مع الذكرى السابعة عشرة لإطاحة قوات التحالف الدولي الذي قادته الولايات المتحدة نظام صدام حسين في 9 نيسان/ابريل، تم تكليف المرشح الجديد مصطفى الكاظمي تشكيل الحكومة الجديدة وهو يعتبر مستقل حزبيا، بالرغم من قربه من أحزاب الإسلام السياسي الشيعي. وجاء الكاظمي من القنوات الخلفية للمشهد السياسي العراقي، ومن رئاسة جهاز المخابرات اختير ليكلفه رئيس الجمهورية برهم صالح تشكيل الحكومة في أجواء لا يحسده عليها أحد، فهل ينجح في المهمة التي فشل في إتمامها قبله محمد توفيق علاوي وعدنان الزرفي؟
فشل علاوي والزرفي
بدون أدنى شك، كان للكتل السياسية الدور الحاسم في إفشال تشكيل حكومة محمد توفيق علاوي، الذي رشحه مقتدى الصدر زعيم كتلة سائرون ودعمه هادي العامري زعيم كتلة الفتح، وتوقع المراقبون في بداية مشوار علاوي إنه سينجح في مهمته لحيازته ثقة الكتلتين الشيعيتين الكبيرتين، لكن تكتلا سنيا كرديا تجمعت فيه كتل اتحاد القوى السنية، والكتلتين الكرديتين لحزبي الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الكردستاني، بالإضافة إلى كتلة دولة القانون الشيعية التي يقودها نوري المالكي، شكلت عائقا برلمانيا، وأفشلت تحقيق النصاب للتصويت على الثقة لحكومة علاوي، ما دفعه للاعتذار.
من دهاليز المخابرات إلى سدة الحكم
وكانت مفاجأة المشهد السياسي عندما كلف رئيس الجمهورية برهم صالح سياسيا شابا من الخط الثاني هو عدنان الزرفي تشكيل الحكومة خلفا لعلاوي، والزرفي كان محافظا لمحافظة النجف، المدينة الأقدس وعاصمة التشيع لدى عموم الشيعة في العالم، وقد شغل منصب المحافظ بترشيح من كتلة دولة القانون التي يترأسها نوري المالكي، لكنه أقيل من منصبه عام 2015 على خلفية تهم فساد مالي، لكن سرعان ما تم تسوية هذا الاتهام ليظهر عدنان الزرفي نائبا عن كتلة النصر التي يقودها حيدر العبادي في البرلمان العراقي في دورته الأخيرة.
ومثلما كان مشروع تشكيل حكومة علاوي على أنها دائمية وليست حكومة مؤقتة أو انتقالية، فان الزرفي تقدم ببرنامجه الوزاري إلى البرلمان الذي طلبه للقراءة قبل أيام من عقد جلسة التصويت، وقد تضمن البرنامج الحكومي تفاصيل كثيرة حاول الزرفي عبرها أن يضع تصورا لكل الكوارث التي يمر بها البلد، بدءا بوباء كورونا وصولا إلى انهيار أسعار البترول العالمية وتأثير ذلك على الاقتصاد العراقي، مرورا بمطالب انتفاضة تشرين وما يمكن تحقيقه منها.
تشتت المواقف
يبدو أن موقف المكلف عدنان الزرفي من الفصائل المسلحة والميليشيات القريبة من إيران كان متماهيا مع موقف كتلته التي يقودها حيدر العبادي، وهو موقف عرف عنه التشدد، والسعي لتمكين المؤسسة العسكرية الرسمية في الجيش والشرطة من الإمساك بخيوط القوة وحصر السلاح بيد الدولة، وهو مشروع لم يكمله العبادي عند انتهاء ولايته الأولى عام 2018 كما تم تسريب العديد من المعلومات عن نية الزرفي في حال حصول حكومته على ثقة البرلمان القيام بحملة لتقليم أظافر الفصائل والميليشيات المسلحة، تزامن ذلك مع إعلان تقربه من قوى سنية وكردية محسوبة على محور دول الخليج إقليميا، والولايات المتحدة الأمريكية دوليا. هذا الأمر أدى إلى تمزق مواقف الكتل الشيعية إزاء ترشح الزرفي، ما أضعف موقفه أمام الكتل السنية والكردية التي تراجعت سريعا عن دعم ترشحه لتشكيل الحكومة والوقوف مع ترشح بديله الكاظمي.
