يبقى المسرح من أهم الحقول الإبداعية التي تساهم في إثراء الوجدان والوعي الإنساني. وواحدة من إشكاليات المسرح في العراق تتمثل في أن السياسة قد ابتلعت المسرح خلال مسار طويل من تاريخه. فالسياسة كموضوعة، كانت قاسما مشتركا لغالبية العروض المسرحية، وهذا بحد ذاته خلل أخذ من المسرح العراقي الكثير من الفرص لطرح قضايا إنسانية من وحي المجتمع العراقي، وأظن أن ملعب السياسة كان بمثابة فخ سقط فيه المسرحيون، ومن السهولة اصطيادهم فيه وتفريغ انشغالاتهم وتطلعاتهم لصالح الدوران حول موضوعات السياسة.
لاشك في أن المسرح دائما ما يكون في حالة صراع مع السلطة بمفهومها المطلق، وليس الأمر مختزلا في حدود السلطة السياسية، وللأسف هذا ما اصطبغ به المسرح في العراق منذ تأسيسه، ولكن هذا لا يعني أن الموضوعات الأخرى قد غابت نهائيا، لكن نستطيع القول بأن حضورها لم يكن بما تستحقه من اهتمام مقارنة مع الموضوعات السياسية، وربما يعود ذلك إلى أن العراق دائما ما كانت تعصف به السياسة، وبطبيعة الحال تنتقل تداعياتها إلى أنشطة المجتمع وقواه وفعالياته الفنية والثقافية، وفي مقدمتها المسرح. فلاغرابة إذا ما كانت وما زالت السياسة مهيمنة عليه، وحتى بعد العام 2003 لم تضعف الموضوعات السياسية في العروض، بل غلبت عليها تماما، وإن اختفت نبرة التحدي والاستفزاز للسلطة واصطبغ الخطاب منحى ملتويا وأخذ يلعب في المنطقة الرمادية.
مسرحيون مؤدلجون حزبيا
السبب الثاني لهيمنة السياسة في مسرحنا يعود إلى ان غالبية الذين اشتغلوا في المسرح وخاصة المخرجين المعروفين كانوا على ارتباط بالأحزاب والحركات السياسية، فوظفوا المسرح في خدمة السياسة، والعكس صحيح أيضا، وهذا لا يعني أنهم كانوا يقدمون خطابا مسرحيا خاليا من البحث عن قيم جمالية.
من يقرأ تاريخ المسرح العراقي سيجد أن هناك الكثير من القصص التي يتم تداولها بين المسرحيين حول عروض سببت لغطا حادا، ومشاكل للعاملين فيها بعد عرضها حيث تعرضوا إلى التحقيق والاعتقال، مثل مسرحية «إنهض أيها القرمطي هذا عصرك» للمؤلف طارق الخزاعي، وهناك عروض تم إيقافها مثل مسرحية «دائرة الفحم البغدادية» التي أخرجها إبراهيم جلال، وأعدها عادل كاظم عن مسرحية «دائرة الطباشير القوقازية» لبرتولد برشت.
ومن نتائج هذا السياق الهمجي في التعامل مع المسرح من قبل السلطة السياسية، أنه خلق لبعض المسرحيين تاريخا فنيا أكبر من قدراتهم، ونالوا بسببه تمجيدا من قبل المسرحيين، بناءً على ما تعرضوا له من مضايقات واعتقال بسبب عروضهم، لكننا إذا ما توقفنا عند الذي قدموه من الناحية الفنية قد لا نجد في عروضهم ما يستحق التمجيد والتعظيم، وهناك أسماء نالت هذا المجد المزيف.
بطبيعة الحال الذي نعرفه عن قرب ويعرفه الكثيرون أيضا أن الأجندة الحزبية للقوى والأحزاب السياسية المعارضة للأنظمة، لعبت دورا كبيرا في صنع مثل هذه الأيقونات الوهمية، ولا نستطيع إلاّ أن نحترم قناعاتهم ومواقفهم النضالية من الناحية السياسية، ولكن في إطار التقييم الفني لأعمالهم، فلن نتورط في سحب العامل السياسي على الفني، خاصة إذا لم نجد في مسيرتهم تجربة تتساوى وتتوازى في قيمتها الفنية مع الشهرة النضالية التي نالوها.
