‬وما‭ ‬يليه‭ ‬من‭ ‬فقدان‭ ‬للسيطرة‭ ‬على‭ ‬الذات‭.‬

هناك‭ ‬انتحار‭ ‬تليه‭ ‬حياة‭ ‬أخرى‭ ‬للكاتب،‭ ‬بحيث‭ ‬يعاد‭ ‬إنتاجه‭ ‬بصيغ‭ ‬مختلفة،‭ ‬وهناك‭ ‬انتحار‭ ‬مستمر،‭ ‬يعاد‭ ‬إنتاجه‭ ‬كنموذج‭ ‬لصيق‭ ‬بالهزيمة،‭ ‬انتحار‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬سوى‭ ‬الموت‭ ‬المتكرر،‭ ‬الموت‭ ‬الذي‭ ‬نتعوده‭ ‬لدرجة‭ ‬أنه‭ ‬لا‭ ‬يهزنا،‭ ‬ولا‭ ‬يغير‭ ‬فينا‭ ‬شيئا،‭ ‬موت‭ ‬ألفناه‭ ‬وألفنا‭ ‬هو‭ ‬الآخر،‭ ‬فهو‭ ‬يعيش‭ ‬بيننا‭ ‬متنكرا‭ ‬أحيانا‭ ‬وأحيانا‭ ‬أخرى‭ ‬واضحا‭ ‬عاريا،‭ ‬مقيتا،‭ ‬مقرفا،‭ ‬ومع‭ ‬هذا‭ ‬نفضله‭ ‬عن‭ ‬الحياة‭ ‬التي‭ ‬ترعبنا‭ ‬بكل‭ ‬طقوسها،‭ ‬من‭ ‬حب‭ ‬وجنس،‭ ‬وبناء،‭ ‬وعمران،‭ ‬واجتهاد،‭ ‬ونضال‭ ‬متواصل‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬البقاء‭…‬

يختلف‭ ‬انتحار‭ ‬تول‭ ‬عن‭ ‬انتحار‭ ‬الغريبي‭ ‬مع‭ ‬أن‭ ‬نقاط‭ ‬تلاقيهما‭ ‬مرعبة،‭ ‬فكلاهما‭ ‬كاتب،‭ ‬وكلاهما‭ ‬أنهى‭ ‬حياته‭ ‬في‭ ‬الثانية‭ ‬والثلاثين‭ ‬من‭ ‬عمره،‭ ‬بسبب‭ ‬الرفض‭ ‬الذي‭ ‬عانى‭ ‬منه،‭ ‬ولعل‭ ‬الغريبي‭ ‬أيضا‭ ‬تنطبق‭ ‬عليه‭ ‬مقولة‭ ‬تول‭: ‬‮«‬تعرف‭ ‬العبقري‭ ‬لحظة‭ ‬ظهوره‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬بهذه‭ ‬العلامة‭: ‬الأغبياء‭ ‬جميعا‭ ‬يتحالفون‭ ‬ضده‮»‬،‭ ‬لكن‭ ‬من‭ ‬دق‭ ‬باب‭ ‬بيته‭ ‬بعد‭ ‬نهاية‭ ‬مراسيم‭ ‬العزاء؟‭ ‬من‭ ‬طرح‭ ‬الأسئلة‭ ‬التي‭ ‬يجب‭ ‬طرحها‭ ‬عن‭ ‬حياته؟‭ ‬من‭ ‬عاد‭ ‬إلى‭ ‬ذويه‭ ‬ليعرفه‭ ‬أكثر؟‭ ‬من‭ ‬الواضح‭ ‬أن‭ ‬الفروق‭ ‬تزداد‭ ‬اتساعا‭ ‬كلما‭ ‬اقتربنا‭ ‬من‭ ‬كليهما،‭ ‬فالأول‭ ‬مات‭ ‬ولكن‭ ‬عبقريته‭ ‬خُلدت،‭ ‬والثاني‭ ‬مات‭ ‬ودفنت‭ ‬معه‭ ‬عبقريته‭!‬

تنتهي‭ ‬حياة‭ ‬كُتابنا‭ ‬ومبدعينا‭ ‬بعبثية‭ ‬غريبة،‭ ‬لكن‭ ‬أسوأها‭ ‬على‭ ‬الإطلاق‭ ‬هي‭ ‬تلك‭ ‬النهايات‭ ‬التي‭ ‬نقررها‭ ‬نحن‭ ‬بتواطؤ‭ ‬لا‭ ‬تفسير‭ ‬له‭ ‬مع‭ ‬كل‭ ‬شياطين‭ ‬الشر‭ ‬

