«كان لواك» مخرج استثنائي لا يفصل بين الفنّ والعمل السياسي. وقد نشر محاولة مختصرة تقع في أربعين صفحة «في مجابهة عَرْض الأقوياء» باريس 2014؛حول السينما والفنّ والسياسة؛ يكشف فيها عن رؤيته السينمائيّة ومعارضته للإديولوجيا الليبراليّة. وهو يَبين عن ذلك بعبارة مأثورة للشاعر الأنجليزي وليام بليك(1757 ـ1827): «حيثما يتدخّل المال، يتعذّر عمل الفنّ؛ وتكون الحرب لا غير». غير أنّنا ـ كما يقول ـ «مواطنون قبل كلّ شيء. وعلينا أن نمسك ثانية، زمام أمورنا، بأيدينا…» يستأنس لواك وصديقه كاتب السناريو بول لافرتي؛ بالذاكرة الجمعيّة الحيّة وشهادات الناس، في شريطه «مركز جيمي» أو «قاعة جيمي» Jimmy’s Hallحيث يعيد الاعتبار إلى شخصيّة إيرلنديّة « أيقونة»: جيمس غرالتون المناضل الشيوعي النقابي الذي كان يثير بمبادراته الاشتراكيّة، غضب الكنيسة والسلطة. انخرط في شبابه في الجيش الملكي البريطاني. ولكنّه رفض الخدمة العسكريّة في الهند؛ احتجاجا منه على سياسة بريطانيا في إيرلندا. وحُكم عليه بعام سجنا. هاجرا إلى أمريكا حيث استقرّ بنيويورك. وحصل على الجنسيّة الأمريكيّة، واشتغل بارمان وسائق تاكسي. انضوى إلى الحزب الشيوعي الأمريكي. وبعد أحداث دبلن: عيد الفصح الدموي 1916 أسّس في نيويورك «نادي جيمس كونولي»، وكان قد قرأ كتابات هذا المناضل الإيرلندي النقابي الماركسي الذي أعدم رميا بالرصاص عام1916. وجعل مرابيح النادي وقفا على منظمة «إيرا» التي كانت تخوض منذ 1919 حربا شرسة لتحرير إيرلندا. ويعود إلى إيرلنداعام 1932 حيث يفتتح «مركز جيمي» للرقص والغناء والتعليم، لنشر أفكاره التقدّميّة. غيرأنّ الكنيسة تشنّ حملة شرسة على هذه الثقافة «الأمريكيّة الشيطانيّة» الوافدة، وهذه الموسيقى الزنجيّة: الجاز. ويساند كبــــار ملاّكي الأرض الكنيسة. وتتظافر جهود الجميع في طرد غرالتون من إيرلندا مسقط رأسه، إلى أمريكا ، بذريعة امتلاكه لجواز سفر أمريكيّ. والفلم من هذا الجانب وثائقيّ، والمخرج لا يخفي ميله إلى التوثيق واعتماد صور الأرشيف، بدلا عن إعادة تصوير مشاهد الثلاثينات. ومن هنا نفهم إشادته بالفلم الفلسطيني الوثائقي» خمس كاميرات محطّمة». ولا ننسى أنّه عضو محكمة روسل من أجل فلسطين. فلابدّ في تقديره، من إعلام الناس، بكلّ ما يحدث في فلسطين، وتعزيز ذلك بوسـائط أخرى مثل مقاطعة بضائع بعينها؛ « فهذا ممـّا يؤذي اسرائيل التي تقدّم نفسها باعتبارها بلدا ديمقراطيّا، مثلها مثَلُ البلدان الغربيّة الأخرى؛ فيما هي ترتكب جرائم ضدّ الانسانيّة، وتقيم نظام فصلٍ عنصريٍّ… بمساندة عسكريّة وماليّة من أوروبا وأمريكا.» عماد برناط مصوّر فلسطينيّ عصاميّ، يبتاع عام 2005، بمناسبة ولادة ابنه الرابع»جبريل»،آلة تصويره الأولى: كاميرا. وفي هذا الوقت بالذات تقيم دولة الاحتلال جدار الفصل العنصري في قريته «بلعين». ويبدأ القرويّون الفلسطينيّون مقاومتهم. ويبدأ عماد رحلته «السينمائيّة» دون أن يدري؛ فيقوم بتصوير نضالهم، وتصوير ابنه وهو يدرج ويكبر. وكما هو الشأن في فلسطين، تعمد قوات الاحتلال إلى المداهمات والتقتيل وإيقاف المواطنين الفلسطينيّين، وحرق الزيتون واقتلاعه وهدم المنازل وتجريف الأرض.. ويكون نصيب عماد وأسرته، لا السجن فحسب؛ وإنّما تحطيم كاميــــراته واحــدة تلو الأخرى. ويلتقي عام 2009 غي دافيدي وهو مخرج اسرائيلي من نشطاء السلام، ويشرع الاثنان في عمل سينمائيّ استثنائي: محوره الكاميرات الخمس المحطّمة والقصص التي ترويها بواسطة الصورة.. يختتم كان لواك كتابه بما يشبه نشيدا إلى المبدعين والفنّانين؛ «فهم عقول حرّة، يتوجّهون إلى الشعب ويؤثّرون فيه… والفنّ يمكن أن يكون المفجّر والشرارة التي تنتشر وتسبّب ما تسبّب. وعلينا نحن أن نفعل كلّ شيء من أجل الاحتفاظ بهذه النار، هذا الغضب؛ وتحويله إلى حركة كونيّة من شأنها أن تفضي إلى تغيير جذريّ عميق لمجتمعاتنا كلّها». وفي مقدمة الفيلم الفلسطيني، يظهر عماد إلى طاولة عليها خمس كاميرات محطّمة.. وفي نهاية الفيلم، نرى كاميرا سادسة سليمة.. لعلّها هذه العين الأخرى.. ترى من قلب مثقوب إلى غزّة وكلّ فلسطين.. إلى الجسد الفلسطيني المقطّع.. المسلوخ.. المبتور.. المحروق.. نارابراهيم أم نار موسى أم صورة من اشفيتز أخرى؟ ٭ كاتب تونسي