ولا يخفى أنه ومن اللحظة الأولى لإعلان تكليف رئيس الجمهورية برهم صالح للزرفي ثارت ثائرة الكتل السياسية وفصائلها المسلحة القريبة من إيران بزعامة كتلة الفتح الممثل الرسمي لفصائل المقاومة الإسلامية المسلحة، فقد اتهمت ثمانية من الفصائل المسلحة والميليشيات الشيعية الزرفي بالعمالة للأمريكان، واعتبرت ترشيح الرئيس برهم صالح له خرقا دستوريا وتحديا للكتلة الأكبر في البرلمان، وأصدرت هذه الفصائل وهي كل من: عصائب أهل الحق، حركة النجباء، كتائب سيد الشهداء، كتائب الإمام علي، حركة الأوفياء، سرايا عاشوراء، حركة جند الإمام، سرايا الخراساني، يوم 4 نيسان/ابريل بيانا حاد اللهجة استنكرت فيه تكليف عدنان الزرفي لتشكيل الحكومة.
مصطفى الكاظمي
مصطفى الكاظمي اسم مجهول لدى الكثيرين، فهو صحافي قادم من القنوات الخلفية للمؤسسة السياسية العراقية، كان صحافيا مغمورا في تسعينيات القرن الماضي، ولاجئا هاربا من نظام صدام حسين من دون أن يتم دراسته الجامعية في ثمانينيات القرن الماضي. وصل مصطفى عبد اللطيف مشتت إلى إيران، ولم تكن إقامته هناك مريحة أو ميسرة لشاب معارض، فتسلل مجددا عبر كردستان إلى أوروبا، حيث استقر في مدينة يتوبوري السويدية، وعمل في مجال توثيق خروقات حقوق الإنسان في عراق صدام، ثم انتقل إلى لندن للعمل في منظمات حقوق الإنسان والكتابة في صحافة المعارضة بالقرب من السياسي العراقي الأشهر حينها، أحمد الجلبي.
بعد إسقاط نظام صدام حسين، عمل الكاظمي مديراً تنفيذياً لمؤسسة الذاكرة العراقية بترشيح من الجلبي، و”مؤسسة الذاكرة العراقية” هي مشروع أقامه السياسي العراقي كنعان مكية لتوثيق الشهادات وجمع الأفلام وتبويب الانتهاكات التي وقعت على الضحايا في حقبة النظام الشمولي، لكن سرعان ما توقف المشروع نتيجة توقف التمويل. عمل بعدها الكاظمي في محطات إعلامية مختلفة، عراقية وعربية ودولية في الإعلام المرئي والمكتوب، لكنه لم يكن من نجوم الإعلام العراقي البارزين حينذاك.
حصل متأخرا في عام 2012 على شهادة جامعية في القانون من كلية أهلية مغمورة في بغداد، وكان ترشيح حيدر العبادي له عام 2016 لتسنم منصب مدير جهاز المخابرات العراقي مثار تساؤل وشك عند كثيرين ممن يعرفون الرجل ولا يجدون له أي علاقة بهذا المنصب الكبير، ولا بهذا النمط من المهام. لكن الكاظمي وحسب التقارير الدولية أثبت نجاحا ملحوظا في إعادة هيكلة هذا الجهاز الحساس، والتخلص من الترهل الذي كان يعاني منه، وإحراز نجاحات مهمة في حرب العراق ضد تنظيم “داعش” الإرهابي باعتراف الولايات المتحدة والشركاء الغربيين.
بعد اتهامه بالخيانة
يبدو من تصفح وجوه من حضر تكليف رئيس الجمهورية برهم صالح مصطفى الكاظمي تشكيل الحكومة، إن المكلف يحظى بقبول طيف واسع من الطبقة السياسية بتنوعاتها، فقد حضر قادة الكتل الشيعية كلها تقريبا، وقادة الكتل السنية وبعض قيادات الكرد. كذلك حضر رئيس البرلمان محمد الحلبوسي، ورئيس المحكمة الاتحادية العليا مدحت المحمود، ورئيس مجلس القضاء الأعلى فائق زيدان وممثلة الأمم المتحدة في العراق جينين بلاسخارت.
ويمثل الحضور ترحيبا وتوافقا (إيرانيا- خليجيا-أمريكيا) على ترشيح الكاظمي لتشكيل الحكومة الجديدة، لكن المفارقة إن الرجل كان متهما بأبشع الاتهامات من محور المقاومة وفصائله المسلحة في العراق قبل أسابيع فقط، إذ قال المسؤول الأمني في كتائب حزب الله العراقي أبو علي العسكري في تغريدة مطلع آذار/مارس الماضي “إن البعض يتداول ترشيح الكاظمي لمنصب رئيس الوزراء، وهو أحد المتهمين بمساعدة الولايات المتحدة لتنفيذ اغتيال سليماني والمهندس”. واعتبر العسكري ترشيح الكاظمي لرئاسة الحكومة بمثابة “إعلان حرب على الشعب العراقي، وسيحرق ما تبقى من أمن البلاد”.
وأعلن جهاز المخابرات العراقي نفيه واستهجانه لهذا الاتهام في بيان رسمي جاء فيه “هذه التصريحات تمثل تهديدا صريحا للسلم الأهلي، وتسيء إلى رئيس جهاز المخابرات الوطني العراقي مصطفى الكاظمي” وأضاف أن الاتهامات “باطلة وتؤذي سمعة الأجهزة الأمنية”. وأشار إلى أن مهام الجهاز تتمحور حول “خدمة الوطن والشعب، وليست خاضعة للأمزجة السياسية”. وشدد البيان على أنه يحتفظ بحقه في “الملاحقة القانونية لكل من يستخدم حرية الرأي لترويج اتهامات باطلة تضر بالعراق وبسمعة الجهاز وواجباته”.
المحللون قرأوا انقلاب موقف الكتل الشيعية المقربة من إيران وترحيبها بالكاظمي بعد حملة تخوينه على أنها ورقة ضغط للتخلص من ترشيح الزرفي صاحب الموقف المعادي الصريح لهم، كما أن ترحيب كتل السنة والكرد بالإضافة للشيعة تشي بأن حكومة الكاظمي ستسير على منهاج حكومة عادل عبد المهدي والتي باتت تعرف بحكومة مدراء المكاتب، إذ يتاح للمكلف تسمية وزرائه بحرية، بينما تبقى الأحزاب والكتل السياسية الفاسدة ممسكة بالوزارات عبر مدراء مكاتب الوزراء.
من جانبه لم يعد الكاظمي بالكثير مثل المرشحين السابقين، بل اكتفى بالتعهد في بيان رسمي، بتشكيل حكومة تلبي مطالب العراقيين وتصون سيادة البلاد. وقال في بيان مقتضب يوم 9 نيسان/أبريل “مع تكليفي بمهمة رئاسة الحكومة العراقية، أتعهد أمام شعبي الكريم، بالعمل على تشكيل حكومة تضع تطلعات العراقيين ومطالبهم في مقدمة أولوياتها، وتصون سيادة الوطن وتحفظ الحقوق، وتعمل على حل الأزمات، وتدفع عجلة الاقتصاد إلى الأمام”.
تبدو احتمالية حيازة الكاظمي ثقة البرلمان عالية هذه المرة، فهل سينجح في قيادة حكومة تسير بالعراق إلى بر الأمان مع كل المصائب المتراكمة؟