أظننا أمام تاريخ رومانسي، وللأسف ظلت هذه الرومانسية في التقييم الفني لأسماء معينة، مخيّمة وسائدة في كواليس الحياة المسرحية العراقية منذ نهاية خمسينات القرن الماضي وحتى العام 2003 لانَّ بعد هذا التاريخ، لم يعد هناك من أحد يستطيع أن يحظى بتلك الفرصة كما كانت قبل العام 2003 وربما هذه من حسنات الزمن الجديد، طالما أن العناوين السياسية للزمن الجديد برثاثته وفساده، وانعدام القيم الوطنية فيه، قد أسقطت قناعا مزيفا كان الكثيرون يحرصون على ارتدائه، إنه قناع الفنان المسرحي المناضل مع أنه لا يملك من الناحية الفنية شيئا يميزه ويتقدم به على زملائه الآخرين.
مسرح الأكلات السريعة
الملاحظ بعد العام 2003 أن أسلوب تناول الوجبات السريعة في الأكل الذي بات شائعا في حياتنا، قد انتقل إلى الكثير من العروض المسرحية، في مقدمتها عروض أنتجتها الفرقة الوطنية للتمثيل التابعة لدائرة السينما والمسرح في بغداد، حيث تم طبخها بسرعة، إستجابة لحدث جرى في الواقع، خاصة التي تناولت موضوعة الإرهاب الذي ساد العراق، حيث أن معظمها تمت على عجالة في مرحلة الكتابة والتأليف، فكانت أشبه بمادة خفيفة، لا تتناسب مع أهمية وعمق ما تناولته. ولعل قضية سقوط الموصل أبرز نموذج على ذلك، فهناك أكثر من عمل استثمرها، لكنه لم يلامس ما تخفيه من تعقيدات وملابسات سياسية، كما لم يع حقيقة الجراح النفسية التي لحقت بمن عاش تلك التجربة، بالتالي لم يستطع أن يتوغل فيها.
المسرح لا ينبغي أن يتعامل بتسرع وبعقلية مناسباتية مع القضايا الشائكة سواء من حيث الكتابة أو من حيث الخطاب الفني، لأن في ذلك تفريط بخاصيته الجدلية التي تميزه عن فنون أخرى مثل الدراما التلفزيونية التي تراعي جمهورها العائلي البسيط باهتماماته.. وللأسف تم تقديم عروض كثيرة خلال السنين القليلة الماضية بهذا السياق، حيث بدت وكأنها عروض دعائية أو أشبه ببوسترات سياسية أو مهرجانات خطابية، وهذا لأنها لم تتوغل في جذور القضايا التي تناولتها، وما تركته من آثار على المجتمع.
المسرح والدين
في ما يخص العلاقة بين المسرح والدين، فقد تابعنا خلال السنين القليلة الماضية طروحات تنظيرية تحاول أن تطرح منهجا مسرحيا يسعى لإعادة الصلة بين الدين والمسرح، والمحاولات بهذا الاتجاه لن تفضي إلى نتيجة ذات فائدة مرجوّة مسرحيا، طالما العلاقة بين المسرح والدين قد انتهت مع الظروف التاريخية التي أوجدتها، سواء عند اليونان أو في أوروبا خلال العصور الوسطى، وأصبحت هذه العلاقة حقلا للدراسة النظرية من الناحية التاريخية فقط. فالمسرح بطبيعته قائم على حرية التفكير بكل ما يتعلق بالإنسان وما ينتظره في المستقبل، ولا تقف أمامه خطوط حمراء، وتقنياته تعتمد الإيحاء والترميز في تناول أي فكرة، بينما من جانب آخر يضع الدين حدودا تكتسب صفة القداسة، لا يمكن للإنسان أن يتخطاها أو يقترب منها لمناقشتها أو التعرض لها بالنقد، ولو فعل ذلك سيضع نفسه في خانة الخروج عن الثوابت المقدسة، والمسرح حقل تجريب فني وفكري لا يقف عند حد ثوابت مقدسة، وبناء على ذلك لا جدوى من إعادة العلاقة بين المسرح والدين، ولا فائدة منها في إطار ما يسعى إليه المسرحيون للأخذ بالحركة المسرحية العراقية إلى أفق جديد من الرؤى الفنية، طالما هي عاجزة عن الإتيان بشيء جديد.