الأول‭ ‬مات‭ ‬في‭ ‬أرض‭ ‬الأحلام،‭ ‬حيث‭ ‬ينبعث‭ ‬الراحل‭ ‬مثل‭ ‬طائر‭ ‬الفينيق‭ ‬من‭ ‬تحت‭ ‬الرماد،‭ ‬والثاني‭ ‬مات‭ ‬في‭ ‬مقبرة‭ ‬الأحياء،‭ ‬حيث‭ ‬الأحلام‭ ‬لا‭ ‬تتراءى‭ ‬إلا‭ ‬للنائمين،‭ ‬وكلما‭ ‬ظل‭ ‬الفرد‭ ‬فيها‭ ‬نائما،‭ ‬طالت‭ ‬أحلامه‭. ‬تختلف‭ ‬مفاهيم‭ ‬الموت‭ ‬عندنا،‭ ‬كما‭ ‬تختلف‭ ‬طقوسها،‭ ‬وطقوس‭ ‬استحضارها،‭ ‬ولعلي‭ ‬كثيرا‭ ‬ما‭ ‬أشرت‭ ‬إلى‭ ‬الاحتفاليات‭ ‬البائسة‭ ‬التي‭ ‬يقوم‭ ‬بها‭ ‬البعض‭ ‬لإحياء‭ ‬ذكرى‭ ‬وفاة‭ ‬كاتب‭ ‬ما،‭ ‬مع‭ ‬أن‭ ‬الأجمل‭ ‬هو‭ ‬إحياء‭ ‬ذكرى‭ ‬مولده،‭ ‬كنوع‭ ‬من‭ ‬الاستمرارية‭ ‬لأدبه‭ ‬وإبداعه،‭ ‬فلطالما‭ ‬أحالتنا‭ ‬طقوس‭ ‬تذكر‭ ‬الموت‭ ‬لإعادة‭ ‬سيناريو‭ ‬العزاء،‭ ‬بكل‭ ‬محمولات‭ ‬الحزن‭ ‬التي‭ ‬يتأنق‭ ‬بها،‭ ‬ولطالما‭ ‬وضعتنا‭ ‬تلك‭ ‬الاحتفــــالات‭ ‬التأبينــــية‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬نهاياتنا،‭ ‬وتعداد‭ ‬الخسارات‭ ‬التي‭ ‬ابتلينا‭ ‬بها‭ ‬على‭ ‬مدى‭ ‬عقود‭ ‬من‭ ‬الزمن‭.‬

تنتهي‭ ‬حياة‭ ‬كُتابنا‭ ‬ومبدعينا‭ ‬بعبثية‭ ‬غريبة،‭ ‬لكن‭ ‬أسوأها‭ ‬على‭ ‬الإطلاق‭ ‬هي‭ ‬تلك‭ ‬النهايات‭ ‬التي‭ ‬نقررها‭ ‬نحن‭ ‬بتواطؤ‭ ‬لا‭ ‬تفسير‭ ‬له‭ ‬مع‭ ‬كل‭ ‬شياطين‭ ‬الشر‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الأكوان،‭ ‬فنحاصر‭ ‬الكاتب‭ ‬بعتاد‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬مجابهته،‭ ‬يبدأ‭ ‬بتجويعه،‭ ‬ويستمر‭ ‬بإذلاله،‭ ‬وتحقيره،‭ ‬وإرهابه،‭ ‬وإرعابه،‭ ‬وينتهي‭ ‬بدفنه‭ ‬حيا‭ ‬في‭ ‬مربع‭ ‬يشبه‭ ‬أبشع‭ ‬السجون‭ ‬في‭ ‬العالم،‭ ‬حيث‭ ‬يتحول‭ ‬فيه‭ ‬الجميع‭ ‬إلى‭ ‬مراقبين‭ ‬وجواسيس‭ ‬ترصد‭ ‬أدنى‭ ‬حركاته،‭ ‬فلا‭ ‬العائلة‭ ‬عائلته،‭ ‬ولا‭ ‬الجيران‭ ‬جيرانه،‭ ‬والوطن‭ ‬وطنه،‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬حوله‭ ‬مجند‭ ‬لمحاكمته،‭ ‬وإطلاق‭ ‬الأحكام‭ ‬القاسية‭ ‬ضده،‭ ‬ولن‭ ‬أكتب‭ ‬هنا‭ ‬أقسى‭ ‬وصف‭ ‬سمعته‭ ‬بشأن‭ ‬الغريبي،‭ ‬لأنه‭ ‬لا‭ ‬ينطبق‭ ‬عليه،‭ ‬لكنني‭ ‬أذكركم‭ ‬أن‭ ‬عبقرية‭ ‬الرجل‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬بين‭ ‬أشيائه،‭ ‬ومن‭ ‬غير‭ ‬المنصف‭ ‬أن‭ ‬تدفن‭ ‬معه‭.‬

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية