بين التنوير الاسكتلندي والتنوير الفرنسي

قبل أيام من الاستفتاء على الاستقلال في اسكتلندا الأسبوع الماضي وزع امبراطور الإعلام روبرت مردوخ تغريدة على تويتر أعرب فيها عن الخوف من بعض حلفاء أليكس سالموند، زعيم الحزب الوطني الاسكتلندي الذي تزعم الحملة المنادية بالانفصال عن المملكة المتحدة، لأنهم «من أقصى اليسار الاشتراكي ومن الخضر المتطرفين». ثم أتبعها تغريدة ثانية دعا فيها إلى «وجوب التذكر بأن الاسكتلنديين قد اخترعوا العالم الحديث قبل حوالي مائتي عام بفضل حركة التنوير الاسكتلندية. أناس أحرار وأسواق حرة وضوابط معقولة».
كلام معقول. ولكن جزئيا فقط. لذلك علق أحدهم بأن في هذا الزعم قفزا طويلا على قرن كامل من التنوير الفرنسي. وكان يمكن الإضافة بأن فيه أيضا قفزا على عقود من فكر «الأوفكلارونغ» التنويري الألماني. ومع ذلك، فإن ملاحظة مردوخ صحيحة إذا أخذت من المنظور الذي رسمته تغريدة سابقة تساءل فيها: «ماذا حدث لحركة التنوير الاسكتلندية؟ إن أمريكا مدينة بالفضل أكثر من انكلترا» لهذه الحركة التنويرية.
إذ لا جدال أن كل مجموعة إقليمية أو ثقافية ضمن العالم الغربي قد تأثرت، إلى حد كبير، بحركة تنوير تختلف عما تأثرت به المجموعات الأخرى. صحيح أن حركة التنوير الفرنسية، التي تعرف في اللسان الفرنسي بـ»الأنوار» (وذلك هو التعبير الشائع في المغرب العربي) هي الأشهر وربما الأكثر إشعاعا.
إلا أنها قد انفردت بالتأثير أول الأمر في ألمانيا (التي أعادت إنتاج القضية عبر كتيّب ايمانويل كانط الشهير «ما هو التنوير؟») ثم في أوروبا اللاتينية (أي الجنوبية) قبل أن تبلغ أمريكا اللاتينية. بل إن التأثير الفرنسي في أمريكا اللاتينية لم يتمثل في انتشار فكر «الأنوار» (أي فكر القرن الثامن عشر) فحسب، بل إنه امتد تاريخيا ليشمل الفكر الوضعي الذي أسسه أوغست كونت في القرن التاسع عشر.
وهذا ملمح هام سبق لشيخ الفكر الأنثروبولوجي الراحل كلود لفي-ستروس أن أشار إليه في كثير من كتاباته عن البرازيل التي بدأ أبحاثه الميدانية عن قبائلها الأصلية عام 1938، والتي أوحت له على امتداد عقود بنصوص بديعة هي من روائع القرن العشرين.
ومعروف أن ولادة البرازيل المستقلة ترجع إلى زمن حملات نابليون (الذي ظن أن في وسعه، وأن من واجبه، تعميم قيم التنوير الفرنسي على العالمين). ومعروف أن شعار «النظام والتقدم» الذي يحمله العلم البرازيلي إنما هو مأخوذ من مبادىء الوضعية الكونتية. بل إن «النظام» في شعار الجمهورية التونسية «نظام. حرية.عدالة» إنما يحيل، في رأينا، إلى مفهوم النظام الكونتي (وليس إلى النظام السياسي أو البوليسي!). ودليلنا على ذلك أن الزعيم بورقيبة كان شديد التأثر بكونت وأنه قال في مناسبات عديدة إنه كثيرا ما كان يقف، عندما كان طالبا في باريس في العشرينيات، أمام تمثال كونت النصفي في ساحة السوربون الذي يحمل شعار «أن تحيا في سبيل الآخرين».
ولا عجب أن تكون قيمة الإيثار (أو ما يسمى، في الترجمة الحرفية الشائعة، بـ «الغيرية»: أي نزعة البذل والعطاء من أجل المجتمع أو الوطن أو الإنسانية) هي من أهم القيم التي استلهمها أحد زعماء الكفاح الوطني ضد الاستعمار من الفكر الوضعي. ذلك أن الأثر الوحيد الملموس للوضعية الفرنسية في الفكر الاجتماعي الأنغلوساكسوني، مثلا، إنما يتمثل في تطور مفهوم الإيثار الاجتماعي (كنقيض للأثرة الفردية) وما تفرع عنه من ازدهار المنظمات المدنية والجمعيات الخيرية.
ولهذا فقد ظلت فرنسا، بفضل الفكر التنويري والوضعي، أقرب إلى وجدان النخبة البرازيلية من البرتغال. كما وجد كثير من الفنانين والمناضلين الذين تعرضوا للتشريد أثناء الحكم العسكري البرازيلي ملاذا في فرنسا من عام 1964 حتى 1985. وكان لمثقفين بارزين مثل لفي-ستروس والمؤرخ فرناند بروديل دور كبير في الثلاثينيات في النهوض بجامعة ساو باولو، أشهر جامعات أمريكا اللاتينية.
إلا أن الوضع مغاير في البلدان الأنغلوساكسونية، حيث أن التنوير الاسكتلندي هو الذي استأثر بتأثير كاسح هناك، بل إنه كان عاملا حاسما في تشكيل الحداثة الأمريكية فكريا وسياسيا. فقد كانت مؤلفات مفكري التنوير الاسكتلنديين تعمر مكتبات الآباء المؤسسين، من أمثال جورج واشنطن وتوماس جفرسون وألكسندر هاملتون، ومحال التجار والحرفيين في فيلادلفيا، وتشارلستون ونيويورك. أما الحداثة البريطانية (أي الانكليزية أساسا) فإنها قائمة في جزء هام منها على منجزات أبرز التنويريين الاسكتلنديين: فيلسوف التجريبية ديفيد هيوم، ومؤسس الليبرالية الاقتصادية آدم سميث.

٭ كاتب من تونس

مالك التريكي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية